المشروع الصهيوني هل يتهاوى؟

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

حقيقة الكائن قبل أن يكون ابراهيم عند يوحنا » آخر مشاركة: محب ابن عثيمين | == == | سحق شبهة فتر الوحى وتوفى ورقة » آخر مشاركة: محب ابن عثيمين | == == | تسريبات من قلب الزريبة العربية » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | قصتي مع الخلاص قصص يحكيها أصحابها [ متجدد بإذن الله ] » آخر مشاركة: الشهاب الثاقب. | == == | التجسد الإلهي فى البشر وتأليه البشر عادة وثنية عندكم يا نصارى » آخر مشاركة: الشهاب الثاقب. | == == | إبطال السبب الرئيسي للتجسد و الفداء عندكم يا نصارى من كتابكم » آخر مشاركة: Doctor X | == == | نعم قالوا إن الله ثالث ثلاثة و كفروا بقولهم هذا ( جديد ) » آخر مشاركة: الا حبيب الله محمد | == == | سحق شبهة أن الارض مخلوقة قبل السماء فى الاسلام » آخر مشاركة: محب ابن عثيمين | == == | هل الله عند المسيحيين في القرآن هو: المسيح أم المسيح وأمه أم ثالث ثلاثة أم الرهبان؟ » آخر مشاركة: islamforchristians | == == | الرد على الزعم أن إباحة الإسلام التسري بالجواري دعوة إلى الدعارة وتشجيع على الرق » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == |

مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

المشروع الصهيوني هل يتهاوى؟

النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: المشروع الصهيوني هل يتهاوى؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    1,559
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    22-05-2017
    على الساعة
    02:06 AM

    افتراضي المشروع الصهيوني هل يتهاوى؟






    بعد تداعي العناصر التي استند إليها ..
    المشروع الصهيوني هل يتهاوى؟





    د. يوسف مكي



    كاتب أكاديمي متخصص في السياسة المقارنة
    yousifmakki@yahoo.com




    ابتداء، يجدر التنبه إلى أنه في العلوم السياسية والاجتماعية، يستمد نشوء الدول، على مجموعة من العناصر، تساهم في تشكيلها, وتمنحها مشروعية البقاء. إن سقوط هذه العناصر، فرادى أو مجتمعة من شأنه أن يحدث تبدلات جوهرية في تركيب الدولة. وربما نتج عن ذلك نهاية محققة لوجودها. وإذا طبقنا هذه المسلمة النظرية على الكيان الصهيوني، الذي هو نتاج العقيدة الصهيونية، بجملة عناصرها وجدنا أن الصهيونية استندت إلى عناصر. ارتبط بعضها بالمناخ الدولي العام، الذي ساد قبيل الحرب العالمية الأولى، وبطبيعة الصراعات القائمة بين الدول الكبرى آنذاك، وحاجة بعض تلك الدول لدعم المال اليهودي لمشاريعها السياسية، ومواقف القوى الاستعمارية التقليدية التي وجدت في إقامة كيان صهيوني على أرض فلسطين، خنجرا في القلب من الوطن العربي، عند نقطة الوصل بين مشرقه ومغربه، يحول دون تحقيق وحدة الأمة. ويحجب عنها الحق في التنمية والتطور، ويكرس تبعيتها للخارج. لقد استثمر القادة الصهاينة، تلك الظروف بشكل ذكي، في الفترة التي سبقت الحرب، واستمرارا حتى إعلان وعد بلفور، وتصاعد حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، وما تبعها من حملات إبادة لليهود، على يد النازيين، وصولا إلى إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948.

    يمكن تلخيص عناصر المشروع الصهيوني بأربعة هي: الحق التاريخي لليهود في فلسطين، المستمد من أسطورة توراتية تقول إن النبي إبراهيم، وعد ابنه إسحق بأن تكون إسرائيل إرثا له ولأحفاده. وأن اليهود قد أقاموا أول دولة لهم على أرض فلسطين، على يد النبي داود. ومن المؤكد أن هذه الأسطورة لم تكن لتساعد اليهود في الحصول على موطئ قدم لهم في فلسطين، لولا التواطؤ الدولي، في هذا الاتجاه. فقد سهل وجود فلسطين، تحت دائرة الانتداب البريطاني حركة الهجرة اليهودية لأرض السلام. وقد قام الصهاينة بالترويج لفكرة أن فلسطين، أرض بلا شعب وأن اليهود هم شعب بلا أرض. ورد ذلك في تصريحات لعدد من الزعماء الصهاينة، في مقدمتهم رئيسة وزراء إسرائيل، جولدا مائير. وهكذا روج للهجرة اليهودية للأرض المقدسة، باعتبارها حل لمشكلة إنسانية واستجابة لحق تاريخي. ومن هنا هيأت هذه المقدمة للعنصر الثاني من عناصر الجدل الصهيوني.

