@@ ترجمة كتاب - أصول مسيحيه - لعالم اللاهوت الألمانى أوتو فليدرر @@

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

@@ ترجمة كتاب - أصول مسيحيه - لعالم اللاهوت الألمانى أوتو فليدرر @@

صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 11

الموضوع: @@ ترجمة كتاب - أصول مسيحيه - لعالم اللاهوت الألمانى أوتو فليدرر @@

  1. #1
    الصورة الرمزية fares_273
    fares_273 غير متواجد حالياً طالب علم
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    363
    آخر نشاط
    19-09-2011
    على الساعة
    02:23 PM

    افتراضي @@ ترجمة كتاب - أصول مسيحيه - لعالم اللاهوت الألمانى أوتو فليدرر @@

    الموضوع التالى نقلا عن الأخ أويس القرنى

    جزاه الله خيرا

    http://hurras.net/vb/showthread.php?t=22178


    حياكم الله

  2. #2
    الصورة الرمزية fares_273
    fares_273 غير متواجد حالياً طالب علم
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    363
    آخر نشاط
    19-09-2011
    على الساعة
    02:23 PM

    افتراضي

    السلام عليكم :



    حرصا على الإرتقاء بمستوى المسلمين فى فهمهم للمسيحيات , نويت بإذن الله أن أضع لكم ملخصا لكتاب ممتع لعالم اللاهوت الألمانى أوتو فليدرر , هو كتاب " أصول مسيحيه " , و ما سأضعه ليس ترجمه لكل الكتاب , و لكنه ملخص , و من أراد أن يطالع الكتاب بالكامل فليراجعه فى نسخته الإنجليزيه , و لكن أعتقد أن الملخص سيكون كافيا لأفكار الكتاب بإذن الله .



    و سوف أضع الملخص هذا على أجزاء متتاليه بإذن الله .



    و أهيب بكل الإخوه أن يطوروا من معرفتهم بالمسيحيات , و أن يعتمدوا على المراجع العلميه , و أن يكثروا من القراءة فيها , سائلين الله أن يجعل كل هذا فى خدمة الدين , اللهم آمين





    و فى البدايه أعطيكم نبذه مختصره عن العالم الألمانى أوتو فليدرر :



    أوتو فليدرر ( سبتمبر 1 , 1839 - يوليو 28 , 1908 ) كان لاهوتيا ألمانيا بروتستانتيا .... ولد فى " ستيتين " ( الآن جزء من كيرنين , بادن-فوتمبرج ) فى فوتمبرج ..... من عام 1857 الى 1861 درس فى جامعة " تيبينجين " تحت " ف . س . باور " و بعد ذلك فى إنجلترا و اسكتولندا .




    فى عام 1870 صار القس الرئيسى و مدير الجامعه فى " جينا " و بعد ذلك فورا أستاذا مراقبا لعلم اللاهوت , و لكن فى عام 1875 دعى ليشغل كرسى اللاهوت النظامى فى برلين , و صنع اسمه من خلال عدد من المقالات عن نقد العهد الجديد و اللاهوت اليوحناوى و البولسى .

  3. #3
    الصورة الرمزية fares_273
    fares_273 غير متواجد حالياً طالب علم
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    363
    آخر نشاط
    19-09-2011
    على الساعة
    02:23 PM

    افتراضي

    المقدمه :



    إن هذا الكتاب لم يكتب للقانعين بإيمان الكنيسه , فمثل هذا الكتاب قد يجرح مشاعرهم




    الباب الأول : الإعداد و تأسيس المسيحيه :




    الفصل الأول : الإعداد للمسيحيه فى الفلسفه اليونانيه :









    يقول افلاطون , أن المحرك الأول خلق العالم لأنه صالح , و أراد أن يكون الكل شبيها به بقدر الإمكان , و لهذا خلق العالم على صورته , المخلوق الأجمل و الأكمل , و ابنه الوحيد المولود الذى صار الها منظورا . إن فرضية أن العالم كائن حى له روح , و أن هذه الروح تتخلل كل شىء و أنها الصوره المباشره و الانبثاق من الله , مكنت أفلاطون أن يصف العالم بأنه " الله الثانى " و " الإبن الوحيد المولود من الآب " و " المحرك الأساسى للعالم " , و هى الفكره التى نلاحظ فيها أحد بذور عقيدة التثليث اللاحقه .






