عملاق الفكر الإسلامي؛ الشهيد سيد قطب

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

الرد على الزعم أن إباحة الإسلام التسري بالجواري دعوة إلى الدعارة وتشجيع على الرق » آخر مشاركة: إيهاب محمد | == == | المصلوب يقود السيارة و يتفوق على نظام تحديد المواقع ! » آخر مشاركة: الزبير بن العوام | == == | موسوعة الإعجــاز اللغوي في القرآن الكريـــم(متجدد إن شاء الله) » آخر مشاركة: نيو | == == | فيديو:إذا أردت تغيير العالم ابدأ بترتيب سريرك أولاً (خطاب عسكري قوي جداً) --روووعه » آخر مشاركة: نيو | == == | بالفيديو:الأب زكريا بطرس يزعم أن رسول الإسلام كان يتمتع بالنساء مع الصحابة وبالأدلة! » آخر مشاركة: نيو | == == | بالصور:إنتحال (النصارى) و (الملحدين) و (المشبوهين) شخصيات إسلاميه على الفيس بوك و يقوموا بتصوير المسلمين كأغبياء لتشويه الإسلامم » آخر مشاركة: نيو | == == | من قلب الهولي بايبل : يسوع عبد الله و رسوله » آخر مشاركة: شفق الحقيقة | == == | Der Auszug aus Agypten : Mythos oder Realitat » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | تسريبات من قلب الزريبة العربية » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | الرفق منهج الإسلام في العبادات والمعاملات » آخر مشاركة: نعيم الزايدي | == == |

مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

عملاق الفكر الإسلامي؛ الشهيد سيد قطب

النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: عملاق الفكر الإسلامي؛ الشهيد سيد قطب

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    62
    آخر نشاط
    13-10-2005
    على الساعة
    02:28 AM

    عملاق الفكر الإسلامي؛ الشهيد سيد قطب

    عملاق الفكر الإسلامي؛ الشهيد سيد قطب

    [

    بسم الله الرحمن الرحيم
    رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري


    إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئا كثيرا ولكن بشرط واحد: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم.. أن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم.. أن يقولوا ما يعتقدون أنه حق، ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق، (إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثا هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء انتفضت حية وعاشت بين الأحياء) [1].

    (إن الدخول في الإسلام صفقة بين متبايعين.. .الله سبحانه هو المشتري والمؤمن فيها هو البائع، فهي بيعة مع الله، لا يبقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه، ولا في ماله.. لتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله) [2].

    حياة سيد قطب تنقسم إلى أقسام:

    1) حياته الأدبية.
    2) اتجاهه الإسلامي العام.
    3) اتجاهه الإسلامي المجدد.

    أولا : حياته الأدبية:

    تنقسم إلى عدة مراحل:

    المرحلة الأولى: بيئته في البيت والقرية قبل دخوله دار العلوم.

    المرحلة الثانية: الدراسة في كلية دار العلوم.

    المرحلة الثالثة: عمله كمدرس واهتمامه بقول الشعر، والصبغة العامة لشعره وتأملاته، وصلته بعبد القادر حمزة ثم عباس العقاد، ومقالاته وقصائده في هذه المرحلة في المجلات المعروفة مثل دار العلوم والرسالة والجهاد والبلاغ.

    المرحلة الرابعة: اهتمامه بالنقد الأدبي ونظرته في الصور والظلال والأحاسيس كتلميذ في مدرسة العقاد الأدبية، وتتوجت هذه المرحلة بمعركته الأدبية في الرسالة مع أنصار الرافعي وتأييده للعقاد.

    المرحلة الخامسة: مرحلة خمود أدبه لم يظهر له فيها إنتاج إلا القليل وهي تمتد طيلة الحرب العالمية الثانية.

    المرحلة السادسة: ظهوره كناقد أدبي مشهور من خلال مقالاته في الرسالة - بعضها ظهر في كراريس كتب وشخصيات - ومحاولة تصنيف المذاهب الفنية الأدبية كمدارس ووضع سمات لكل مدرسة مثل: مدرسة الرافعي ومدرسة المنفلوطي ومدرسة العقاد، ومدرسة الزيات، ومدرسة طه حسين ومدرسة توفيق الحكيم.

    المرحلة السابعة: اتجاهه الأدبي نحو القرآن واهتمامه بدراسة وإصدار كتابين:(التصوير، والمشاهد) بالإضافة لاهتمامه بالنقد الأدبي ومقالاته المختلفة.

    المرحلة الثامنة: خروجه من مدرسة العقاد الأدبية ونقده لها، وقد بدأ يكون لنفسه مدرسة أدبية جديدة، وكان له التلاميذ، وكتابه (النقد الأدبي أصوله ومناهجه) نهج لهذه المدرسة.

    المرحلة التاسعة: ركود أدبي لمدة عامين في أمريكا لم يظهر له من الإنتاج إلا القليل.

    وفي نهاية المرحلة التاسعة وبعد أن عاد من أمريكا اتجه نحو القسم الثاني من حياته وهو اتجاهه الإسلامي العام، ودخوله جماعة الإخوان المسلمين وهي متداخلة مع القسم الأدبي.

    تاريخ تأليف سيد قطب لكتبه:

    1) أشواك: مايو (1947م).
    2) مشاهد القيامة في القرآن: (1947م).
    3) طفل من القرية: (1946م).
    4) الأطياف الأربعة: (1945م).
    5) التصوير الفني في القرآن: (1945م).
    6) المدينة المسحورة: (1946م).
    7) كتب وشخصيات: (1946م).
    8) النقد الأدبي: (1948م).
    9) العدالة الاجتماعية: (1949م).


    * * *


    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله.

    أصله ونشأته:

    ولد - رحمه الله - في قرية من قرى الصعيد اسمها (موشه) سنة (1906م)، وهي تتبع محافظة أسيوط لأبوين كريمين متوسطي الحال، يحملان سمت أهل الصعيد المصري من سمرة في البشرة، وقسمات وجوههم تعكس بعض ما جبلت عليه فطرتهم من غيرة على العرض، إلى الطيب المتأصل في أعماق نفوسهم، والكرم الذي لا يفارقهم سواء في سني الجدب أو الخصب والنماء، هذا فضلا عن العاطفة الفياضة الجياشة التي تربطهم بشدة بهذا الدين القويم، ولقد ذكر الأستاذ سيد في مقدمة التصوير الفني في القرآن أن روح أمه المتدينة قد طبعته بطابعها، وفي مقدمة مشاهد القيامة أنه قد تربى في مسارب نفسه الخوف من اليوم الآخر من خلال الكلمات والتصرفات التي كانت تنطلق من والده من خلال ممارسته أعماله اليومية، والقيام بضرورياته من طعام وشراب وغيرها، فتركت شخصية الوالدين بصماتها واضحة على قلبه.

    ويقال إن أصل الأستاذ سيد قطب هندي، وأن حسينا - جده الرابع - قد هاجر من الهند إلى أرض الحرمين حيث البيت العتيق ومثوى المصطفى ص، ثم هاجر إلى مصر واستقر في هذه القرية المصرية.

    نشأته:

    درج في مراحل الطفولة الأولى في قريته في أحضان والديه اللذين أرضعاه حب هذا الدين من خلال التدين الفطري الذي طبعت عليه هذه الأنفس، ثم انتقل إلى القاهرة حيث يسكن خاله، وواصل تعليمه ودخل دار العلوم، وبرزت مواهبه الأدبية إبان دراسته، وكان يكتب في عدة مجلات أدبية وسياسية منها (الرسالة)، (اللواء الاشتراكية)، ولقد كتب عنه أستاذه مهدي علام في تقديمه لرسالة (مهمة الشاعر في الحياة) التي ألقاها سيد قطب كمحاضرة في دار العلوم يقول: (لو لم يكن لي تلميذ سواه لكفاني ذلك سرورا وقناعة، ويعجبني فيه جرأته الحازمة التي لم تسفه فتصبح تهورا، ولم تذل فتغدو جبنا، وتعجبني فيه عصبيته البصيرة، وإنني أعد سيد قطب مفخرة من مفاخر دار العلوم).

    وفي الأربعينات تولى رئاسة تحرير مجلة (الفكر الجديد) لصاحبها محمد حلمي المنياوي، ولقد بدت في هذه المجلة نزعة سيد قطب العدائية للملك فاروق، وقد كان مجاهرا في نقده اللاذع حتى دس إليه فاروق من يطلق عليه النار، فأخطأه الرصاص، ولقد صدر من المجلة ستة أعداد صودر عددان منها ثم اضطرت الحكومة لإغلاقها بعد ستة أعداد.

    ولقد تتلمذ الأستاذ سيد قطب أدبيا على يد العقاد، وكان يتردد على طه حسين، وحمل لواء المعارضة للأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي، وكان هجومه على الرافعي عنيفا حتى أن الرافعي لم ينج منه بعد موته فلقد نقد الرافعي إثر موته نقدا لاذعا فقام علي الطنطاوي يدافع عن الرافعي فقابله الأستاذ سيد برد مقذع حاد.

    ولقد كتب في أوائل الأربعينات كتابيه الشهيرين: التصوير الفني في القرآن، وقد أهداه إلى أمه، ومشاهد القيامة في القرآن وأهداه إلى روح أبيه، وكم كانت دهشة القراء عندما وجدوا أن الكتابين يخلوان من البسملة، إذ لم يكن سيد قد اتجه الوجهة الإسلامية بعد.

    بعض ملامحه وصفاته الشخصية:

    1) الصدق:

    إن من أبرز الصفات في نفسية سيد قطب الصدق، وهذه الصفة طبعت كتابته كلها بالوضوح، مما جعل تعامله مع الساسة يكاد يكون مستحيلا، ولقد كان هذا الخط بارزا في جاهليته وإسلامه، ففي عهد فاروق كان الكتاب يعبون من سؤره ويخطبون وده بتذليل رخيص ويتزلفون حتى يستطيعوا الانكباب على أقدامه عل هم ينالوا من الحطام، أما سيد قطب فلقد كان رغم فقره أبيا صادقا، ففي زواج فاروق، وفي أعياد ميلاده ترى المقالات التي تزحم بها الصحف بأقلام الكتاب إلا سيد فإنك تفتقد اسمه بين هذه القطعان.

    وتلمح هذا الصدق من خلال عباراته، فلقد كتب في مجلة مصر الفتاه الاشتراكية تحت عنوان كبير (رعاياك يا مولاي) وأظهر صورا من الترف الفاجر وفي المقابل صور من البؤس والفاقة.

    ولقد طلبت الثورة عندما قامت سنة (1952م) من سيد قطب أن يكون لها مستشارا للشؤون الداخلية فلم يستطع العمل معهم سوى ثلاثة أشهر ثم تركهم لأن نفسه لا تقبل الالتواء والتلون.

    ولقد عمق الإسلام هذه الصفة في مسارب نفسه، فأضحى الصدق عنوانا لتعامله وكلامه ينبض بكل كلمة من كلماته وتنم عنها كل عبارة من عباراته ويبدو لك هذا جليا من خلال الطبعة الثانية من الظلال ومن خلال فصول المعالم.

    كان يقول لأحد تلامذته واسمه سيد أيضا: (تعال يا سيد نراجع معا فصلا من فصول هذا الكتاب، وأنا أظن أن أبواب السجن ستفتح له ولنا من جديد وقد تنصب لنا أعواد المشانق)، فيرجوه تلامذته ألا يطبع المعالم حفاظا على حياته فيرفض بإباء قائلا : (لا بد أن يتم البلاغ).

    وقد سأله تلاميذه: لماذا كنت صريحا كل الصراحة في المحكمة التي تملك عنقك? فقال: (لأن التورية لا تجوز في العقيدة، ولأنه ليس للقائد أن يأخذ بالرخص)، ويبدو أن هذه الصفة هي الطابع المميز لأل قطب جميعا، فلقد قالت حميدة شقيقته: كان بإمكاني أن أعفى من سجن السنوات العشر لولا أني أبيت أن أكتم عقيدتي ورفضت إلا أن أصارح الطواغيت بكفرهم.

    يقول في فصل (نقلة بعيدة / معالم في الطريق 206): (لن نتدسس إلى الناس بالإسلام تدسسا ولن نربت على شهواتهم، وتصوراتهم المنحرفة، سنكون معهم صرحاء غاية الصراحة، هذه الجاهلية التي فيها خبث، والله يريد أن يطيبكم).