    فما دامت العقيدة الصهيونية، قد قامت على نفي وجود شعب على أرض فلسطين، خلافا للواقع، فإن من الطبيعي نكران الحق الطبيعي لهذا الشعب في أرضه، على اعتبار أن هذا الشعب لا يتمتع بالقدرات العقلية والأخلاقية التي يحظى بها اليهود. من هنا، برزت نظرية التفوق العنصرية، ومقولة تميز الشعب الإسرائيلي عن غيره من الشعوب. تم إبراز هذه المقولة على عدة محاور، بعضها استند إلى الأساطير التوراتية، القائلة إن اليهود هم شعب الله المختار، وبعضها الآخر استند إلى نظرية البقاء للأفضل. إن الأولى بامتلاك الأرض هم من يستطيعون عمارتها وزراعتها. وبما أن اليهود هم الأقدر على الزراعة والعمارة من السكان الأصليين، فهم أولى بامتلاكها. وهكذا جرى تحريف مقولة الأرض لمن يزرعها، لتخدم أغراض المشروع الصهيوني. وأضيف إلى ذلك، ادعاء صهيوني آخر، بأن اليهود هم شعب بثقافة متميزة عصية على الاندماج، وأنهم طوال الحقب التاريخية التي مروا بها، رغم أنهم عاشوا بلا وطن أو أرض، فإنهم ظلوا محتفظين بعاداتهم وتقاليدهم، ولم يندمجوا في ثقافات الشعوب التي عاشوا معها أبدا. وقد مكنهم ذلك من الحفاظ على هويتهم.

    ولإضفاء طابع إنساني على هذا المشروع، جرى ربطه بتراجيديا، خلاصتها أن اليهود عانوا على امتداد مسيرتهم، منذ الأسر البابلي حتى العصر الحديث، من اضطهاد قل أن يوجد له نظير. لقد كانوا باستمرار عرضة لحملات التطهير والإبادة من قبل الدول التي وقعوا تحت سيطرتها، منذ سقوط المعبد الثاني. وفي العصر الحديث، تعرضوا لحملة اضطهاد واسعة في الأوطان التي عاشوا بها، وخاصة في أوروبا الشرقية. وكان الصهاينة يضاعفون في تركيزهم على هذا الجدل بحدة أكبر، كلما اقتربوا من تنفيذ مشروعهم في اغتصاب فلسطين.

    وحين حدثت الحرب العالمية الثانية، تنامى للعالم أنباء الإبادة التي تعرض لها اليهود على يد النازيين، وجدت الصهيونية في ذلك ضالتها، وأخذت تعيد صياغة التاريخ، على ضوء نتائج الحرب. فما دامت دول العالم قد شهدت بأن إبادة حقيقية حدثت لليهود على يد ألمانيا الهتلرية، فإن الحل الطبيعي والمنطقي أن يكون لليهود كيانهم الخاص المستقل، حيث يكونوا بمنأى عن الاضطهاد. أغفل هذا الجدل حقيقة أن اليهود لم يكونوا وحدهم الذين كانوا عرضة لاضطهاد النازيين. فلقد فاقت خسائر روسيا وحدها في تلك الحرب بكثير الأعداد التي ذكرها الصهاينة عن ضحاياهم، ومع ذلك لم تنل تلك الخسائر من الاهتمام العالمي ما تستحقه. كما أغفل هذا الجدل أيضا، حقيقة أن قيام الكيان الصهيوني، لم يكن له أن يتحقق إلا على حساب تشريد شعب آخر، ليست له علاقة باضطهاد اليهود، هو الشعب الفلسطيني.

    هكذا تداخل الحق التاريخي وجدل التفوق بدراما تراجيدية، ليصنع جدلا متكاملا، هيأ في غفلة من العالم، وانشغاله بالنتائج المروعة للحرب الكونية الثانية، والانسحاق الإنساني الذي ساد معظم أنحاء أوروبا، وتحت وطأة الكذب والتضليل، لاستكمال خلق كيان يهودي على أرض فلسطين، ساهم في إنجاحه غياب استراتيجية عربية واضحة ومتكاملة للتصدي لهذا المشروع. والواقع أن النفاق السياسي والتوافق الأمريكي البريطاني، وعقدة الذنب التي سادت في عموم أوروبا قد مكنت من نجاح المشروع الصهيوني.

