هـذه القـوة متـى تُـستـغل؟

عرفت البشرية ـ وماتزال تعرف ـ العديد من أنواع القوة المادية عبر التطور الزمني لتاريخها، بيد أن أيًا من هذه الأنواع لا يداني ولا يقارب قوة الإيمان وبخاصة حين يكون هذا الإيمان عميقاً يحكم هوى الإنسان ولا يجعله خاضعاً هو لرغبا.ته وشهواته، لأن المرء يتحمل التضحية والعنت والمشقة في سبيل ما يؤمن به ابتغاء مرضاة ربه، إنه ـ في هذه الحالة ـ يذهب إلى الموت راضياً باسماً، لأنه يقرِّبه إلى الله، ولا يبالي أوقع الموت عليه أم وقع هو على الموت:

ولســت أبالي حين أُقتــل مسـلماً
على أي جنب كان في الله مصرعي


والمتشككون في هذه القوة ليسوا على صواب، بل هم لايعايشون الواقع ولايرونه ولو امتدت أبصارهم إلى بطاح مكة وما حولها لرأوا بأعينهم الحقيقة مجردة من كل زيف، لرأوا ـ كما رأينا قبل أيام قليلة ـ ملايين من المسلمين يحجون البيت العتيق، آتين من كل فج عميق، أي قوة جمعتهم في هذا الوقت؟ ومن وراءهم يتحمل نفقاتهم؟ ولماذا خرجوا في أسفار قريبة أو بعيدة وتحملوا مشاق هينة أو عظيمة؟ وأسئلة كثيرة تلتف حول هذه الجموع دون أن تجد غير الإجابة المعلنة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك، إنها ياأخي في الإسلام قوة الإيمان التي تستطيع بها هذه الأمة أن تصنع في الأرض الأعاجيب في السلم والحرب، وفي العلم والعمل، وفي الدين والدنيا، وفي التقدم والعمران والحضارة.
خبرني بربك، أي دولة في الأرض تستطيع أن تحشد مثل هذا الحشد؟ وكم من ميزانية تعلن إفلاسها إن هي حاولت أن تحشد مثل هذه الحشود؟ وكيف توحد هدفهم، وتهيء سبيلهم، وتصون نظامهم وتحافظ على أمنهم؟ من من الدول يقدر على ذلك؟
إن الإيمان يصنع ذلك ويستطيع أن يصنع في الإنسان المسلم ما هو أعظم من تجميع الطاقات، وتوحيد القدرات، والسعي بها لصالح المسلمين، بل لصالح الناس أجمعين ولكن المتشككين لايفقهون، ومن قديم قال زعماء لهم من قبل "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" فلما رجعوا إلى المدينة ثبت فيها الإيمان وطاشت كفة الخذلان والبهتان، وبقيت المدينة ـ وستبقى ـ ركن الإسلام الركين ـ يأرز إليها الإيمان حتى آخر الدهر.
وكان الأجدر بالمشككين والمخذلين أن يرأوا هذا الواقــع ـ واقع القوة الإيمانية ـ يتمثل في عصرنا الحاضر، في جموع الحجيج التي تفيض من عرفات لتذكر الله ـ وحده ـ عند المشعر الحرام.
إن هذه الجموع أدركت أن سر القوة الأول هو حسن الصلة بالله، وإعلاء وإعلان التوحيد فأهلت : لبيك اللهم لبيك، لم يقل واحد من بينها لبيك عبدالقادر، ولاعبدالباسط، ولم يول أحد من بينها دبره لنسك من المناسك أو شعيرة من الشعائر، ولم يؤجل واحد منها منسكاً بعد وقته، ولم يعجله قبل وقته الذي اختاره الله وبيَّنـه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: خذوا عني مناسككم، وهذا درس عملي حركي للركن الخامس من أركان الإسلام، لو حرصنا على التمسك به حيناً من الدهر بعد انتهاء الحج، لتغيرت أحوال المسلمين ولسلمت مقاصدهم، وتوحدت وجهتهم، وما تشعبت بهم الأودية، وعبث بهم الأعداء، وأخذوا بعض ما في أيديهم.
والداعون إلى المشروع الإسلامي، وأبناء الصحوة الإسلامية هم في مقدمة المطالَبين بأن يسستشعروا هذه القوة، وأن يتخلوا عن أهوائهم وعصبياتهم، وأن يجعلوا أنفسهم طوع ربهم، لايرفعون إلا شعار: لبيك اللهم لبيك، ليؤلف الله قلوب المسلمين من حولهم، ويجعل قوتهم إرهاباً لعدو الله وعدوهم، وهذا هو الطريق.. فهل من سالك؟
اخوكم جاسم بن محمد بن مهلهل الياسمين