    2) الشجاعة والرجولة:

    ولقد كان خلق الرجولة بارزا في تصرفاته سواء في جاهليته أو إسلامه فلم يسف ولم يسقط ولم يهو في مهاوي الرذيلة، ولم يغرق في مستنقعات الوحل والجنس، وأنت تقرأ له في حبه في جاهليته قصة (أشواك) فتلمح من خلال الإهداء رجولته، يقول في الإهداء: (إلى التي خاضت معي في الأشواك، فدميت ودميت، وشقيت وشقيت، ثم سارت في طريق وسرت في طريق جريحين بعد المعركة، لا نفسها إلى قرار، ولا نفسي إلى استقرار).

    لا تجد فيه نتن الفاحشة، وإنما تلمح شخصية معتدلة تعبر عن تجربة بشرية بكلمات أدبية، دون تميع ولا انحراف ولا إسفاف ولا تهافت.

    وخلق الرجال وجده الإسلام خامة طيبة في أعماق الأستاذ سيد فنماها ووجهها فأتت بالأعاجيب من فوق القمة التي أرتفع إليها، يقول في مقدمة الظلال: (وعشت في ظلال القرآن أنظر من علو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الهزيلة الصغيرة، أنظر إلى تعاجب أهل الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال، كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال، ولغة الأطفال، وأعجب، ما بال هذا الناس، ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة).

    ومن هنا داس دنيا الحكام وآثر العيش وراء قضبان الزنزانة، وكان يقول:(إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفا واحدا يقر به حكم طاغية)، رغم أن وزارة المعارف تعرض عليه في السجن.

    ويقول: (لماذا أسترحم? إن كنت محكوما بحق فأنا أرتضي حكم الحق، وإن كنت محكوما بباطل، فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل)، بينما حبل المشنقة يلوح أمام ناظريه.

    وبعد صدور حكم الإعدام وفي يوم الأحد (28/8/1966م) وقبل تنفيذ حكم الإعدام جاء قرار موقع من الطاغوت الهالك عبد الناصر: (ينفذ حكم الإعدام بكل من سيد قطب، محمد يوسف هواش، عبد الفتاح إسماعيل، ومع الكتاب إشارة إلى محاولة استدراج سيد قطب إلى اعتذار يخفف به حكم الإعدام عنه، فجاء حمزة البسيوني مدير السجن الحربي إلى حميدة قطب وأطلعها على القرار، ثم أردف قائلا : (لدينا فرصة واحدة لإنقاذ الأستاذ، وهي اعتذاره، وأنا أتعهد بإخراجه بعد ستة أشهر)، قالت حميدة: (فجئت أخي فذكرت له ذلك، فقال: لن أعتذر عن العمل مع الله).

    وفي شهر آب سنة (1965م) وهو نفس الشهر الذي اعتقل فيه أرسل إليه المباحث واحدا فتسور الدار ودخل ليفتش فأمسكه وأنبه وأدبه، وقال: (إن للبيوت حرمات ألا تعرف أدب الدخول?)، ثم كتب كتابا وأرسله إلى مدير المباحث وقال: (أرسل إلي بشرا ولا ترسل كلابا )، ثم ذهب إلى قسم المباحث، وقال: (جئتكم حتى تعتقلوني).

    3) كرمه وسخاؤه:

    وهذه صفة تقترن مع الشجاعة غالبا، فحيثما وجدت صفاء النفس وسخاءها وجدت الجرأة والشجاعة، فالنفس الأبية التي تجود بروحها يرخص عليها المال ومتاع الحياة، ولقد كان سيد ينفق كل ما يأتيه ولا يدخر شيئا، وكان لكثير من نزلاء ليمان طرة في أمواله شيء معلوم، حتى من المجرمين، ومن السجانيين، ولقد كان يشفق على حالة السجانيين الأسرية، وضيق ذات يدهم فيرثي لحالهم ويخفف من كربهم وضنكهم وبأسائهم.

    ولقد ملك مضائه وسخائه هذا قلوب عارفيه، وأصبح بكرمه الآسر هو المدير الفعلي لسجن ليمان طره، حتى كان الحلواني - مدير السجن - يقول: (إن المدير الفعلي للسجن هو سيد قطب)، وأقرأ إن شئت رسالته الصغيرة (أفراح الروح) وكيف كان يفجر ينابيع فطرة الخير في قلوب المجرمين، وفي هذه الرسالة زاد كبير للعاملين من الدعاة.

    ولذا فقد مضى إلى ربه وهو لا يملك مترا واحدا فوق هذه الغبراء، فهو بصدقه وفي العهود، وبكرمه أسر القلوب، وبتواضعه ألف بين الجنود، وبشجاعته وصلابته قاد الجموع.

    4) تواضعه:

    وهذا سمت الصالحين (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)، وبالقدر الذي كان يستعلي به على الطغاة كان يتواضع ويتطامن للمؤمنين من تلامذته، فترى أحدهم يشير عليه أن يحذف فقرة من مسودة التفسير أو يصحح عبارة فيستجيب.

    5) حبه ووفاؤه وعاطفته الفياضة:

    وأما عاطفته الجياشة فلقد أفاضت من روحه على أسرته جميعا، وتراه لهذا الوفاء لا يتزوج قبل محنته ليرعى الأسرة التي أصبح راعيها بعد أبيه، يقول الأستاذ محمد قطب عن أخيه سيد: (هو أبي وأخي وأستاذي وصديقي).

    كان سنة (1953م) في ضيافة المؤتمر الإسلامي في القدس، وقد كان الإخوان آنذاك يشرفون عليه، يقول فضيلة المراقب العام للإخوان في الأردن الأستاذ محمد خليفة: (كان الأستاذ سيد يطلب مني أن أطلب القاهرة - هذا من عمان - فأقول له: هل طرأت لك حاجة? فيقول: لا، وإنما هو الشوق لسماع صوت الوالد المرشد العام الهضيبي ولو من خلال الهاتف).

    وكثيرا ما كان يردد كلمة الوالد المرشد في التحقيق وفي المحكمة، ولم يقتصر وفاء الأستاذ سيد على صلته بالبشر بل تعداه إلى علاقته بكل ما حوله حتى للحيوانات، فلقد أ ل ف نزلاء ليمان طرة قطا أعور تتقزز الأبدان لرؤيته، كان يأوي بالقرب من الأستاذ سيد قطب يخصص له قسما من طعامه وكان يقول: (ليس من الوفاء أن نجافيه ونضيعه في هرمه بعد طول صحبته لنا)، وهو بوفائه يعيد إلى ذاكرتنا سيرة الرعيل الأول كأبي هريرة ويفتح أمام ناظرينا صورة زيد بن الدثنة وهو يقول: (والله لا أحب أن أكون سالما في أهلي ويصاب محمد صلى الله عليه وسلم شوكة في قدمه) وذلك وهو يرد على أبي سفيان عندما سأله: أتحب أن محمدا مكانك نعلقه على خشبة الصلب والإعدام؟، فقال أبو سفيان: (ما رأيت مثل حب أصحاب محمد محمدا ).

    أقول: هذه النماذج التي أقفرت الأرض منها إلا القليل القليل والتي عقمت الدنيا أن تلد أمثالها، عاد جنود البنا يجددون سيرة هذا النفر الكريم، هؤلاء أحيوا الأمل في قلوب مئات الملايين وأثبتوا للدنيا أن الإسلام لا زال قادرا على صناعة الرجال.

    يقول الأستاذ سيد قطب لشقيقته حميدة: (إن رأيت الوالد المرشد - وهذا قبل إعدامه بيوم - فبلغيه عني السلام وقولي له: لقد تحمل سيد أقصى ما يتحمله البشر حتى لا تمس بأدنى سوء).

    سيرة سيد قطب الحركية:

    دخل الأستاذ سيد دعوة الإخوان المسلمين سنة (1951م) وكان يعبر عن هذا بأعمق تعبير قائلا : ولدت سنة (1951م)، وقد جاء سيد على قدر، ولكل أجل كتاب فلم يحفل سيد بالدعوة في بداية الأمر ولم يكن يعني نفسه للقاء بقائدها البنا الذي ضم الأفذاذ من أبناء مصر تحت جناحيه وبين صفوفه، فكانت دعوته صفوة أبناء مصر.

    وقد ابتدأ سيد قطب يتجه نحو الكتابة عن الإسلام العام، ولم يكن سيد بعد قد أدرك ب عد أعماق هذا الدين، ولم يسبر أغواره بمسبار، وكتب كتاب العدالة الاجتماعية مستعرضا نظام الحكم والمال، وتركه مع إهداء جميل: (إلى الذين كنت المحهم بعين الخيال قادمين فرأيتهم بواقع الحياة قائمين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم في مستقبل قريب جد قريب)، ثم عهد إلى أخيه محمد في مصر لطباعته، وطبعه الأستاذ محمد مع هذا الإهداء على حين كانت الحكومة قد نكلت بالإخوان وأودعتهم المعتقلات تمهيد ا لاغتيال الإمام الشهيد البنا، وظنت الحكومة أن سيد قطب هو أحد أعضاء الإخوان وأن الكتاب مهدي إلى شباب الإخوان، فصادرت الحكومة الكتاب ولم تسمح بنشره إلا برفع الإهداء، فرفع الإهداء.

    ويحدث الأستاذ سيد عن نفسه وهو في طريقه إلى أمريكا مبعوثا من وزارة المعارف المصرية التي يستلم وزارتها طه حسين - أستاذه - فأرسل الأستاذ سيد للإطلاع على المناهج الأمريكية، يقول الأستاذ سيد: (كنا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك [3]. فهو يعتبر نفسه آنذاك منتسبا إلى الإسلام).

    ويشاء الله عز وجل أن يهديه سواء السبيل وأن يريه آياته ليجعله جنديا مخلصا في صف الدعوة الإسلامية، وتحدث معه حادثتان تضطرانه للدخول تحت جناح الدعوة.

    أما الحادثة الأولى: فقد حصلت في (13) شباط (1946م) يقول فيها أنه كان مستلقيا فوق سريره في إحدى مستشفيات أمريكا، فيرى معالم الزينة وأنوار الكهرباء الملونة وألوان الموسيقى الغربية والرقصات، ما هذا العيد الذي أنتم فيه? فقالوا: اليوم قتل عدو النصرانية في الشرق، اليوم قتل حسن البنا، وقد كانت هذه الحادثة كفيلة أن تهزه من أعماقه، حسن البنا!! يحتفل بمقتله في داخل أمريكا، إذن لا بد أن يكون الرجل مخلصا وأن تكون دعوته خطيرة حقا، ترجف لسماعها أوصال الغرب هلعا واضطرابا .

    وأما الحادثة الثانية: فقد حصلت في بيت مدير المخابرات البريطاني في أمريكا، إذ كانت السفارات الغربية تتسابق في رمي شباكها لاصطياد الطلاب الشرقيين وإيقاعهم بحبائلها ليكرسوا في محافلها المختلفة، ويقسموا العهد على خدمتها وإنذار الحياة خالصة لخدمتها، وأي صيد أثمن من الكاتب المعروف سيد? فدعاه مدير المخابرات البريطاني إلى بيته، يقول الأستاذ سيد: (واستدعى انتباهي أمران: الأول: إن هذا البريطاني يسمى أبناءه بأسماء المسلمين، محمد وعلي وأحمد...، والثاني وجدت لديه كتاب العدالة الاجتماعية، وهو يعمل في ترجمته، وهي النسخة الثانية في أمريكا، إذ الأولى لدى وصلتني من أخي محمد قطب).

    وبدأ الحديث عن أحوال الشرق وما ينتظره من مستقبل وأحداث، ويعرج على مصر ليستفيض في الحديث عنها وتأخذ جماعة الإخوان المسلمين القسط الوافر من الحديث، ويعرض علي تقارير مفصلة عن نشاط الجماعة وعن تحركات البنا وخطبه منذ أن كانت الجماعة ستة في الإسماعيلية حتى سنة (1949م)، تفصيلات تؤكد أنهم قد سخروا أجهزة وأموال تتبع نشاط الإخوان وحركاتهم وسكناتهم ورصدوا لذلك أموالا ورجالا خوفا من هذا الغول البشع - الإسلام - وعقب البريطاني قائلا : (إذا قدر ونجحت حركة الإخوان في استلام حكم مصر فلن تتقدم مصر أبدا، وسيحولون بعقليتهم المتخلفة بين الحضارة الغربية، وستقف عقلياتهم المتحجرة دون تطور الشعب والأرض)، ثم قال: (ونحن نأمل من الشباب المتعلمين أمثالك ألا يمكنوا هؤلاء من الوصول إلى سدة الحكم).