    كانت العقيدة الصهيونية في بنيتها تعبيرا عن أزمة، استمدت عناصرها من مجموعة من الأزمات الذاتية والمحلية والدولية، وجملة من الظروف والمعطيات. وكانت في حقيقتها مشروع حرب، قام على العصبية وتحشيد اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين، واستوطنوا بها، من مختلف بقاع العالم، والذين زجت بهم الحركة الصهيونية، في حربها "المقدسة". كما استندت إلى واقع موضوعي، ساد في حقبة تاريخية محددة. لكن كل ذلك لا يملك صفة الثبات. وإذا ما أجزنا لأنفسنا استعارة نظرة العلامة العربي ابن خلدون، فإن العصبية هي الدورة التاريخية الأولى عند تأسيس أي كيان، وليس بعد العصبية سوى العمران، فالشيخوخة. بمعنى آخر، إن العناصر التي استند إليها الصهاينة، ليست ثابتة أو نهائية، كونها نتيجة وضع أنشأه التاريخ. وإن أي تغيير في تلك العناصر، سيتبعه حتما، تغيير في بنية الهيكلية للمشروع.


    فما المتغيرات التي حدثت على بنية المشروع الصهيوني؟ وما مستقبل هذا المشروع؟

    الواقع أن أحداثا كثيرة أخذت مكانها خلال الستين عاما المنصرمة، منذ اغتصاب فلسطين، وأحدثت، شروخا كبيرة في العناصر التي استند إليها المشروع الصهيوني. وتؤكد مؤشرات الأحداث إن تلك الشروخ هي في تزايد مستمر، رغم محاولات الصهاينة التحايل عليها. فالحق التاريخي، والمستند إلى الأسطورة، أصبح مرفوضا، لأنه يجمد حركة التاريخ، ويزدري العوامل الروحية والأخلاقية، ويتخذ موقفا عنصريا تجاه الشعوب الأخرى. وهو بالتالي تذرع عقيم ترفضه القوانين والأعراف الدولية. إذ لو ساد هذا المنطق وأصبح شريعة، لكان من حق الشعوب التي سادت امبراطورياتها القديمة في الأرض الادعاء والمطالبة بالأراضي التي هيمنت عليها إبان ذروة مجدها. ولكان من حق العرب والمسلمين أن يطالبوا بفردوسهم المفقود وبعودة ممتلكاتهم التي امتدت من السند شرقا حتى الأندلس غربا.

    وإذا كان الصهاينة قد تمكنوا من تضليل العالم في حقبة مغايرة، لما نعيش فيه، بأن إقناع العالم بأن فلسطين أرض بلا شعب، أصبح غير منطقي، وغير مقبول، أمام الحقيقة التي برزت واضحة للجميع، والتي عبرت عنها مقاومة الشعب الفلسطيني الباسلة للاحتلال الإسرائيلي لأرضه. لقد تأكد للعالم، أن فلسطين لم تكن أرضا مهجورة. بل إنها تمور بالحركة، ويعيش بها سكان محليون تواجدوا فيها دونما انقطاع لفترة تجاوزت الثلاثة آلاف عام، وهي فترة طويلة ممتدة في عمق التاريخ، لا تتيح لليهود أن يقارنوا حقبة وجودهم على أرض فلسطين، بوجود الفلسطينيين. وجاءت الانتفاضتان الفلسطينيتان لتؤكدا بشكل لا يقبل اللبس أو الجدل فشل تلك الأكذوبة الصهيونية. إن شعبا يرفع أطفاله الحجارة أمام المحتل، ويتقدم شبانه اليافعون إلى الموت بجسارة نادرة للدفاع عن أرضهم، هو شعب حي لا يمكن نفي وجوده.