    يقول أفلاطون فى نقطة أخرى أنه ينبغى أن ننظر للرجل المستقيم على أنه رجل سعيد , حتى لو كان يعيش فى شقاء و تعاسه , و ينبغى أن ننظر للرجل الشرير على أنه غير سعيد , حتى لو توارت خطيته عن كل العالم , و لهذا السبب يرفض أفلاطون أن يبذل الخير للأصدقاء و الشر للأعداء , فلا يمكن للبار أن يرغب فى أذية أحد سواء كان صديقا أو عدوا , و نرى فى هذا كيف اقترب هذا الرجل اليونانى الحكيم من أخلاقيات الإنجيل بخصوص هذا الموضوع .





    و كذلك يرى أفلاطون أن الطبقه العليا الثريه تتميز بالحكمه , بينما على الطبقه الدنيا أن ترضى بما لديها , و لكن الإنجيل على العكس من هذا يبشر بملكوت الله القادم الذى ستسكب فيه النعمة على الجميع , بما فى ذلك الفقراء و الجهال و الثقيلى الأحمال .






    أما عن الفلسفه الرواقيه التى نشأت فى القرن الثالث قبل الميلاد بواسطة " زينو " و " كريسبوس " فقد كانت أهم إعداد للمسيحيه , و بعكس الثنائيه التى وجدناها عند أفلاطون , فقد رجع الرواقيون الى وحدة الوجود التى قال بها " هيراكليتوس " , و أدمجوا معها الفرديه الصارمه للفلاسفه الكلبيين بروحها المتحرره .






    و يقول " سنيكا " الفيلسوف الرواقى فى جانب آخر من فلسفتهم : إن الله يعامل الانسان الصالح بشكل أبوى , و حتى نقتدى به لا بد أن نعطى حتى لناكرى الجميل , لأن الشمس تشرق على الكافر , و الريح لا تهب على الخيرين فقط , و المطر يسقط على حقول من يجدفون على الله . إن عبادة الله لا تحتاج الى صور و هياكل , لأن الله قريب منك و معك و فيك , ففينا تسكن الروح القدس ..... ليس من المدهش أن هذا الكلام أوجد انطباعا عند البعض أن " سينيكا " قد قابل يسوع المسيح , و لكن هذا غير صحيح بدون شك , و هذه التعبيرات التى خرجت من هذا الفيلسوف الرواقى لها أهمية كبيرة عند المؤرخ لأنها لم تعتمد على الأناجيل المسيحيه , و لها أهمية كبيره كذلك كشهاده على النمط الدينى الأخلاقى الذى كان منتشرا فى العالم اليونانى - الرومانى فى تلك الأيام , و الذى له صلة وثيقه بالنمط المسيحى , مما أعد التربه الأمميه للأناجيل .







    لقد وجدت فى أخلاقيات العالم اليونانى - الرومانى فى تلك الأيام رابطة الأخوه بين كل الناس , بغض النظر عن الرتبه أو الجنسيه , و من هذا تحرك الدافع لمحبة الإخوه فى الانسانيه , و للإنسانيه ( و كان الرواقيون هم أول من استخدم كلمة humanitas وفق هذا المعنى ) .






    كان لدى الرواقيين المتأخرين نظره مثاليه idealistic عن العالم , و التى قد نعتبرها أول محاوله للدمج بين المستيكيه الدينيه مع مثاليات الأخلاقيات العقلانيه , مع ذلك أخذت خطوه فى طريق توحيد و تنقية الدين و الأخلاق , و الذى تحقق فى المسيحيه . لم يكن بمقدور الرواقيه أن تحقق هذا , لأن مثاليتها الأخلاقيه كانت مجرده فلا تستطيع أن تكون دينا , و لأن دينها لم يكن خاليا بالكامل من تعدد الآلهه الشائع و وحدة الوجود الطبيعيه .





    لقد لاحظت الرواقيه بكل وضوح التناقض بين الحريه الأخلاقيه للإنسان , و بين اعتماده على الله , و لم تحل هذه المشكله , و لم يكن بوسعها أن تفعل ذلك , لأن حرية الانسان فهمت بالمعنى السلبى فى الانسحاب من العالم الخارجى الى داخل روحه , و ليس بالمعنى الإيجابى الذى يقول بخضوع الانسان للمشيئه الإلهيه المطلقه فى العالم , و لم يظهر التكوين الحقيقى لحرية أخلاقيه و اعتماد دينى قبل المسيحيه , و قد مهدت الرواقيه الطريق لهذا بأكثر من أسلوب ,







    الفصل الثانى : الفلسفه اليهوديه - اليونانيه عند فيلو :







    من أهم الأشياء التى مهدت الطريق للمسيحيه هو اندماج الفلسفه اليونانيه و الدين اليهودى فى القرنين السابقين للمسيح .