    يقول سيد: (قلت في نفسي "الآن حصحص الحق"، وأيقنت أن هذه الجماعة على الحق المبين، ولم يبق لي عذر عند الله إن لم أتبعها، فهذه أمريكا ترقص على جمجمة البنا، وهذه بريطانيا تسخر أجهزتها وأقلام مخابراتها - حتى داخل أمريكا - لمحاربة الإخوان).

    يقول سيد: (فصممت في قرارة نفسي أن أدخل الإخوان وأنا لم أخرج بعد من بيت مدير المخابرات البريطاني).

    وكانت يد الله تعد لتهيئة الأجواء حتى يدخل سيد قطب دعوة الإخوان، فهناك في مصر وزع كتاب العدالة الاجتماعية، والإخوان مودعون لدى معتقلات الطور وغيرها تحاربهم زبانية فاروق، وإهداء الكتاب يوحي أنه مهدى إلى الإخوان، فظنه الإخوان منهم وأن الإهداء موجه إليهم، فأقبلوا على العدالة يتداولونها ويقرؤونها.

    وهنا في أمريكا الحادثة تلو الحادثة تقنع سيدا بصدق دعوة الله.ويترامى إلى مسامع الإخوان تاريخ مقدم سيد إلى مصر، فتعد الدعوة كوكبة من شباب جماعة القاهرة لاستقباله في ميناء الإسكندرية مثل عبد العزيز سيسي رحمه الله.

    فيعجب الأستاذ سيد بتربية الإخوان وأدبهم ألجم وخلقهم الرفيع، وبمجرد أن وطأت قدماه أرض مصر اتصل بالأستاذ الهضيبي المرشد وعرض عليه أن يقبله جنديا في صف دعوة الإسلام، فيرحب به الأستاذ الهضيبي، ويبدأ الأستاذ سيد منذ تلك اللحظة جهاده المنظم المركز، وقد كان صادقا منذ اللحظة الأولى، وتعبيرا عن جده في الأمر قدم استقالته إلى وزارة المعارف وأعلن مفاصلته لطه حسين.

    وقد سلمه الأستاذ الهضيبي بعد فترة رئاسة تحرير جريدة الإخوان المسلمون، وكتب بها مقالات صدرت فيما بعد في كتاب أسماه - دراسات إسلامية –

    ثم قامت الثورة سنة (1952م)، وكان للإخوان اليد الطولي في إنجاح الصورة وتهدئة الأوضاع، إن الذي أجبر الملك فاروق على التوقيع على وثيقة التنازل هو الضابط عبد المنعم عبد الرؤوف أحد أفراد الدعوة المخلصين في قصر المنتزه في الإسكندرية، ووزع الإخوان عشرة آلاف مسلح في القاهرة وحدها لحماية الثورة، ولقد كتب فاروق في مذكراته: (إن الإخوان المسلمين هم الذين قلبوا عرشي، وما كان ضباط الثورة إلا العوبة بأيديهم، ولقد أراد الإخوان المسلمون ضربي في عرض البحر لولا أني أمرت ربان السفينة تغير اتجاهها) [4].

    أقول: بعد الثورة طلب مجلس الثورة من الأستاذ سيد أن يكون مستشارهم للشؤون الداخلية فقبل، ولكن لم يستطع العمل معهم اكثر من ثلاثة أشهر، وثلاثة أشهر أخرى على مضض وبفتور ثم تركهم لأن طبيعته لا تقبل الالتواء والتثني.

    سجنه الطويل:

    لقد بدأت سلسلة المحن تتوالى على الدعوة وعلى كبار رجالاتها، والحق أن سيدا من بين النفر القليل الذين أعطوا الدعوة أوقاتهم وحياته ودماءهم وأموالهم، ولم يروا من إقبال الدنيا على الدعوة شيئا، فقد أقبل عليها ودنياها في إدبار، ورحم الله خباب بن الارت إذ يقول: (هاجرنا مع رسول الله ص في سبيل الله نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله.. فمنا من مضى، ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه) [5].

    وفي سنة (1954م) وبعد تمثيل فصول مسرحية الرصاصات على الطاغوت عبد الناصر في منشية البكري في الإسكندرية، بدأت اعتقالات الإخوان وغيبت السجون المظلمة وراء جدرانها آلاف الشباب، ولم يكن سيد لينجو إذ كان رئيسا لقسم نشر الدعوة آنذاك، وكان من المفروض أن يكون سابع السبعة الذين علقوا على الأعواد شنقا ( وهم الشهداء؛ عبد القادر عودة، محمد فرغلي، يوسف طلعت، إبراهيم الطيب، هنداوي دوير، محمود عبد اللطيف).

    إلا أن إرادة الله أخرت شهادته ليكتب الظلال والمعالم، وخصائص التصور الإسلامي، فلقد أصيب سيد قطب من جراء التعذيب الشديد بنزيف في الرئة مما اضطرهم إلى نقله إلى المستشفى ونفذ الإعدام وهو في المستشفى، وثارت ثائرة الشعوب المسلمة وعبرت عن سخطها بتظاهرات احتشدت أمام السفارات في الدول العربية والإسلامية، وأحرقت بعض الأماكن وانهال سيل البرقيات الساخطة من المسلمين في كل مكان، تكيل اللعنات وتنذر بالثبور والويل للقتلة ومصاصي الدماء.

    وصدر وعد من القصر الجمهوري ألا يحدث إعدام فيما بعد، وجاءت محاكمة سيد قطب في الحلقة الثانية، وكانت المحاكمة مفتوحة ويرأس محكمة الشعب فيها جمال سالم وحوله عضوان حسين الشافعي وأنور السادات، ولقد أبدى سيد قطب جرأة نادرة أمام ما يسمون بالقضاة، فلقد خلع قميصه أمام المحكمة وقال بسخرية: (انظروا يا قضاة العدالة!!)، ثم قال: (نحن نريد أن نسأل، آينا أحق بالمحاكمة والسجن نحن أم انتم? إن لدينا وثائق أنكم عملاء للمخابرات الأمريكية...)، وبدأ يسرد الوقائع والوثائق التي تصمهم بالخزي وتسمهم بالصلات المشبوهة بكافري - السفير الأمريكي آنذاك - مما اضطر جمال سالم أن يرفع الجلسة ويغلق المحاكمة.

    وصدر الحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة،، وبعد فترة ولأسباب صحية خفف الحكم إلى خمسة عشر عاما .

    وأودع سيد قطب ليمان طره - السجن الذي يضم المئات من شباب الإخوان - ولقد شهد بأم عينيه مذبحة الإخوان في ليمان طره عندما فتحت الحكومة الرشاشات على الإخوان حيث قتل من عنبر واحد، واحد وعشرون من شباب الإخوان والتصقت لحومهم بالحائط، ومن شاء الإستزادة فليقرأ كتاب (أقسمت أن أروي/ لروكس معكرون).

    كان سيد قطب مصابا بالتهاب في الشعب الهوائية، فوضع في مصحة السجن - مستشفى صغير للسجن - مع المصابين بالأمراض الصدرية كالس ل من المجرمين المسجونيين، واستأذن من إدارة السجن أن يضع حواجز من القماش بينه وبين المرضى فأذن له، فوضع حواجز من القماش المقوى فأصبح كأنه في غرفة مستقلة، وألحق به داخل الحواجز القماشية محمد يوسف هواش، وكانت هذه جريمة لهواش استحق عليها الإعدام سنة (1966م).

    وبقي الأستاذ سيد صابرا محتسبا في سجنه يربي إخوانه من حوله بالصدق ويفيض عليهم من روحه المشرقة، ويضمهم في حنايا قلبه الكبير، وكان يرد على الذين يحاولونه المهادنة والإستسلام: (إن في صبرنا صبر للكثيرين) وهي نفس كلمة الإمام أحمد بن حنبل.

    وساءت حالته الصحية في السجن وأصيب بالذبحة الصدرية، وأصبح جسده الناحل يحمل في طياته قائمة من الأمراض، وهو مصر على البقاء في السجن وكانت الذبحة تصيبه مرتين في الأسبوع - الذبحة تشبه الجلطة -

    وقدم الأطباء المشرفون على صحته تقارير لعبد الناصر ونصحوه قائلين: إن كان يهمك ألا يموت هذا الرجل في السجن فأخرجه لأنه معرض للموت في كل لحظة، وماطل عبد الناصر، ولقد تدخل المرحوم أحمد أوبلو - رئيس وزراء نيجيريا - الشمالية الذي أسلم على يديه ستمائة ألف مسلم - لإخراجه من السجن أثناء مروره بالقاهرة قبل قتله بفترة وجيزة فكذبوا على أحمد أوبلو متظاهرين بإخراجه فنقلوه إلى مستشفى القطر العيني (جامعة القاهرة)، وكانت حالته الصحية تستدعي هذا النقل، لأن مصحة السجن لم تعد بعلاجاتها وأدواتها البسيطة لم تعد تكفي لعلاج أمراضه.

    ومكث في القصر العيني ستة أشهر وأعيد إلى مصحة ليمان طرة، وفي نيسان سنة (1964م) أقيمت الإحتفالات بمناسبة الإنتهاء من المرحلة الأولى للسد العالي، واستضافت مصر خريتشوف لمشاهدة الإحتفالات، وأخرج الشيوعيون من السجون تحية لخريتشوف، وكان عبد السلام عارف من بين الذين دعوا للمشاركة في الإحتفال، وتلقى عبد السلام عارف برقية من مفتي العراق الشيخ أمجد الزهاوي يقول فيها: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، فاشفع بسيد) فتوسط عبد السلام لإخراجه فأخرج الأستاذ سيد من السجن في سنة (1964م)، ولقد عرض عليه عبد السلام أن يصحبه إلى العراق ويكون مستشاره، ولكن الأستاذ سيد استماحه عذرا، متعللا بصحته التي تشرف على الرحيل وتؤذن بالوداع، ولكن السبب الحقيقي وراء اعتذاره هو الذي وضحه قائلا: (إننا بإسنادنا ولو بالآراء لوضع جاهلي، فإننا نحكم بالإعدام على كل كتاباتنا ضد الطواغيت، وتصبح كملتنا حبرا على أوراق).

    والحقيقة أن عبد الناصر ما وافق على إخراجه إلا بعد تيق نه أن سيد قطب قد استهلك وأضحى حطام إنسان ليس لديه طاقة على حركة أو تجميع.

    ولكن الروح هي التي تعمل، فلقد كان الأستاذ سيد قد أعد مسودات المعالم وبدأ بمراجعتها، ثم دفع بها إلى المطبعة، وخرج المعالم لتنفذ الطبعة الأولى التي أصدرتها مكتبه وهبة في وقت جد قصير، مما أدهش المخابرات المصرية، وتحرك الشيوعيون الذين قرأوا كلمات المعالم كلمة كلمة، وأيقنوا أن هذا سيعصف بتنظيمهم الذي تقوى في فترة غياب الشباب المسلم في غياهب السجون، واجج الشيوعيون نار الحقد والبغضاء التي ما هدأ أوارها لحظة في قلب عبد الناصر.

    جاء أحد الناس إلى الأستاذ محمد قطب وأخبره بأن الشيوعيين جادون في محاولة قتلك وقتل أخيك سيد قطب.

    ويرى الأستاذ سيد في منامه أفعى حمراء تلتف حول عنقه، فحدث بها جلساءه، فقالوا أضغاث أحلام، فقال: (ولكني أظنها المشنقة التي يمسك بها الشيوعيون).

    وحاولت الحكومة أولا أن تقضي على الظاهرين من الدعاة باغتيالات فردية، وابتدأت المحاولة بالحاجة المجاهدة (زينب الغزالي) إذ داهمت سيارة كبيرة للمخابرات أو بإيعاز منها سيارتها وكسرت رجلها، ومكثت على إثرها عاما كاملا في المستشفى، وانتشر الخبر بأن المخابرات جاده في قتل سيد قطب، وزينب الغزالي، ومحمد قطب، ومحمد هواش فنكلت المخابرات عن خطتها، وأقبل صيف (1965م) الذي يحمل بين جوانحه ما تخبؤه الأقدار للدعوة الإسلامية، من اعتقال وتشريد وإعدام بتنفيذ المخططات التي ترسم بروتوكولات ها في الكرملين والقصر الأبيض لتنفذ من خلال المخالب في المشرق.