    أما العنصر الثاني، في الجدل الصهيوني، القائل بالتفوق العرقي، ونكران الحق الطبيعي للفلسطينيين، كونهم لا يتمتعون بالقدرات العقلية التي يحظى بها اليهود، فهو في جوهره، وبغض النظر عن ربطه بأسطورة شعب الله المختار، مشابه لما روج له المستوطنون الأوروبيون أثناء استعمارهم لدول العالم الثالث، بأن الأولى بامتلاك الأرض هم من يستطيعون عمارتها. لقد تهاوت تلك المقولة أمام الضربات المتلاحقة التي وجهت للاستعمار التقليدي، والتي انتهت برحيله وتحقيق الاستقلال السياسي لتلك البلدان.

    والملاحظ أن المستوطنين الأوروبيين الصهاينة لعبوا نفس الدور الذي طبقه الأوروبيون، سواء في بلدانهم، أو البلدان التي استعمروها واستوطنوها، في القارتين الأمريكيتين والقارة الأسترالية. فكما قام الأوروبيون باستقدام الرقيق من إفريقيا لبلدانهم ومستعمراتهم ليحرثوا لهم الأرض ويقوموا بتقديم الخدمات الوضيعة، استقدم الصهاينة الأوربيون اليهود من مختلف دول العالم الثالث، تحت شعار تشجيع الهجرة اليهودية لفلسطين لينفذوا نفس الدور الذي قام به الرقيق من قبل في العالم الجديد. وقد استورد بعضهم في حملات قرصنة مشابهة لتلك التي حدثت للرقيق الأفارقة من قبل. وهنا نكتفي بالإشارة للطريقة التي تم بها نقل اليهود الفلاشا من إثيوبيا عبر السودان إلى إسرائيل. وهي قصة أصبحت معروفة ولم تعد سرا.

    وليس بسر أيضا تلك الصراعات الإثنية التي يزدحم بها الكيان الصهيوني بين مختلف الشعوب اليهودية، والمعبر عنها بشكل فاضح بين الإشكنازيين والسفارديين، بما يدحض الادعاءات الصهيونية، بأن اليهود هم شعب بثقافة متميزة عصية على الاندماج، وأنهم طوال الحقب التاريخية التي مروا بها، ظلوا محتفظين بعاداتهم وتقاليدهم، ولم يندمجوا في ثقافات الشعوب التي عاشوا معها أبدا، وأن ذلك مكنهم من الحفاظ على هويتهم.

    وقد كشفت عمليات انتفاضة الأقصى، في تل أبيب جزءا من تلك الحقيقة. فالنادي الليلي الذي تم تفجيره، كان معظم مرتاديه من اليهود الروس، ومعظم القتلى كانوا منهم. وذلك يعنى أن هناك كانتونات خاصة بكل جالية يهودية، وأن الصهاينة لم يتمكنوا من تحقيق اندماج بين اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين.

    ومع أن الصهاينة حاولوا، عبثا بعث اللغة العبرية من جديد، إلا أنهم لم يتمكنوا من جعلها لغة قومية يتحدث بها سائر اليهود المقيمين في فلسطين، فقد بقيت اللغات التي قدم بها المهاجرون اليهود من مختلف بقاع العالم هي لغات التحدث في المنازل وبين المجموعات القادمة من بلدان متماثلة في لغتها، وتأتي العربية في مقدمة اللغات المستخدمة على نطاق واسع داخل الكيان الصهيوني. وعلى المرء أن يتصور كيف لهذه اللغة المنقرضة أن تبعث من جديد، وأن تصمد أمام لغات زاخرة بالاستمرارية والحياة والحركة وعمق التاريخ.

    وتصبح الأزمة أسوأ بكثير، بوضع هذا الكيان المشوه، في موقعه التاريخي الصحيح، وسط محيط عربي بثقافة وحضارة متميزتين، يحيط به، ويخترقه في القلب بأكثر من مليون عربي، يعيشون معه في كيان واحد هم الفلسطينيون، الذين صمدوا بعد عام 1948، وحملوا الجنسية الإسرائيلية، والذين أصبحوا، أمام القانون، يملكون حق المواطنة والتصويت في إسرائيل.

    لقد كان الافتعال المستمر لحروب وأزمات خارجية، هو سبيل الحركة الصهيونية لتحقيق الوحدة داخل المجتمعات الإسرائيلية، ولذلك قلنا إنها مشروع حرب، لا يستطيع التعايش مع السلام والاستقرار. ومهما حاول طيبو النفوس أن يقنعوا أنفسهم بإمكانية التوصل إلى حل سلمي مع هذا الكيان فهم واهمون. لأن الحرب عملية توحيدية بالنسبة لإسرائيل، في غيابها تنتهي العصبية، وتبدأ الصراعات الإثنية تنخر فيها، وتبرز حقائق جديدة، وهويات كامنة تؤدي في سيرورتها إلى هزيمة العناصر التي استند إليها المشروع الصهيوني.