    حاول فيلو أن يفسر العهد القديم وفق الفلسفه اليونانيه خصوصا فلسفة افلاطون و الرواقيين , و بالتالى استخدم التفسير المجازى , و هو الأمر الذى كان موجودا قبله , و لكنه لم يستخدم بمثل هذه الجرأه .





    بحسب فيلو , الله مرتفع عن العالم , و لا يمكن أن نصفه بصفه , فهو أكثر من جميل و صالح , و لا يمكن للإنسان أن يعلم ما يصح أن يوصف به و ما لا يصح أن يوصف به , و هو خارج نطاق الزمان و المكان , لا يتغير و لا يحتاج الى شىء .





    و لكن لا يمكن أن تكون هذه نقطة النهايه , فلا بد أن يصف الله ببعض الصفات الإيجابيه الناتجه من علاقته بالعالم , و بالتالى قد أضاف فيلو الى الصفه الرواقيه عن الله بأنه القوه التى تنتج الكل , أضاف اليها الصفه الأفلاطونيه عن صلاح الله و نعمته الذى جعله يخلق العالم . كل صلاح يأتى من الله مباشرة , و كل شر يأتى من الأرواح الخاضعه له و لكن بأمر الله , و هو يبسط يده حتى للخطاه , و لا بد أن فيلو تأثر فى هذا بالنظره الأفلاطونيه عن صلاح الله , و كذلك بالفكره عن الله التى توجد عند أنبياء مثل ارميا و هوشع . و لكن على الرغم من ذلك , فإن هذا الاعتقاد بصلاح الله يتعارض من وجهة النظر العالميه القائله بالثنائيه و التى آمن بها فيلو و كل الناس فى زمنه , و التى تقول أن العالم المادى سىء جدا و لهذا فالله لا يتعامل معه دون وسيط , و قد اعتقد فيلو أنه وجد الحل لهذا فقال أن الإراده الإلهيه يجرى تنفيذها من خلال كائنات وسيطه فوق حسيه , و هى قوى معنويه ( فكر رواقى ) , و أفكار ( فكر أفلاطونى ) , و ملائكه ( فكر العهد القديم ) , و يقول أن من بينها ستة هى الأعلى , و أعلاهم جميعا هو اللوجوس .





    إن مفهوم اللوجوس الذى يعد النقطه المحوريه فى فكر فيلو , يدمج بين الفكر اليهودى عن كلمة الوحى الخالقه , و الفكر الرواقى عن العله الإلهيه الفاعله فى العالم , فاللوجوس عند الرواقيين كما هو أيضا عند فيلو هو المكون للعالم و المحافظ عليه , و لكن اللوجوس عند فيلو يختلف عن اللوجوس الخاص بالرواقيين فى أنه لا يسميه الله و لا مادة العالم , بل يجعله شيئا وسيطا بينهما , و اسمه هو " المولود البكر من الله " و " أقدم الملائكه " و الصوره و المنطوق بوضوح " , و " الإله الثانى " , و هو وسيط الوحى الإلهى منذ الخلق , و النموذج لكل شىء , و القوه التى شكلت الماده الى هذا العالم . و فى تاريخ الانسان و بالأخص تاريخ بنى اسرائيل كان هو الوسيط لكل الوحى الإلهى , و الكاهن الأعلى و الباراقليط ( المحامى ) عن البشر أمام الله .....و هو ليس فقط النموذج , بل المصدر المستمر للخير و الحقيقه فى الإنسان ....هذه الأرواح التى يسكن فيها , و التى يمنحها نفسه بوصفه الخبز الحقيقى من السماء .