    واعتقل سيد قطب في (26/آب/1965م) وأودع السجن الحربي بعد أن انتقل من سجن إلى سجن وانتهى به المقام في الحربي، وفي أوائل اعتقاله ألقي في زنزانة مظلمة بين أربعة كلاب بوليسية، وظيفتها إرهاب السجناء بالإضافة إلى انتهاش لحومهم، وتقطيعها فور تلقيها أية إشارة من الكلاب البشرية.

    وأسندت تهمة الخيانة العظمى له بترأس تنظيم إرهابي يدعو إلى قلب نظام الحكم بالقوة، وهذه حقيقة وكلمة حق أريد بها باطل، فصاحب الحق يدعو لانتصار دينه وتطبيق الإسلام في كل مجالات الحياة، ولا يهادن ولا يداهن ولايتنازل عن هذا الحق الذي يطالب به.

    نعم لقد عهد إليه فضيلة المرشد بقيادة تنظيم سنة (1962م) وأطاع الأمر إذ أنه يعرف معنى الطاعة في الإسلام، وأن طاعة الأمير فريضة في الأعناق، ومعصيته إثم يستحق صاحبه العقاب، فقبل وأشرف على تربية أفراده بكتاباته وهو في داخل السجن، ثم أشرف بنفسه ووهب التنظيم حياته، وروحه، ووقته، وفكره، هذا التنظيم الذي يشير إليه في مقدمة المعالم بأنه طليعة البعث الإسلامي، وهو يعتقد تماما أن صلاح البشرية وسعادتها وراحتها متوقفة على نجاح الحركة الإسلامية، كما يقول في مقدمة الظلال (ص: 5/ دار الشروق) : (وانتهيت من فترة الحياة في ظلال القرآن إلى يقين جازم حازم... أنه لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان ولا رفعة، ولا بركة، ولا طهارة، ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة إلا بالرجوع إلى الله، والرجوع إلى الله - كما يتجلى في ظلال القرآن - له صورة واحدة، وطريق واحد... واحد لا سواه... إنه العودة بالحياة كلها إلى هذا الكتاب).

    لقد كان وهو يستجيب لأمر المرشد بالإشراف على التنظيم ممن قال الله فيهم: (الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) (آل عمران: 271).

    وبقي التحقيق والتعذيب مستمرا عاما كاملا من آب سنة (1965م) حتى آب سنة (1966م)، وإن كان القضاة سلفا قد ارتشفوا دمه، وقد كان الجلادون حريصين ألا يموت سيد قطب ليبقى معذبا فكانوا يربطونه بالكرسي ويقولون: (نحن نعلم أنك إذا عذبت ستموت، ونحن لا نريد أن تموت فتستريح).

    ولقد بدأ الأستاذ سيد عملاقا إبان التحقيق والمحاكمات، فكثيرا ما كان يسخر من الضباط الخائنين الذين انقلبوا بين عشية وضحاها قضاة يحكمون في الدماء والأعراض.. كالدجوي الذي ترأس المحكمة، وقد كان ممن وقع في الأسر سنة (1956م)، وقد كان يهاجم مصر من خلال اذاعة إسرائيل، وقد كان سيد بأسلوبه اللاذع الساخر يقابل الذئاب البشرية التي تمسك بخناق المسلمين، وتتربع على عرش مصر، وتحكم بالحديد والنار، وتجتث بما في أيديها من وسائل بقايا الخلق والقيم من المجتمع، وتحارب بأقلامها وأجهزتها كل فضيلة آدمية، أو مبدأ رباني، أو أرضي، واستطاع سيد بصبره وترفعه وبصيرته أن يبين سخافة هؤلاء الأمساخ والتف حوله الفئة المؤمنة التي استطاعت بطاعتها واحترامها له أن تقتل الجلادين غما وحقدا وغيظا، قال أحد المحققين للحاجة زينب الغزالي - حفظها الله - : (إن سيد قطب كذب عليك وقال عنك...) فقالت: (حاشا لله أن يكذب سيد).

    وقالوا لشاب مؤمن: (هل اتصلت بسيد قطب?)، فأنكر وأصر على إنكاره رغم التعذيب، فقالوا له: ولكن سيد قطب يقول؛ انك قد اتصلت به، فقال الشاب: (إن كان قالها فقد صدق!!)، وهي نفس الكلمة التي قالها الصديق أبو بكر بصدد الإسراء والمعراج.

    ولقد اهتز كيان الطاغوت عند رؤية هذه الفئات، وصعقوا إذ أنهم ظنوا أن قد قضى على الإسلام والجماعة المسلمة، وإذا بهم يفاجئون بنماذج أنقى، وبفئات أصلب عود ا وأشد في دين الله مما رأوا من ذي قبل، وهم في هذه المرة من الشباب المتعلم المثقف بل معظمهم من الكليات العلمية، والعملية كالطب والهندسة والعلوم والذرة ولهول الصدمة كانت ضرباتهم جنونية، ولقد استشهد تحت التعذيب مائتان وثمانون شابا من هذه النماذج وكانت النازلة شديدة الوقع على الطاغوت، وكاد يجن حقا، وبدأ يصرخ في وجوه المخابرات صرخات محمومه جنونية: (إزاي يسرقوا مني جيل الثورة؛ قباني - بائع قطن وهو الشهيد عبد الفتاح إسماعيل - وامرأة يعني - زينب الغزالي -)، وأضطرب كيانه وساءت صحته، وخارت قواه العقلية والعصبية مما اضطره أن يذهب إلى روسيا حيث الحمامات الساخنة والجلسات الكهربائية، وبعد أن أمسك بأنفاسه في روسيا أعلن من فوق قبر لينين: (لقد اكتشفنا مؤامرة للإخوان المسلمين، ولئن عفونا المرة الأولى، فلن نعفو المرة الثانية)، وأعطيت الأوامر الشديدة فكان التعذيب الرهيب الذي استمر قرابة عام أثناء التحقيق، وهنالك علاوات الإجرام.

    ويحضرني قصة كتبها أحمد رائف في البوابة السوداء يقول فيها: (مات أحدنا لشدة التعذيب في الزنزانة وعندما فتح السجان باب الزنزانة صباحا قلنا: يا أفندم مات واحد! فقال السجان: (يا أولاد الكلب بسى واحد مات، حانودي وشنا فين من المسئول؟!).

    تقول الحاجة زينب الغزالي: (لقد ضربوني ستة آلاف وخمسمائة سوط، وكانت غرف التعذيب ثلاثين غرفة تختلف أدوات التعذيب في كل واحدة عن الأخرى).

    وكان لا بد أن يصدر حكم الإعدام على الأستاذ سيد، وعلى تلميذه محمد يوسف هواش وعلى الشيخ عبدالفتاح إسماعيل، قال سيد عند صدور الحكم: (الحمد لله لقد جاهدت مدة خمسة عشر عاما حتى نلت هذه الشهادة)، وقال الشيخ عبد الفتاح: (فزت ورب الكعبة).

    ولقد ملك كل واحد منهما بصبره العجيب القلوب، حتى قلوب جلاديه، فلقد كان ضباط الحربي يقولون للشيخ عبد الفتاح: (والله ان هذه البلد لا تستحقك، فأنت درة ضائعة في مصر).

    جاءت الأرحام من آل قطب لزيارة سيد بعد صدور حكم الإعدام، فطوقهم بذراعيه وقال: (لقد دعوت الله عزوجل أن ينفذ الحكم لتكون الشهادة، دعوت الله أن يجعل هذه العائلة كلها شهداء، هل قبلتم?)، قالوا: (قبلنا)، ونفذ حكم الإعدام في سحر ليلة الإثنين (29) آب (1966م)، وفاضت هذه الروح الكبيرة إلى بارئها بعد أن أدت دورها.

    وقد تبدو هذه النتيجة في حساب الأرض أسيفة أليمة، وقد يعد ها البشر هزيمة مريرة، لكن كما يقول هو في فصل (هذا هو الطريق): وهو يتحدث عن أصحاب الأخدود (ص: 235) من معالم في الطريق: (إن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة... وفي هذا الحادث انتصرت الفئة المؤمنة انتصارا يشرف الجنس البشري كله.. إن الناس جميعا يموتون، وتختلف الأسباب، ولكن الناس جميعا لا ينتصرون هذا الإنتصار ولا يرتفعون هذا الإرتفاع، ولا يتحررون هذه التحرر، ولا ينطلقون هذا الإنطلاق إلى هذه الآفاق، إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده، لتشارك الناس في الموت، وتنفرد دون الناس في المجد في الملأ الأعلى، وفي دنيا الناس أيضا، إذا نحن وضعنا في الحساب نظرة الأجيال بعد الأجيال، لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم، وكم كانت البشرية كلها تخسر? كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير? معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد).

    ولقد صدق الله فصدقه، إذ كان يتمنى الشهادة صادقا - والله أعلم - فرزقه الله إياها: تقرأ له مقالا كتبه سنة (1952م) في كتابه دراسات إسلامية (ص: 138)، فكأنك تلمح من خلاله أنه يخط بالهام من الله نهايته إذ يقول: (إنه ليست كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركها، وتجمعها، وتدفعها، إنها الكلمات التي تقطر دماء لأنها تقتات قلب إنسان حي. كل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب انسان، أما الكلمات التي ولدت في الأفواه، وقذفت بها الألسنة، ولم تتصل بذلك النبع الإلهي الحي، فقد ولدت ميته، ولم تدفع بالبشرية شبرا واحدا إلى الإمام، إن أحدا لن يتبناها لأنها ولدت ميته، والناس لا يتبنون الأموات).

    ويكتب عند آية: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) (التوبة: 111): (إن الدخول في الإسلام صفقة بين متابيعين.. الله سبحانه هو المشتري والمؤمن فيها هو البائع، فهي بيعة مع الله لايبقى بعدها للمؤمن من شيء في نفسه، ولا في ماله يحتجزه دون الله سبحانه ودون الجهاد في سبيله، لتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله...

    إن الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن... كل مؤمن على الإطلاق منذ كانت الرسل، ومنذ كان دين الله.. إنها السنة الجارية التي لا تستقيم الحياة بدونها ولا تصلح الحياة بتركها، بعونك اللهم فإن العقد رهيب.. وهؤلاء الذين يزعمون أنفسهم "مسلمين" في مشارق الأرض ومغاربها، قاعدون، لا يجاهدون لتقرير الوهية الله في الأرض، وطرد الطواغيت الغاصبة لحقوق الربوبية وخصائصها في حياة العباد، ولا يقتلون ولا ي قتلون، ولا يجاهدون جهادا ما دون القتل والقتال) [6].


    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] دراسات إسلامية (931)
    [2] (في ظلال القرآن (11/6171) ط/الشروق
    [3] في ظلال القرآن عند تفسير آية (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله) (يونس: 73) ، أنظر طبعة الشروق (11/1786)
    [4] أنظر فاروق بين القمة والحضيض.
    [5] رجال حول الرسول ص(47).
    [6] في ظلال القرآن (11/1716) ط/الشروق.
    غرباء ونحن سر الوجود...غرباء ونحن رمز الصمود...غرباء وليس بدعا فهذا قدر الحرِّ في بلاد العبيد

  2. #2
    الصورة الرمزية نسيبة بنت كعب
    نسيبة بنت كعب غير متواجد حالياً عضو شرفي
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المشاركات
    3,276
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    04-12-2012
    على الساعة
    11:58 PM

    افتراضي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    اخى الكريم ابن القسام

    روعة هذا الموضوع

    ازاى فاتنى من ضمن الركائز الأساسية لهذا المنتدى - لا ادرى !