    أما الحديث عن عقدة الاضطهاد وحرب الإبادة التي تعرض لها اليهود، وإعادة صياغة التاريخ في ضوئها، بأن يكون لليهود كيانهم الخاص المستقل، حيث يكونون بمنأى عن الاضطهاد. فلا يختلف اثنان على أن اليهود الآن، سواء كانوا في أوروبا أو أمريكا، ليسوا مجرد مواطنين عاديين، بل مواطنون من الدرجة الممتازة، يكفي أن يفند كاتب افتراءاتهم حتى يجرجر به في محاكم باريس وبون وواشنطون بتهمة العداء للسامية. لقد تخطى الحديث عن عقدة الاضطهاد كل الحدود المقبولة، وأصبح ابتزازا ونوعا من ممارسة الإرهاب، وسيفا مسلطا على كل من يواجه أو يعترض على غطرسة القوة والعنف. لقد أصبحت تهمة العداء للسامية، معلبة وجاهزة، وما على الذين يعترضون على ذلك، سوى التجرؤ قليلا، وتوجيه النقد لممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي، بحق الشعب الفلسطيني. والطريف في الأمر، أن هذه التهمة توجه لنا نحن العرب، الذين ننحدر من أصول سامية.

    لقد شهدت حملة الإرهاب الصهيونية، عمليات اغتيال عن طريق طرود مفخخة. تعرض لها بعض الناشطين ضد التمييز العنصري. وهم أمريكيون ينحدرون من أصول عربية، لم تتعد نشاطاتهم فضح الممارسات العنصرية لقوات الاحتلال الإسرائيلي بالضفة الغربية وقطاع غزة. وهذه الحوادث ليست سرا، خاصة ضمن أفراد الجالية العربية بولاية كاليفورنيا. ورغم تبجح الإدارات الأمريكية المختلفة بالديمقراطية، وإداناتها المتكررة للإرهاب، فإن ملفات القتل تلك سرعان ما تقفل ويطويها النسيان.

    بل إن الحركة الصهيونية، تقف بعنف وقسوة تجاه أية محاولات علمية جادة لدراسة الحقبة النازية، وخاصة تلك التي تتعرض بالتحليل لقصة المحرقة. وتجرجر الكتاب إلى المحاكم والسجون. ومن ضمن أولئك مفكرون اكتسبوا شهرة عالمية، كمبدعين ومتميزين في مجالات الفكر والفلسفة، وحازوا جوائز عالمية تقديرية، وفي مقدمتهم ريجيه جارودي.

    ويسيطر الصهاينة في أمريكا وأوروبا الغربية، على قطاع واسع من أجهزة الإعلام، من محطات تلفزة وإذاعات وصحف ومجلات. كما تلعب مؤسساتهم أدوارا بارزة في قضايا الفنون والتوجيه وشؤون السينما، فيما في ذلك إحكام دقيق على النشاطات الفنية والسينمائية، في هوليود العاصمة العالمية للإنتاج المرئي، وفي باريس ولندن وهنولولو... وقد أنتجت عشرات الأفلام التي تناولت موضوع المحرقة اليهودية "الهولوكست"، وحصل بعض منها على جوائز عالمية.

    لقد أحكم الصهاينة، قبضتهم على وسائل الإعلام والتوجيه بأكثر الدول عراقة في الديمقراطية. أما في الشؤون السياسية، فحدث ولا حرج، وليس هنا مكان التعرض بالتفصيل لأدوار الصهاينة، فسيطرة اللوبي الصهيوني "الإيباك" على الكونجرس الأمريكي، وممارسة الإرهاب بحق كل من يتعرض للسياسات الإسرائيلية ليس بحاجة إلى دليل. ولمن يشكك في ذلك نحيله إلى كتاب بول فيندلي، العضو السابق في الكونجرس الأمريكي: " لقد تجرأوا على الكلام".

    والخلاصة أن جدل الاضطهاد، قد تهاوى, وأصبح واضحا للعيان أن اليهود الآن هم مواطنو الدرجة الأولى أينما تواجدوا، باستثناء إسرائيل، حيث يتعرض اليهود المهاجرون من العالم الثالث، لحملة تمييز عنصري، يقودها المستوطنون الأوروبيون اليهود.