    كان تعليم فيلو عن الإنسان يدمج بين الفكر الافلاطونى و الرواقى مع التقليد الكتابى , فقد اتفق فيلو مع نظرة أفلاطون عن الجسد الإنسانى على أنه سجن لروح نزلت من الأعلى , و أنه مصدر الشر و الخطأ , و أراد أن يحدث تناسقا بين هذا و بين قصة الخلق الوارده فى سفر التكوين , فاعتبر أن القصه الوارده فى الاصحاح الأول من هذا السفر تتحدث عن الإنسان السماوى المثالى , بينما الوارده فى الاصحاح الثانى تتحدث عن الإنسان الأرضى الخليط من ملاك و حيوان , و اعتبر أن الإنسان لا يمكن أن يتحلص من عبودية الحس و أن يرتفع الى النموذج الإلهى بقوته الخاصه , بل لا بد من مساعدة القوى الإلهيه و بالأخص مساعدة اللوجوس , الذى ينزل الى الأرواح و يقدسها كهياكل لله .







    و لكن هل تم هذا الاتحاد المنتظر الذى يتحدث عنه فيلو بين الله و الإنسان ؟ , و هل يمكن أن يتحقق فى ضوء النظره الثنائيه البليده التى تصف علاقة الله بالعالم , و التى أخذها فيلو من أفلاطون و ضخمها ؟ . إن مثل هذا الاتحاد يمكن أن يتم فقط فى الوجد غير الواعى , الذى يغوص فيه الفكر المتعقل و الإراده , لأنه فيلو يرى أن الروح الإنسانيه لا يمكن أن تسكن مع الإلهيه , و بالتالى فعلى الرغم من كل الوساطات , يظل التعارض بين الله و الإنسان أمرا مغلقا عند فيلو , و لم يدر بخلده أن الوحى الأعلى للروح الإنسانيه هى حياة الإنسان الروحيه التى تحتوى على الحق و الصلاح .





    و بالتالى فعلى الرغم من أن فيلو يقترب من لاهوت يوحنا , إلا أنه يقف خارج عتبة المسيحيه , فهو لا يعرف شيئا عن " تجسد اللوجوس " , و لكن فيلو مهد الطريق للمسيحيه , حيث اكتسب من اليهوديه الهيلينيه فى الشتات روح الفرديه , و التقوى الداخليه , و نمط أخلاقى عالمى , و مهد الطريق لدين روحى أخلاقى , يرتكز على الوحدانيه , و لكنه يتحرر من قيود اليهوديه .

  4. #4
    الصورة الرمزية fares_273
    fares_273 غير متواجد حالياً طالب علم
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    363
    آخر نشاط
    19-09-2011
    على الساعة
    02:23 PM

    افتراضي

    الفصل الثالث : تمهيد اليهوديه للمسيحيه :







    نمت اليهوديه الفلسطينيه فى القرن الثانى قبل المسيح فى اتجاه معاكس , و انتصرت روح النظاميه و القوميه الضيقه التى زرعها عزرا فى الدين اليهودى على روح التقوى التى قال بها الأنبياء و كتبة المزامير و التى ظلت فى قلوب قلة من اليهود . هذا التعارض كان موجودا فى السابق فى المجتمع اليهودى الذى أسسه عزرا , و لكنه ظل مستترا أثناء الحكم الفارسى و اليونانى , و لم يأخذ منحنى حادا إلا عندما هددت الهيلينيه الثقافه اليهوديه فى زمن أنطيوخوس أبيفانوس الملك السورى . قاد المكابيون الثورة حتى النصر , و منذ ذلك الحين صار الفريسيون هم الداعم الأكبر لهذا , و بالتالى صار الناموس اليهودى حائلا دون اشتراك اليهود فى الثقافه اليونانيه ( تذكر بولس ) .





    و لكن هذا التطور الأخير فى اليهوديه , ينبغى ألا ينسينا أنها لم تكن على هذا الوضع قبل ذلك , فاليهوديه فى القرن الثالث و الرابع قبل الميلاد تميزت بروح التقوى التى يعبر عنها سفر المزامير , و كان هناك مفكرون لهم اتصال بالحضارة اليونانيه , و حلوا ألغاز العالم غير متقيدين بالنزعه القوميه الضيقه , و كان هناك المؤلفون لما يعرف باسم " كتب الحكمه " , وبينما تعتبر النظاميه الفريسيه خطوة سلبيه فى الطريق الى المسيحيه , كانت " كتب الحكمه " هذه و " المزامير " خطوة ايجابية تمهد للمسيحيه .