    ولكن احمد الله ان هناك أناس مثلك يأتوننا بكل ما هو مفيد

    جزاك الله خيرا

    ورحم الله العلامة الشهيد سيد قطب وجزاه عن امة محمد خيراااا


    تحياتى
    التعديل الأخير تم بواسطة نسيبة بنت كعب ; 29-07-2005 الساعة 05:08 AM
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    62
    آخر نشاط
    13-10-2005
    على الساعة
    02:28 AM

    افتراضي

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    هذا من اقل الواجب ان نخلد مثل هؤلاء العظماء ببعض سطور متواضعة تخلد حياتهم وترسل ومضة نور على صفحات من رسالتهم الخالدة
    وجزاكم الله عنا كل خير
    غرباء ونحن سر الوجود...غرباء ونحن رمز الصمود...غرباء وليس بدعا فهذا قدر الحرِّ في بلاد العبيد

  4. #4
    الصورة الرمزية السيف البتار
    السيف البتار غير متواجد حالياً مدير المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المشاركات
    14,146
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    05-12-2017
    على الساعة
    02:45 PM

    افتراضي

    اقتباس
    إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئا كثيرا ولكن بشرط واحد: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم.. أن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم.. أن يقولوا ما يعتقدون أنه حق، ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق، (إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثا هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء انتفضت حية وعاشت بين الأحياء)
    جزاك الله خيراً أخي الكريم

    فشيخنا الكبير سيد قطب من كبار علمائنا وأحب دائماً قرأ كتاباته ، فله اسلوب ممتع وواضح وبسيط
    .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    62
    آخر نشاط
    13-10-2005
    على الساعة
    02:28 AM

    افتراضي

    واياكم اخي الكريم ...
    غرباء ونحن سر الوجود...غرباء ونحن رمز الصمود...غرباء وليس بدعا فهذا قدر الحرِّ في بلاد العبيد

  6. #6
    الصورة الرمزية الشرقاوى
    الشرقاوى غير متواجد حالياً محاور
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    1,559
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    13-10-2014
    على الساعة
    02:32 AM

    افتراضي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بارك الله فيك اخانا الحبيب

    كانت قناة الجزيزره قد أذاعت برنامج ممنوعون عن الراحل سيد قطب

    وهذا نص الحوار أيضا عله يفيد (وليس بالضروره يعبر عن رأيي الشخصى)

    والسلام
    ===================================================


    ممنوعون - سيد قطب


    ضيوف الحلقة: صلاح نيازي/ أديب و ناقد
    بشير نافع/ أستاذ التاريخ الإسلامي- جامعة لندن
    روبرت أرون/ مختص في التاريخ الإسلامي
    سعد الفقيه/ كاتب وناشط إسلامي
    محمود جامع/ مؤلف وعضو سابق في حركة الإخوان
    وآخرون

    تاريخ الحلقة: 20/05/2004

    المعلق: سيد قطب كان يطل بظلاله ومعالمه على العالم الإسلامي في أحداثه لكبرى والأساسية، أننا نجد سيد قطب بين دفتي الكتب والتاريخ والأحداث في المنطقة قطب كان ولا يزال حاضرا في تقديري على أغلب الأحداث في المنطقة.
    (The fact that there has been a revolution in Iran, the fact that Sadat was assassinated, the rise of Taliban in Afghanistan and the rise of al-Qaeda and Osama bin Laden are all in part due to this one man; Said Qotb)
    المعلق: هناك اتفاق وإجماع عند كل من تابعوا تحرك التيارات الجهادية أن هناك أثر ما لسيد قطب في نشأتها وفي فلسفتها وفي تبنيها لمواجهة أميركا ومواجهة ما يسمى بالكفر العالمي.

    الريفي شاعرا وناقدا وصحفيا

    [تعليق صوتي]
    أحداث متتالية في تاريخنا الحديث هي صفحات من كتاب ممنوع أحداث فيها نفحات مفكر قادم في عام 1966 اسمه سيد قطب إبراهيم أرادوا أن يطفئوه بالموت باعتبار أن القتل أعلى درجات الرقابة كما يقول برنارد شو لكن لحظة إعدامه كانت لحظة ميلاده الثاني، لنبدأ البرنامج من ميلاده الأول في ذات يوم خريفي عام 1906 في قرية موسى أو موشى كما ينطقها البعض بصعيد مصر ولد للحاج قطب إبراهيم وزوجه ولد أسمياه سيد، جاء مولودا ثانيا للأسرة التي ستمتد ويصبح عددها خمسة أبناء ولدين وثلاثة بنات، نشأ سيد في حضن أسرته الميسورة الحال ويسر الحال ضرورة ثقافية، في القرى العربية لا يقرأ الفقراء الثقافة رفاهية، وسنرى في سيرته وفكره تلك القرية تغيب عنه في سنوات الضياع ثم تعود لتبرز في وجدانه في رحلة التجذر ولد سيد قطب والخلافة العثمانية مازالت قائمة هذا يعني أنه مولود في مجتمع لم ينكسر فيه الإجماع وبعد سقوط الخلافة وبدء انكسار الإجماع وبعد ثورة مصر الأولى عام 1919 وفدت أسرة قطب على العاصمة، حمل ابنها سيد من القرية ثنائية الكتُّاب والمدرسة ليجد في العاصمة ثنائية الأزهري والجامعة الحديثة.
    صلاح نيازي: إن هذه الثنائية التي أشرت إليها مهمة للغاية حتى في تحليل شخصية سيد قطب كما سنرى، كما تعرف أن الثلاثينات شهدت كثيرا من التطورات وقبل ذلك كانت ثورة 1919 الثورة المصرية الكبيرة ثم ابتدأت الحكومة المصرية بإرسال البعثات إلى الخارج وعودة هؤلاء الذين درسوا وهنا قام صراع فريد من نوعه في كل مجتمع هناك صراع بين الجديد والقديم ولكن في مصر شهدت المعارك شيئا جديدا وطريف في نفس الوقت هو الثقافة الأوروبية مقابل الثقافة العربية، من هنا نجد أن الذين تبنوا الثقافة الأوروبية مع الثقافة العربية هم الذين نجحوا من جملتهم طه حسين مثلا أو العقاد أو الهمشري يعني هناك أناس كثيرون اعتمدوا على التراث العربي مع التلقيح أو التلاقح مع الآداب الأوروبية وهذا ما فعله بالذات السيد قطب وكان الذي لا يطَّلع أو لم يطَّلع على الآداب الأوروبية تعتبر مثلب في شخصيته وفي أدبه.

    [تعليق صوتي]

    الوضع الثقافي في حواضر مصر فيه مقدار من محاولة التوفيق بين الغرب والشرق، ملكة مصر زوجة فؤاد كانت تظهر وتحتجب وإن ظهرت بدت بحال غريب بجنتي أو حتى سريالي بفستان وقبعة فرنسيين يغطي وجهها برقع العثماني، دار العلوم التي اختارها السيد قطب ما كانت تختلف عن الزي الغريب للملكة فهي كلية ذات حظ شائع بين الجامعة الحديثة والأزهر الشريف، هُدم مبنى دار العلوم فيما إنهدم من معالم القاهرة في العشرينات والثلاثينيات وقام محلها منتزه أنيق لم يستطع تصويره من الداخل فثقافة المنع موضوع برنامجنا تمنع حتى تصوير الأحداث العامة دون استحصال موافقات المهم أنها كانت كلية تظلهامئذنة كأنها شيء ما بين الجامعة الحديثة والأزهر الشريف.

    بشير نافع: دار العلوم عندما أسست في نهاية القرن التاسع عشر قصد بها أن تكون مؤسسة حديثة أن تكون مؤسسة تزود المدارس المصرية الحديثة تزود القطاع التعليمي المصري الحديث بمدرسين على إطلاع كافي ومشبعين بالمناهج التعليمية الحديثة وبالمواد التعليمية الحديثة بمعنى أن هي قصد بها أن تكون بشكل من الأشكال تحديا لسلطة الأزهر على التعليم في مصر فطبعا الاستقطاب داخل المؤسسة التعليمية سبق إلى حد كبير الاستقطاب داخل الحياة الثقافية والسياسية بمعنى أنه بجامعة القاهرة عندما أنشأت جامعة القاهرة في مطلع القرن العشرين كانت جامعة يعني يسيطر عليها ليس فقط المناهج، المناهج الغربية وليست فقط القيم التعليمية قيم غربية وبينما أيضا عدد كبير جدا من هيئة التدريس كانوا أوروبيين، بإمكانك أن تقول أن دار العلوم كانت نقطة وسط بين الحداثة وبين التقليدية التي كان يحرسها الأزهر في ذلك الوقت فسيد قطب بذهابه إلى دار العلوم هو ذهب ربما إلى نقطة وسطى بين اتجاه الحداثة الممثل بجامعة القاهرة والاتجاه التقليدي الذي يمثل في ذلك الوقت الأزهر.

    المعلق: تخرج سيد من دار العلوم عام 1933 وصار مدرسا وهي مهنة ناسبته تماما، كتبه تضع القارئ في موقع تلميذ يأخذه بيده، في كل كتابات قطب كانت تنعدم الندية بين الكاتب والقارئ.

    صلاح نيازي: إن السيد قطب منذ بدايته ومهما تظاهر بالعقل والذهنية هو كان ضد المشاعر الذهنية كان ضد العقل وإنما كان يؤمن بالفيض الوجداني منذ كان شابا، فلذلك في الثلاثينات تمعن وأمعن في كتابة الشعر ولم يكن النثر جزء من حياته ولكن للأسف لم يتمكن من أن يصبح شاعرا عظيما باعتراف الجميع بسبب وجود أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وهناك وشعراء كبار آخرون ثم في الأربعينات ابتدأت مرحلة النثر عند السيد قطب وهذه المرحلة من أغنى مراحل حياة سيد قطب لأن في هذه المرحلة أثبت أنه من كتاب المقالة الجيدين، من أفضل من كتب المقالة وفيها عمق في التفكير وفيها عمق في الرؤية وفي النظرة إلى المستقبل، انتهى من الشعر في حوالي عام 1950 ثم جاءت مرحلة سفره إلى أميركا والعودة ثم الثورة.

    المعلق: الكاتب الذي استهوى سيد قطب في مراحله الأدبية الأولى هو عباس محمود العقاد أديب عصره الغريب، فكره لا يختلف كثيرا عن زي ملكة مصر منهج غربي ووجدان شرقي والعجب أن يجده سيد قطب في منتهى الجانبي فالذي يختار دار العلوم يختار العقاد وعندما اندلعت معركة أدبية بين العقاد و الكاتب الإسلامي مصطفى صادق الرافعي وجد سيد في نفسه نفورا تلقائيا من الرافعي مثلما نفر من كتاب القرية ثم الأزهر، كتب سيد قطب الشعر والرواية لكنه وجد ذاته في النثر لكن شيئا من الشاعر ظل في أسلوبه حتى في فكره الإسلامي وستكون لشاعريته يدا في قتله كما سنرى حدته ومزاجه الشاعري الفوار جعلاه مهاجما عنيدا يثير حفيظة خصومه، مقالاته معارك تخلف جرحى وناقمين.
    رفعت سيد أحمد: أعتقد أن شخصية سيد قطب كان بها هذه القدرة أو هذا التميز على الحدة في الخصومة، سيد قطب في نشأته الريفية الصعيدية وطبعه المثالي كشاعر فنان محلق لا يقبل بالأمور الوسطية ولا يقبل بالألوان الرمادية كان واضحا كالسيف، هناك ثلاثة معارك فكرية جميلة ومهمة في التاريخ الأدبي لسيد قطب قبل الثورة منها علاقته يعني اذا سميناها معركة أو علاقة علاقته بالعقاد والتي انتهت بافتراق بينهما بالرغم أنه اعتبره أستاذه في أواخر العشرينات والثلاثينيات وأيضا علاقته بطه حسين ثم إحساسه بأن هذه القمم لم تكن تسمح للشباب بأن يستقلوا فبادر بمهاجمتهم وكانت معركته الأشهر مع أحمد شوقي عندما انتقد أحمد شوقي وأبرز من خلال شعره وأدبه كثيرا من السقطات التي لم يكن يجوز أن يسقط فيها أمير الشعراء إلى درجة أن أستاذه مهدي علام قال له رغم أنك كنت صحيحا في ذلك إلا أن لشوقي كنوز لا ينبغي أن تفلت منه، هذه الطبيعة الشاعرية والمثالية لقطب في نشأته وتطوره انعكست بعد ذلك على خصوماته السياسية وكتاباته السياسية وكتابات قطب السياسية بدأت في البروز مع النصف الثاني من الأربعينات ثم نضجت أكثر مع تجربة الثورة والسجن وتبدت في كتاباته التي صدرت في الستينات في أوائل الستينات وأشهرها طبعا الكتاب الإسلامي السياسي معالم في الطريق.

    بعثته لأميركا ومشروعه الإسلامي

    المعلق: في عام 1948 وفد سيد قطب إلى الولايات المتحدة في بعثة أمدها ثلاث سنوات في اغترابه هذا حزم فكره وصار ينتمي في كل ما يكتب إلى الإسلام الثوري باعتباره صحوة لابد منها لإنقاذ الشرق، أميركا التي رآها كانت موفورة العافية خارجة من الحرب العالمية الثانية منتصرا وحيدا إذا أنهكت الحرب القوى الأوروبية والاتحاد السوفيتي جميعا، لكنه كرهها وحيث رأى العالم صحة وعافية رأى سيد ثقب رأى فجورا فيما رآه غيره بهجة لكن هناك من يرى أنه حسم أمره قبل أن تطأ قدماه أرض ميناء نيويورك في خريف عام 1948 أي أنه قرر أن يكره أميركا حتى قبل أن يراها.