    وأخيرا نأتي إلى الركن الأساسي في المشروع الصهيوني، وهو قيام دولة قومية على أرض فلسطين. وهذا الركن ذاته يتعرض للانهيار، بسبب التغيرات الديموغرافية، التي تأخذ مكانها داخل المجتمع الإسرائيلي. فالملاحظ أن نسبة النمو بالمواليد ضمن الأسر اليهودية، ثابتة لا توحي بازدياد مطرد في عدد السكان اليهود داخل فلسطين المحتلة. وكان الصهاينة فيما مضى، يعوضون عن ذلك بممارسة الضغوط على روسيا والدول الأخرى التي يتواجد فيها اليهود لتشجيع هجرتهم إلى فلسطين. لكن ذلك لا يمكن أن يكون حلا مثاليا، فاليهود في العالم عددهم محدود، والهجرة إلى فلسطين والتخلي عن المواطن الأصلية ليست أمرا واعدا، خاصة أمام الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي يمر بها الكيان الصهيوني. ومما لا شك فيه، أن نضال الشعب الفلسطيني، جعلت الكثير من اليهود يدركون أن إسرائيل ليست الفردوس الموعود. وقد حدثت بالفعل هجرات معاكسة من فلسطين المحتلة إلى دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا.

    من جهة أخرى، فإن الفلسطينيين في عملية، ربما كمنت في الوعي، من أجل إثبات وجودهم وحقهم الطبيعي في أرضهم يتزايدون بكثافة مذهلة، وتصل بعض التقديرات الرسمية إلى أنه بحلول عام 2025م ستكون نسبة وجودهم في الأراضي الفلسطينية، التي احتلت عام 1948م، مماثلة لعدد اليهود. وعند ذاك، لن يكون بإمكان الصهاينة الادعاء بيهودية كيانهم، طالما أن نصف كيانهم ليس من اليهود. وتصبح المشكلة أكبر بكثير، إذا أصر الصهاينة على ضم مدينة القدس إلى الكيان الصهيوني، بما تضمه المدينة من العرب الفلسطينيين إلى هذا الكيان.

    والواقع أن إحساس الصهاينة بذلك، بدأ إثر احتلالهم لقطاع غزة والضفة الغربية. وقد أثير جدل رسمي حول ذلك في صفوف حزب العمل منذ السبعينيات، حين طرحت مجموعات متطرفة من الصهاينة، ضم الأراضي المحتلة عام 1967 للكيان الصهيوني. لقد اعترض قادة حزب العمل على ذلك، ليس من منظور مخالفته لقواعد القانون الدولي، وحق الشعوب في تقرير المصير، وقرارات الأسرة الدولية، بل من حيث خطورته على مستقبل الكيان الصهيوني، وتزعزع هوية الدولة اليهودية. ولذلك تبنى حزب العمل تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى كانتونات، تحيط بها مستعمرات ومستوطنات، ويشرف الجنود الإسرائيليون على مداخلها. ويتعاون معهم في ذلك فلسطينيون داخل المدن. ويتوقع الصهاينة من السلطة الوطنية تأمين الحماية داخل المدن الفلسطينية. ضمن هذا السيناريو تضمن إسرائيل، أن لا يحدث انهيار حاد في التركيبة الديموغرافية، وألا يتمتع الفلسطينيون بحق المواطنة الكاملة، في مجتمع فسيفسائي ينوء بثقل الانقسامات العرقية، وتحكمه قواعد اللعبة الديمقراطية. ولا تزال القضية الديموغرافية موضوع خلاف حاد بين قطبي الحكم في إسرائيل. ويتهم الأخير، حزب العمل الليكود بالخيانة، بتكثيفه بناء المستوطنات داخل الضفة الغربية، وقطاع غزة، بما يعني ترحيل نسبة كبيرة من اليهود من الأراضي المحتلة عام 1948م. ويعتقد شيمون بيريز أن ذلك يسرع بالخلل الديموغرافي داخل الكيان الصهيوني، المعترف به دوليا. أما أتباع الليكود، فيشيرون إلى أن حزب العمل بتبنيه لتجميد المستوطنات، يتخلى عن الشعار الصهيوني الأصلي، وتحقيق إسرائيل الكبرى، من النيل إلى الفرات. ويطرحون طرد الفلسطينيين من أراضيهم للدول المجاورة كحل مثالي لهذه القضية. وواقع الحال، أن الصهاينة، بشقيهما الليبرالي والمحافظ، لا يتورعون عن تبني هذا الحل، لو أن بالإمكان تحقيق ذلك. إن معضلتهم هي في كونهم يطمحون إلى مد جسور متينة إلى الأقطار العربية المجاورة، يحكمون من خلالها هيمنتهم على المنطقة بأسرها. وهم يعلمون جيدا أنه ليس بالإمكان تحقيق المكسبين في آن واحد، ولذلك ليس أمامهم سوى التعايش مع هذا الواقع والقبول به، خاصة بعد أن قطعوا شوطا كبيرا على طريق تثبيت علاقاتهم، مع بعض الأنظمة العربية. ولذلك ستبقى معضلتهم الديموغرافية قائمة دون حل. وربما يكون الوقت متأخرا جدا، حين تتغير المعادلة. إذ ليس بالإمكان آنذاك، سوى واحد من حلين: إما انهيار الفكرة الصهيونية، من أساسها، وقيام دولة ديمقراطية، علمانية يتساوى فيها الجميع، بغض النظر عن معتقداتهم وأديانهم، وذلك مطلب فلسطيني، تبنته منظمة التحرير الفلسطينية، منذ وقت مبكر، في نهاية الستينيات، وليس له معنى سوى تأكيد عروبة فلسطين، أو قيام نظام فاشي يلغي الديمقراطية من أساسها، ويقوض الهياكل التي استند إليها الكيان الصهيوني، منذ نشأته، وهو أمر منذر بالخطر على الجميع من مواطني الأرض المحتلة، سواء كانوا عربا أو يهودا. كما أنه انهيار كامل لأسطورة الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط.