    روبرت أرون: أشك كثيرا في الرأي القائل أن زيارة سيد قطب إلى الولايات المتحدة في الأربعينات ما جعلته يقفز فجأة إلى الإسلام السياسي، كثيرا ما يقال أنه حل بأميركا ونظر حوله فرأى النساء شبه العاريات ورأى دور القمار والكنائس المتحررة التي لا تزيد في نظرة عن المواخير إلا قليلا وأنه تقزز مما رآه وتحول إلى الإسلام لا أعتقد هذا يبدو لي أنه قرر أن يلتزم إسلاميا بالكامل وهو بعد في الداخل وصل إلى أميركا وبرنامجه الإسلامي في ذهنه وهو مستعد لرفض كل ما سيرى أما لماذا تحول من ابن الحداثة ابن المدينة الكاتب صاحب الأعمدة في الصحف إلى مسلم متشدد بمجرد ركوب باخرة فهذا لغز محير.

    المعلق: مِن هناك كاتَب أصدقاءه مؤذن بعداء أميركا الموجهة التي بدون آذان فكتب إلى توفيق الحكيم مثلا "صديقي الكبير الأستاذ توفيق الحكيم شكرا لك على هديتك الكريمة كتابك الجديد (الملك أوديب) إنها شيء عزيز ثمين بالقياس إلي هنا في تلك الورشة الضخمة السخيفة التي يسمونها العالم الجديد، إن شيئا واحدا ينقص هؤلاء الأميركيين على حين تفخر أميركا بكل شيء، شيء واحد لا قيمة له عندهم الروح بحثا يقدم للدكتوراه في إحدى جامعاتهم وقد قدم فعلا عن أفضل الطرق لغسل الأطباق أحب إليهم ألف مرة وأهم من رسالة عن الإنجيل إن لم يكن أهم من ذات الإنجيل" شَخَّص سيد قطب في أميركا عدوا تجب حربه ورغم رفضه الشديد للشيوعية إلا أن كتاباته من أميركا تنم عن كراهية حقيقية وبغضاء تماما كما فعل أخطر المتأثرين بقطب أسامة بن لادن بعده بأربعة عقود.

    سعد الفقيه: السبب الذي جعل سيد قطب ينظر للمجتمع الأميركي أنه مجتمع مريض والمشروع الأميركي مشروع واعد بانهيار مستقبلي أنه لم ينطلق من منطلق الذي يبحث عن نماذج يعيش فيها بل انطلق من منطلق أصيل من منطلق أنه لديه هو شخصيا فلسفة وفكر أعتمد على التراث أو الفكر الإسلامي في قال الله وقال الرسول وأصبح تلقائيا يقوُّم الآخرين من خلاله فهو قوَّم المشروع الأميركي من خلال اتكائه أو من خلال قياسه على أساس القياس الإسلامي فلم ينبهر ولم يبدو أمامه المشروع الأميركي مشروع جذاب وينظر له نظرة التابع كما حصل مع كثير من المثقفين الذين ظهروا في تلك الفترة ولا يزال الكثير من الناس ينظرون إلى أميركا والمشروع الغربي نظرة القدوة ونظرة ضرورة الاتباع، بل أنه كان تمكن من التجرد المطلق في هذا الجانب واعتمد اعتمادا أصيلا على ما لديه من منطلقات قائمة على قال الله وقال الرسول فقوَّم المشروع الأميركي على أساس أنه أو البرنامج الأميركي على أساس أن هو برنامج لا إنساني برنامج وقائم على الماكينة والآلة التي تحتقر الإنسان وأنها بذلك في طريقها إلى الدمار، الطريف أن سيد قطب تنبأ بشكل من أشكال الفوضى في مستقبل أميركا وتنبأ بشكل من أشكال الفوضى في مستقبل الاتحاد السوفيتي ولم يرى فرقا أساسيا أو بنيويا في الاتحاد السوفيتي أو المشروع الشيوعي والرأسمالي كونهما كلاهما ماديين وقد عزل الإنسان عن الصلة بالخالق.

    المعلق: عاد سيد قطب من أميركا عام 1950 ليجد الوضع السياسي المهزوز الذي خلفه في القاهرة قد زاد ترديا ولمس أن الإخوان المسلمين المنظمة السياسية التي يميل إليها ويساهم في صياغة فكرها وإن لم ينتمي إليها صارت قوة سياسية لها شأن بعد انقسام شعبية الوفد، السخط مما رآه الشعب تسيبا أصاب مجمل المؤسسات السياسية المعهودة دفع إلى دخول طرف خفي متستر يخطط للانقضاض على الحكم ذلك اللاعب الجديد هو الجيش المصري الذي تطلع إلى تفعيل دوره السياسي المغيب منذ فشل ثورة عرابي.

    بشير نافع: في مطلع الخمسينات يعني في 1951 بعد أن عاد الإخوان، الإخوان كانوا قد صودروا وقد حلت الجماعة قبل اغتيال النقراشي في نهاية 1948 بعودة الوفد إلى الحكم في مطلع الخمسينات وفي الانتخابات التي أعادت الوفد إلى السلطة وأعيد الإخوان في ظل أجواء تفاهم لم تكن أجواء تفاهم طويلة المدى على كل حال بين الإخوان والوفد وكان واضحا أن الإخوان المسلمين في مطلع الخمسينات هم الصوت الأهم الذي يمثل الإسلام في الحياة السياسية المصرية الصوت الأهم الصوت الأكثر تأثيرا الصوت الأكبر فربما إذا كان عاد سيد قطب بنية الانتماء السياسي أنه كان من الطبيعي انتماءه إلى الإخوان فكان من الطبيعي أن يذهب إلى الإخوان بصفة أنه ليس هناك متحدث باسم الإسلام السياسي في مطلع الخمسينات في داخل مصر أقوى وأهم وأكثر تأثيرا من الإخوان المسلمين.

    المعلق: ثم جاء حريق القاهرة في كانون الثاني يناير عام 1952 يحمل دفقا رمزيا مؤذنا بنهاية نظام وانبعاث نظام جديد، كان من الحرائق التي هي حمامات تغسل وتجرف تمخض الحريق عن ثورة أو انقلاب قام به الجيش بقيادة عبد الناصر في العام نفسه، خُيِّل للإخوان المسلمين أن ساعة الخلاص حلت لأن السلطة العسكرية الجديدة تضم الكثير ممن أقسموا على المصحف والمسدس ضمن طقوس الانتماء إلى الإخوان المسلمين، منذ البداية كان قائد العهد الجديد شخص لا تخطئه العين جمال عبد الناصر وإن كان يقف خلف محمد نجيب القائد المعلن، سيد قطب نفسه كان مترددا في قبول السلطة الجديدة كان فيه شيء يكره السلطة أي سلطة هو متمرد بطبعه لذلك تقرَّب الثوار منه ولم يقترب هو منهم وبغض النظر عن من اقترب من الأخر وجد سيد قطب نفسه قريبا من السلطة بشكل لم يعهده في حياته وكان قربا ينفر منه بفطرته، لم يكن النظام الجديد قد تبلور بعد وكان الضباط الحاكمين يبحثون عن بؤرة فكرية فيها نَفَس الثورة والرؤية الإصلاحية لصياغة يوتوبيا أو مدينة فاضلة، كان سيد قطب صاحب يوتوبيا فاختاره الضباط مستشارا لمجلس قيادة الثورة لكنه لم يُمضي في المنصب سوى بضعة أشهر راح بعدها ينأى بنفسه عن الثوار انسجاما مع طبعة النافر من السلطة.
    رفعت سيد أحمد: سيد قطب كان قد انتظم في جماعة الإخوان المسلمين ورغم أنه كان من مؤيدي الثورة في بدايتها إلى حد أن أطلق عليه أحد الكتاب اليساريين نيرابو الثورة المصرية وكما تعلم أن نيرابو كان أشهر خطباء الثورة الفرنسية، من شدة تحمس سيد قطب إلى الثورة المصرية أطلق عليه هذا اللقب من قِبل بعض اليساريين ولكن بالتدريج بدأ الانفصال على خلفية صراع سياسي بين الجماعتين جماعة الضباط الأحرار وجماعة الإخوان المسلمين التي كانت مستثناة من قوانين حل الأحزاب وكان هناك علاقات ودية بينهم هذا الصراع السياسي على السلطة أنشأ عقدة تاريخية بين الإخوان والثورة تكررت هذه العقدة التاريخية في أحداث 1965 لكن في تقديري أن أحداث 1965 كان جزء منها فيه قدر من الافتعال السياسي من قبل النظام الحاكم وليست مثل أحداث 1954 حين كانت شوكة الإخوان قوية وتنظيمها قوي وحاضر وكان قويا في الحياة السياسية وفي التقديم لثورة 23 يوليو ولا ينكر الضباط الأحرار ذلك لدرجة أن عبد الناصر حتى في قبل الصدام بشهر زار قبر حسن البنا وكان معه جمال سالم وأحمد حسن الباقوري وقال لقد أشهد الله أننا ننفذ ما كنت تؤمن به على قبر حسن البنا كان هناك علاقات وطيدة وقوية بين الإخوان.

    بين الإخوان المسلمين وعبد الناصر

    المعلق: في عام 1953 بدأت الصدوع تظهر واضحة في العلاقة بين الثوار بزعامة عبد الناصر والإخوان المسلمين هنا فقط انضم سيد قطب رسميا إلى جماعة الإخوان، لم ينضم إليهم حين كانوا مقربين من الحكم لكن تنظيم الإخوان لم يستطيع أن يضم مفكرا بهذه الأبعاد وهذا الشمول، لفهم العلاقة بين الإخوان وسيد قطب لنا أن نستعير تفسير المفكر الفرنسي جان بول سارت للعلاقة بين الحزب الشيوعي والفرنسي والفنان بابلو بيكاسو يقول سارت أن الأفعى الشيوعية طبعت في إبداعات بيكاسو لكنها شوكة وقف الفنان الكبير في حلقها لا تستطيع ابتلاعه ولا تقدر على لفظه ولعل شيئا من هذا يفسر العلاقة الغريبة بين سيد قطب والإخوان المسلمين وكيف كان بينهم وليس منهم، في خريف عام 1954 بلغ الصراع بين الإخوان وعبد الناصر زروته بعد أن انطلقت رصاصات محمود عبد اللطيف عضو التنظيم السري للإخوان باتجاه الزعيم في ميدان المنشية في الإسكندرية، هنا تنشط نظريات المؤامرة حول حقيقة محاولة الاغتيال هذه ولعل ما يثير حواس شهية القائلين بأن الأمر كان تمثيلية ناجحة هو أن أجهزة الأمن تحركت ضد الإخوان بسرعة وكفاءة وكأنها ماكينة مدعومة جاهزة في انتظار الانطلاق على أي حال لنسمع الرأيين.

    محمود جامع: دبرت حادثة المنشية بطريقة غريبة جدا بأن الجهاز السري للإخوان كان مخترق من جمال عبد الناصر وكان قتل عبد الناصر في منتهى السهولة ولكنه عُملت هذه التمثيلية وحُبكت نتيجة نصيحة من أحد المسؤولين في المخابرات الأميركية وقد قالها حسن التهامي وحضرها وكتبها في كتابه وفي جميع الصحف وكان مستشارا لعبد الناصر وقال أنه تفتعل هذه الحادثة ويزداد شعبية عبد الناصر ويضرب ضربته في الإخوان المسلمين وفي الكثير ثم كلنا يعرف أن محمود عبد اللطيف قال أن المسدس انضبط لأ ده برابلوا لأ ده مش عارف أية أشياء كثيرة متناقضة والتقارير الطبية وتقارير الطبيب الشرعي والأشياء كلها هي تمثيلية.

    خالد محي الدين: الإخوان المسلمين صُفوا سنة 1954 لما ضربوا بالرصاص راح محمود عبد اللطيف ضرب الرصاص على جمال عبد الناصر طبعا صُفت جماعة الإخوان المسلمين ومن هنا بيقولوا أن دي كانت مدبرة وتمثيلية أنا سمعت هذا الكلام كنت في الاجتماع في الشرقية وطلع شاب قال لي هذا الكلام قلت له أية بقى التمثيلية واحد أسمه محمود عبد اللطيف من جماعة الإخوان المسلمين خد مسدس وضرب كذا طلقة على جمال عبد الناصر ما أصابوش جه واحد أسمه هنداوي دوير من التنظيم الطليعي مسكوه وقال أنا أديت، ثاني قسم اتخذ هذا الحادث تكأة بأن الحكومة تصفي جماعة الإخوان المسلمين ده صحيح يعني أتخذ يعني هذا التصريح وده شيء طبيعي في أي نظام في العالم تقوم عليه قوة مسلحة تضربه بالرصاص يضربها أصل متوقع أنه هيبوسها ولا هيحضنها مش ممكن فهو من هنا الخلاف كان حتمي لأنه وجهتين نظر مختلفتين والإخوان المسلمون يروا أنهم ساعدوا السلطة وقفوا معها في الأول فكان لازم يُستشاروا وقصة الاستشارة دي قصة مش سهلة لأن الضباط الأحرار نفسهم اللي طلعوا الضباط دول السلطة مكنوش بيستشاروا مش كده هم نفسهم يبقوا معقول هيجي جمال عبد الناصر يستشير الإخوان المسلمين.

    المعلق: المهم أن سيد قطب اتهم بالضلوع في المحاولة على حياة الزعيم وحكم بالسجن مدى الحياة، عرف المفكر ذو الحياة الوادعة المحاط دائما بالحب والإجلال من أخواته وأخيه محمد عرف حياة السجن الكالحة وشهد عذابات رهيبة.
    محمود جامع: كان سيد قطب عليه رحمة الله مريضا بالدرن وبالقلب وبالسكر وعدة أمراض فقضى معظم وقته في المستشفى في مستشفى سجن مصر وكان يتردد على المستشفى بعض المرضى من الإخوان المسجونين فكان يتعرف بهم ورأى بعينيه التعذيب الشديد الذي كان يتم في سجون عبد الناصر إلى أن وصل إلى سنة 1965 بعد أن توسط الرئيس عبد السلام عارف وحضر بنفسه للإفراج عنه وأفرج عنه بعفو صحي ثم أعيد اعتقاله سنة 1965 وحُكم عليه في هذه القضية بالإعدام كان يوقفوه بقى طوابير وضرب وإهانة وكان يموت من هؤلاء المعتقلين ناس وكانوا زملاءه المعتقلين يحملوهم وهم مدفونين الآن في صحراء مدينة نصر تحت مبنى الإستاد لو فحر مبنى الإستاد اللي هو موجود في مدينة نصر الآن في الرمال توجد جثث وجماجم بشرية من المعذبين اللي هم قتلوا من التعذيب.
    المعلق: لكنه ظل يكتب في السجن الكتابة من خلف القضبان تشحذ الزهن وتشخص الخصوم والأصدقاء والأهم من ذلك تضع للسجين بعدا بؤريا واضحا محددا تماما.

    روبرت أرون: هناك تاريخا طويل لتقاليد الكتابة في السجن هناك كتب ذات أهمية أيدلوجية قصوى كتبت في السجن كتب بويسوس (العزاء في الفلسفة) في السجن وفي الجانب السري كتب هتلر (كفاحي) في السجن الأهم من كل هذا كتب السلف الفكري الأعلى للسيد قطب ابن تيمية معظم أعماله المهمة في سجون سوريا القرن الرابع عشر، السجن يجعل الأفكار معالم حادة السجن يركز كراهية السجين لمن وضعه خلف القضبان ولكن مع كل هذا لا أظن أن أفكار السيد قطب تغيرت كثيرا في السجن.

    صلاح نيازي: بالنسبة إلى السيد قطب لأنه منقطع إلى الله منقطع إلى الدين ومنقطع هذه الكلمة السحرية في حياة سيد قطب يستطيع أن يعيش في السجن وكأنه يعيش مع ازدحام كبير من الأفكار الدينية ومن الملائكة ومن التفسيرات، هو مزدحم بأفكاره في الداخل فلم يكن منعزلا ووحيدا هو منقطع عن العالم لكنه متصل بالذات الإلهية وبكل ما هو غيبي فإذا سنحت له الفرصة لتفسير القرآن أو للتأليف ستكون الأشياء منسجمة مع بعضها بعضا لأنه هو منقطع أصلا وسيكون تفكيره أعمق مادام بعيدا عن الزيارات الاجتماعية أو الحياة الاجتماعية عن الذهاب والإياب والسؤال عن الآخرين وإنما هو منقطع بمعنى منقطع حقيقة مثل ما نرى المؤلفين الإنجليز الآن.

    المعلق: في ظلام السجن ازداد سيد قطب توهجا بينما بدأ فكر الإخوان المسلمين يخبوا ويفقد بريقه وخصوصا وأن نظام الثورة صار نظاما سياسيا واجتماعيا له خصائص واضحة وزعيم قوي يخطوا بثبات نحو مدارات عربية وعالمية بينما خصومه الإسلاميون يتراجعون أو يحسبون الساعات الخاوية في زنازين السجون أو تنتزع إنسانيتهم في أقبية التعذيب.

    [شريط مسجل]

    جمال عبد الناصر: باسم الأمة رئيس الجمهورية مادة واحد تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية.
    بشير نافع: تغير إلى حد كبير في 1956 يعني نهاية العدوان الثلاثي بانتصار سياسي لمصر على بريطانيا وعلى فرنسا وعلى الدولة العبرية وعلى التحالف الثلاثي الذي اعتدى على مصر في أكتوبر 1956 هذا أعطى شرعية كبيرة لعبد الناصر هذا أعتبر إنجاز كبير جدا لعبد الناصر بالإضافة إلى ذلك التعاطف والحشد العربي الشعبي واسع النطاق مع مصر سنة 1956 خلال العدوان الثلاثي خلال شهور العدوان الثلاثي أيضا أعطى شعبية كبيرة جدا لعبد الناصر ووضع عبد الناصر على بداية طريق تبني الفكرة القومية.

    المعلق: انتصر النظام الجديد في المواجهة التي كان من الممكن جدا أن تكون مميتة وقع العدوان الثلاثي لكن النظام الجديد نجح، الغريب أن الشعب المصري والعربي عموما رأى نصرا في النجاة في مجرد النجاة، بعد حرب السويس زادت ثقة النظام الجديد في نفسه الثقة المفرطة في الذات تُترجم في ثقافتنا إلى مزيد من القمع فقد راح نظام عبد الناصر المدعوم بالهتاف الشعبي وبحناجر أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ والمؤزر بكل قنوات الصحافة راح النظام يصب على خصومه السياسيين ويلات لم تعرفها سجون مصر لا في ظل فاروق ولا حتى في ظل الاستعمار البريطاني، لنسأل هنا لماذا صار العهد الجمهوري أكثر بطشا من عهد فاروق ومن زمن الانتداب البريطاني.
    خالد محي الدين: القمع مستمر يعني أنا بشوف الروايات دلوقتي عن أيام الملك وأيام الأسرة المالكة وأيام الاحتلال الإنجليزية فالقمع شديد لكن هو القمع دلوقتي شديد لأنه ما يصحش أنه يتناسب مع أن هذه الحركة قامت لإسقاط الملكية وإخراج الاستعمار وتحرير البلد من الاثنين فكان المفروض أن يبقى التعامل مع الشعب المصري أقل يعني عنفا لكن اللي حدث أنه أيام الملكية كان الصراع كله موجه صراع وطني ضد الاستعمار والاحتلال فكان الشعور الوطني بيغلب ده كله فلذلك كان لما يجي زعيم يبطش، يبطش بالحركة الوطنية فكان بسرعة الرأي العام والضغوط تعدل الموقف إنما بعد ثورة يوليو وقيام الجمهورية الصراع بقى صراع سياسي داخلي بين قوة سياسية مختلفة وصراع اجتماعي بين قوة اجتماعية مختلفة فبقى دائما هذا الصراع السياسي والاجتماعي الداخلي يتميز بالعنف والشدة في الضرب والقمع.
    المعلق: وفي عام 1957 كُتب على سيد قطب أن يشهد مذبحة مروعة في سجن طره جعلته يحسم أمره مع النظام ويرى فيه نظام كفر.

    محمود جامع: اعتصم بعض المسجونين المحكوم عليهم في زنازينهم وامتنعوا عن الذهاب إلى الجبل لتكسير الأحجار وطالبوا بتطبيق لوائح السجن وكتبوا مظلمة للمسؤولين رفض المسؤولون تنفيذ طلباتهم فاعتصموا فما كان من قيادة السجن إلا أن أمرت بضربهم بالنار وبالمدافع الرشاشة وهم عزَّل من السلاح داخل زنازينهم وذهل المسجونون وسقط منهم عدد كبير من القتلى والجرحى وسالت الدماء كل هذا أمام باقي المسجونين وأنا.. وكتبت في كتابي عرفت السادات مجموعة من أسماء الشهداء الذين قتلوا في هذه المذبحة أمثال أنور مصطفى أحمد من مصر القديمة، سيد علي محمد من الإسكندرية، محمود سليمان مهندس بالعباسية، أحمد حامد قرقر من ميت غمر، محمود عبد الراشد من الإسكندرية..

    سيد قطب وابن تيمية
    المعلق: يسيطر الألم على السجناء في مسيرة لا تريد أن تهدأ، هنا يقترب سيد قطب من مفكر إسلامي عرف عذاب السجن قبله سجين كبير وفقيه عظيم أسمه ابن تيميه له فتوى مؤثرة تؤسس للانقضاض على الحاكم أصدرها قبل ثمانية قرون.

    روبرت أرون: ابن تيميه منبع أصيل من أصول أي الذين يريدون العودة إلى حالة الإسلام الأولية ومصدر للذين ينقبون في أعماله عن تبرير لمعارضة حكام المسلمين لا يرغبون فيه، هناك فتوى شهيرة لابن تيميه أصدرها بطلب من سلطات المماليك ضد الالخانيين المغول في إيران كانوا الالخانيين قد اعتنقوا الإسلام بديلا لدينهم كانوا مسلمين لكن المماليك أردوا مصوِّغ شرعيا لحربهم فقصدوا ابن تيميه الذي أجابهم إلى ما يريدون وضع نصا كلاسيكيا يقول أن هذا الحاكم ربما كان يقول أنه مسلم وربما صلى خمس مرات في اليوم لأنه إذا قصر في أي واجب من واجبات الدين فلنا أن نوسمه بالجاهلية والجهاد ضده واجب شرعي.

    المعلق: ظل السيد قطب يتوهج ويرقى وخصمه عبد الناصر يتوهج ويرقى أيضا استمر العذاب يصب على المفكر لكنه يستقوى على المحنة ويزداد فكره ضراوة حتى بلغ ذروته في كتاب معالم في الطريق وهو كتاب صغير لكنه خطر.
    روبرت أرون: انتشرت أفكار سيد قطب بشكل واسع بسبب الطباعة المصغرة والطابعات الرخيصة الثمن التي تبث فكره ويمكن أن نتوسع هنا لنذكر ثورة إيران وكيف أن الخميني ربما ما كان سيصل إلى السلطة دون الكاسيت، غريب كيف أن التقنيات الغربية في القرن الواحد والعشرين تضمن انتشار الثورات الإسلامية تنظيم القاعدة ما كان سيتوسع وينتشر دون الإنترنت ودون قناة الجزيرة.

    سعد الفقيه: كان الكتاب ينبئ عن نفسه لكن الأمور التي تركت أثرا من خلال هذا الكتاب كان الأمر الأول هو الشعور بالثقة المطلقة بهذا الدين وأن هذا الدين هو حق مطلق والإنسان خلق من أجله وكل ما سواه خطأ، النقطة الأخرى هي نقطة الشعور بالاستعلاء وهذه الذي أكد عليها سيد قطب كثيرا وأتت مفعولها في تيارات إسلامية كثيرة من ضمنها تيار القاعدة، النقطة الثالثة وهي نقطة مهمة جدا الشعور بالعالمية بمفهوم أو ظاهرة هيمنة الإسلام على العالم ليس بمعنى العالمية فقط بمعنى الأخوة وأن الإندونيسي والباكستاني والمغربي أخ لي هكذا بمعنى عاطفي لأ بس العالمية بمعنى أن يسود أن يهيمن الإنسان الإسلام على العالم هذا هو مفهوم العالمية الذي ترسخ من خلال إصدارات أو كتابات سيد قطب وفي مقدمتها معالم في الطريق.