    يضاف إلى ذلك، تمسك قطاع واسع من اليهود العرب بهويتهم الثقافية، العربية. فاليهود المغاربة، على سبيل المثال، لديهم شعور قوي، بانتمائهم للمغرب العربي، وبالتالي للثقافة العربية. وليس مصادفة أن الجنود الذين رفضوا الانصياع لأوامر الجيش الإسرائيلي، بقصف بيروت عام 1982م، وحكم عليهم بالسجن لمدة ستة أشهر هم من المغاربة، شعروا بانتماءات عاطفية وثقافية للبنان، فتمردوا على أوامر رؤسائهم، وتحملوا السجن والطرد. وقد لاحظ بعض الزوار للكيان الصهيوني، احتفاظ الجالية اليهودية العراقية بتقاليدها القديمة، التي قدمت بها. وفي مطاعمهم توجد الباجة والدولما وصوت ناظم الغزالي. ولا يمكن للمرء تصور ذلك خارج العواطف والوجدان والإحساس بالانتماء. ومهما يكن حجم ذلك الآن، فإن المؤشرات توحي بتصاعده. وعلى المرء أن يتصور كيف سيتسنى لهذا الكيان أن يتغلب على ذلك، ويحقق الاندماج بين اليهود القاطنين فيه.

    هكذا تداعت العناصر التي استند إليها المشروع الصهيوني، من حق تاريخي ونظرية تفوق ودراما تراجيدية، أضيف لها خلل كبير في التركيبة والتوازن الديموغرافي. فهل بإمكان الصهاينة خلق عناصر جديدة خارج إطار المشروع؟ وإذا ما تم ذلك، ماذا سيتبقى منه؟ أم أن نهاية محققة للكيان الصهيوني ومشروعه، تصبح أمرا لا مفر منه؟



    صحيفة الإقتصادية الإلكترونية - الجمعة 11 شعبان 1431 هـ الموافق 23 يوليو 2010 العدد 6129
    التعديل الأخير تم بواسطة نعيم الزايدي ; 24-07-2010 الساعة 01:27 AM

المشروع الصهيوني هل يتهاوى؟

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الدعوة إلى الله وأسلوبها المشروع
    بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 15-12-2009, 02:00 AM
  2. بالله عليكم اخوتي فالنبدأ في هذا المشروع حالا .
    بواسطة صقر قريش في المنتدى فى ظل أية وحديث
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 28-01-2007, 04:04 AM
  3. الكنيسه الكاثوليكيه, العولمه تجسد المشروع الالهي
    بواسطة المهتدي بالله في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 17-05-2005, 09:28 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

المشروع الصهيوني هل يتهاوى؟

المشروع الصهيوني هل يتهاوى؟