    المعلق: أفرج عن سيد قطب لأسباب صحية عام 1964 ثم أعيد اعتقاله في صيف 1965 فدارت عجلة العسف مجددا دورة جديدة واقتيد سيد قطب إلى السجن الحربي وحوكم في ربيع عام 1966 كانت محكمة يقصد بها الإذلال والإهانة وهو إجراء معروف ومقيد في دفاتر العسف منذ حاكم الرعاع سقراط في أثينا قبل ألفين وأربعمائة عام، وفي أغسطس 1966 صدر الحكم المتوقع.

    حكمت المحكمة على المتهم سيد قطب إبراهيم السن ستين سنة المهنة كاتب والمقيم برقم 44 شارع حيدر بحلوان بالآتي: أولا الإعدام شنقا، ثانيا..

    المعلق: في مساء الأحد الثامن والعشرين من أغسطس اقتيد المفكر إلى سجن الاستئناف لشنقه، نفذ الشنق بعد بضع ساعات فجر الاثنين الموافق تسعة وعشرين أغسطس عام 1966 هل انتهت الحكاية؟ نظن أنها ابتدأت.
    سعد الفقيه: تضحيته من أجل هذا المبدأ أعطت دافع كبير لانتشار الفكرة وهذا مبدأ معروف تاريخيا أن كل من يضحي يعني يَنتشر فكره ويُحترم من قبل الآخرين يعني حتى لو كان هناك من يختلف معه في الرأي.
    روبرت أرون: لو أرادوا له أن يعيش ولو في السجون ربما أصبح أقل تطرفا أو ربما أسرف في التطرف إلى حد يجعل الناس يرونه غير متزن أو مجنون لكنهم قطفوه وهو في أوج تألقه أسلوبا وفكرا وبهذا أسدى النظام المصري خدمة لأفكاره.

    رفعت سيد أحمد: أعتقد أن إعدام سيد قطب كان لحظة ميلاد لسيد قطب الحقيقي فالاستشهاد سيد قطب لدى الإسلاميين مثَّل مرحلة طفرة في تاريخ الحركات الإسلامية في القرن العشرين مثلما كان استشهاد حسن البنا أيضا قوة دفع لا زالت تستفيد منها حركة الإخوان المسلمين حتى هذه اللحظة، الجماعات الإسلامية الجهادية لازالت ترى سيد قطب حاضرا في أدبياتها وفي أفعالها وفي إيمانها لأنها رأت أن هذا الرجل في سبيل ما أمن به استشهد.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    الـــــــSHARKـــــاوى

    إن المناصب لا تدوم لواحد ..... فإن كنت فى شك فأين الأول؟
    فاصنع من الفعل الجميل فضائل ..... فإذا عزلت فأنها لا تعزل

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    62
    آخر نشاط
    13-10-2005
    على الساعة
    02:28 AM

    افتراضي

    الشهيد سيد قطب وقناة الجزيرة
    افتراءات برنامج "ممنوعون" على شهيد الإسلام
    [


    يستنكر مركز المقريزي ما بثه برنامج "ممنوعون" بقناة الجزيرة اليوم [غرة ربيع ‏الثاني 1425هـ / الموافق 20 مايو 2004م] عن شهيد الإسلام سيد قطب وقد أثار ‏حفيظتنا هذا البرنامج الساذج غير اللائق بعلم من أعلام الإسلام؛ عقيدة وفكراً ‏وسياسة.. وتتلخص ملاحظاتنا في النقاط التالية:‏

    أولاً: من الناحية الشكلية: سطحية المذيع معد البرنامج واسترساله في مواضيع نشتم ‏منها تمجيد عهد بائد، وخلو جعبته من قضايا جدية تلقي الضوء على فكر هذه ‏الشخصية العظيمة.. فواضح أن المذيع لم يعرف الفرق بين صاحب الظلال وصاحب ‏الحرافيش: الفاجومي وشيخه إمام!‏

    ثانياً: البرنامج ينطبق عليه المثل العرب: (نسمع جعجعة ولم نر طحناً).. فقد بثت ‏الجزيرة عنواناً مثيراً فكان جعجعة! ومضموناً ساذجاً مهيناً بحق.. ومن ثم فلم نر ‏طحناً!! اللهم إلا صوت العندليب الذي كان يخدر الأمة بأغانيه!! وصوت الزعيم ‏الملهم الذي أحل بقومه دار البوار.. وصارت مصر والأمة بأسرها بفكره الميمون! ‏مرتعاً لكل غاز وعربيد.. بل لم يفلح خلفاؤه لا في السياسة ولا حتى في الكورة!‏

    ثالثا: لم يكلف معد البرنامج نفسه بأخذ تعليق أحد أقارب الشهيد سيد قطب رغم أنهم ‏غير مجهولي الهوية.‏

    رابعاً: لم يكلف نفسه أن يستضيف أحد الكتاب المقربين الذي كتبوا عن الأستاذ العلم ‏سيد قطب وبعضهم أحياء يرزقون.. وهذا خلل كبير لقناة مثل الجزيرة أن تغفل هذه ‏الأبجديات المهنية.

    خامساً: عدم إبراز الوجه الغربي القبيح في الباعث الحقيقي الذي أبرزه سيد قطب ‏وهو في أمريكا ألا هو نبأ استشهاد الأستاذ حسن البنا وحالة الهستيريا التي انتابت ‏المجتمع الأمريكي وخاصة النخبة وهو يرقصون فرحاً بالتخلص من أحد أعداء ‏الغرب!

    ‏سادساً: نشر رسالة سيئة مفادها أن سيد قطب كان عصبي المزاج متمرداً في جميع ‏أطوار حياته فكأن الرجل ـ وحاشاه ذلك ـ مريض بعقدة ما!! ويتصرف من منطلق ‏‏(خالف تعرف)!.. كما أن الربط بينه وبين شيخ الإسلام ابن تيمية من خلال أن ‏كتاباتهما حدية وعنيفة لظروف السجن! وهو مثلما فعلوا مع الدكتور أيمن الظواهري ‏عندما أرادوا أن يربطوا بين أفكاره وبين محنة السجن..

    وهذا ديدنهنم مع دعاة الحق ‏وأهل الطهر.. وهذا تحليل خائب يقطر من مرض خبيث وهذا يدل على أن معد ‏البرنامج لم يسبر غور دعوة الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله.

    ‏سابعاً: تصوير الأستاذ الشهيد سيد قطب وخاصة في مقدمة البرنامج على أنه رجل ‏دموي تسبب في كل الأحداث من خلال صور لأحداث المنصة [اغتيال السادات عام ‏‏1981]، وإن كنا لا ننكر أن معظم الجماعات الإسلامية الجهادية الحديثة قد استقت ‏من معين هذا الشهيد العظيم غير أننا نرفض أن يوصم الأستاذ الشهيد سيد قطب ‏بالصورة الدموية المختزلة في عقلية الباحث الغربي ومن يسيرون على دربهم ‏المشين.‏

    ثامناً: القول بأن الصراع بينه وبين النظام الناصري صراع سياسي بالمفهوم الذميم ‏لهذا المصطلح وهذا تحليل إما ساذج وإما خبيث فصراع الأستاذ الشهيد كان صراعاً ‏عقدياً وقد استبان له ذلك جلياً عندما عمل مع ضباط يوليو في أول الأمر خلال ثلاثة ‏أشهر إذ ظهر أنهم حفنة من المارقين على الإسلام وعصبة من المتخلفين عقلياً ‏ضررهم أكثر من نفعهم.‏

    تاسعاً: تشويه البرنامج لشيخ الإسلام ابن تيمية من خلال أنه أفتى بناء على طلب من ‏حكومة المماليك: بجهاد التتار الإيلخانيين الذين كانوا قد أسلموا!! والعجيب أن الذي ‏يحلل لنا أحد ضيوف البرنامج من المستشرقين الإنجليز!! وفاتهم أن حكومة المماليك ‏هي التي سجنت شيخ الإسلام وأنه لم يكن يحابي أحداً من هؤلاء السلاطين رغم أننا ‏نتمنى في وقتنا الحاضر أن نحكم يهؤلاء المماليك! وأما أن التتار الإيلخانيين قد ‏أسلموا نعم قد أسلموا ظاهراً ولم يلتزموا بشريعة الإسلام ولم يكفروا بشريعة جانكيز ‏خان "الياسق" الذي جمعه له من كل ملة؛ عبارة عن خليط من التشريعات مثل ‏القوانين الوضعية المعمول بها في العالم الإسلامي بدون استثناء.

    ‏عاشراً: نعتقد أن القول بأن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يفتي بناء على طلب المماليك ‏افتراء على ابن تيمية وتزوير فاضح للتاريخ.. لذلك فإننا نرى أن إبراز هذه المقولة ‏مداهنة لحكام اليوم الذين هم أسوأ وأرذل من التتار.. والمقام لا يتسع لإثبات ذلك. ‏


    ‏صفوة القول:

    نطالب القائمين على قناة الجزيرة أن يصلحوا الخلل والعوار الذي بثه برنامج "الممنوعون" وأن يعيدوا الإعتبار لشهيد الإسلام سيد قطب إما ببرنامج آخر يكون ‏أكثر جدية وأعمق بعداً في تناول سيرة هذا الجبل الأشم الأستاذ الكبير بحق سيد ‏قطب. وإما اعتذار رسمي عن بثهم لبرنامج أقل ما يقال فيه إنه برنامج تافه ساذج.‏

    كما نطالب الغيورين من أهل الإسلام وخاصة أصحاب الأقلام الطيبة النافعة أن ‏يذودوا عن حياض فكر هذا الصرح العظيم المتمثل في شهيد الإسلام سيد قطب.. وأن ‏يتصدوا لهذه الحملات المشبوهة والمنظمة للنيل من فكر الأستاذ الشهيد سيد قطب ‏ومن تياره الأصيل المدافع بحق عن الإسلام المقاوم لتيارات الإستكبار والغطرسة ‏ومن وراءهم من طوابير أهل العلمنة وبعض الإسلاميين المنهزمين عقدياً وفكرياً.. ‏

    وفي الختام نقول: لقد ظلموا علم الإسلام سيد قطب حياً.. وها هم أولاء يظلمونه ‏بعد استشهاده.. لكننا نعلنها مدوية إذا كانت حياته أطول من حياة شانقيه.. فإن ‏حياته أيضاً أطول من حياة شانئيه..‏
    غرة رربيع الثاني 1425هـ / الموافق 20 مايو 2004م
    غرباء ونحن سر الوجود...غرباء ونحن رمز الصمود...غرباء وليس بدعا فهذا قدر الحرِّ في بلاد العبيد

  8. #8
    الصورة الرمزية الشرقاوى
    الشرقاوى غير متواجد حالياً محاور
    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    1,559
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    13-10-2014
    على الساعة
    02:32 AM

    افتراضي

    أخى بن القسام بارك الله فيك

    وشكرا على التوضيح

    وإن كنت أرى ان البرنامج لم يظلم الشهيد الراحل كثيرا

    فلكل منا جاهليته يا اخى العزيز وعفا الله عما سلف والشهيد الراحل ذهب للقاء ربه وبقى تاريخه وكتبه خالدين بيننا
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    الـــــــSHARKـــــاوى

    إن المناصب لا تدوم لواحد ..... فإن كنت فى شك فأين الأول؟
    فاصنع من الفعل الجميل فضائل ..... فإذا عزلت فأنها لا تعزل

عملاق الفكر الإسلامي؛ الشهيد سيد قطب

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. كتب عملاق الفكر العربي عباس العقاد رحمه الله (منقول)
    بواسطة دفاع في المنتدى منتدى الكتب
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 27-06-2008, 09:25 PM
  2. سيد القمني يلعب دور الكاتب الشهيد
    بواسطة wela في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 27-01-2008, 04:35 AM
  3. الشهيد القس السابق الأثيوبي ملقاه فقادو....
    بواسطة الاصيل في المنتدى منتدى قصص المسلمين الجدد
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 19-03-2007, 11:18 PM
  4. برنامج عملاق لموقع عملاق
    بواسطة عبد الله المصرى في المنتدى منتدى الكتب
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 24-08-2005, 10:29 PM
  5. العالم الشهيد أبو أنس الشامي
    بواسطة ابن القسام في المنتدى منتديات الدعاة العامة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 29-07-2005, 05:56 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

عملاق الفكر الإسلامي؛ الشهيد سيد قطب

عملاق الفكر الإسلامي؛ الشهيد سيد قطب