    تتميز " كتب الحكمه " و المزامير بالنزعه الفرديه , بينما كان الدين فى السابق أمرا يخص كل أمة اسرائيل , و الحديث عن تقوى الانسان و مخافته لله نجده فى هذه المزامير و فى سفر الأمثال و فى سفر سيراخ . لقد كان أنموذجا أخلاقيا لا يعتمد على الناموس الطقسى ( الذى يحترمه الإنسان التقى كأساس لدين أمته ) , و بالتالى نظر لأبناء العالم على أنهم على قدم المساواه مع الوثنيين حتى لو كانوا يهودا بالمولد , و حتى لو حافظوا على الناموس بحسب الظاهر .








    كلما زاد الاعتقاد بعالم أخلاقة لإله واحد , كلما قل الاعتقاد بخصوصية هذا الأمر بأمة اليهود , و بالتالى نرى أن النبى العظيم الذى كان فى فترة السبى الذى يسمى بإشعياء البابلى يصف شعب اسرائيل بأنهم العبد المختار لله , بمعنى أن مهمتهم أن يكونوا معلمين للوثنيين , و ضوءا للأمم , و وسيطا بين الله و الإنسان . و يقول النبى الأخير " ملاخى " أن اسم الله عظيم فى كل مكان بين أمم الشرق و الغرب , و أن الذبائح النقيه تقدم له فى كل مكان , أى أن هناك من يعترفون و يخدمون الله الحقيقى وحده فى كل أنحاء العالم .





    و وفق هذا المعنى , يجعل كاتب سفر أيوب من " غير اليهودى " ممثلا لإيمان أنقى فى الله بالمقارنه بالناموس اليهودى عن العقوبه . و كما فى سفر أيوب , و فى كل أسفار الحكمه التى تنتمى لهذه الفتره , نجد أن اسم الله " جاهفى Jahve " يفسح الطريق لأسماء أخرى مثل " ألوهيم " و " إيل " و " أدوناى " و " إلجون Eljon " , و هى الأسماء التى كانت مستخدمه بين الأمميين . و لم يعد هناك حديث عن اله اسرائيل , بل اله السماء , مما يظهر أن النزعه العالميه لم تكن موجودة فقط عن يهود الشتات , بل أيضا عند اليهود فى فلسطين .





    سبب هذا مشاكل جديده , فقد كان بدهيا فى دين الأنبياء أن الصلاح الإلهى بأن يعاقب أو يكافىء الانسان وفق عمله , و لكنهم اعتقدوا أن هذا يعبر عن شعب اسرائيل ككل , و لكن عندما بدأ الشخص التقى يقارن سعادته أو تعاسته مع حالة الأشخاص الآخرين نشأت مشكله , فهل من الممكن أن يعانى البار و يسعد الشرير ؟ .... كانت الإجابة صعبه فهى لا توجد فى يهودية تلك الأيام و لا فى كلام الأنبياء , و قد كانوا يعتقدون أن السعادة تكون فى أمور أرضيه مثل طول العمر و الأولاد , بينما اعتقدوا أن الفقر و الموت يعبر عن عدم رضا الله عن الخطاه . إنهم لم يكونوا يأملون فى عالم قادم , و بالنسبة للأنبياء و لكتبة المزامير و الأمثال , كان هناك مستقبل دائم ينتظر شعب الله , و ليس الشخص التقى , و بالنسبه لأرض الظلمه " الهاويه أو شيول Hades or Sheol " فلن يكون عودة من هناك , و بالتالى و مع مثل هذه الإفتراضات , كان من الصعب أن التنسيق بين عقوبة الله العادله و بين معاناة الانسان البار .





    الشىء الجدير بالانتباه هو جرأة بعض المفكرين الدينيين , وبالأخص مؤلف سفر أيوب الذى حاول حل مثل هذه الألغاز , فقد جعل أصدقاء الرجل المريض ممثلين للنظريه اليهوديه عن العقاب , باعتبار أن أى ألم ناتج من خطيئه , و بالتالى لا بد أن معاناة أيوب قد تسبب فيها ذنب عظيم خفى , و لكن أيوب يعلن أنه لم يرتكب ذنبا , و أن الله سيحفظ له كرامته حتى بعد مماته , و فى الواقع فقد جعل الكاتب الله يدافع عن أيوب و يدين كلام هؤلاء الأصدقاء و طريقتهم فى الحكم , و بالتالى يفند التقليد اليهودى عن المعاقبه الذى يقيس أخلاق الإنسان بظروفه الخارجيه . و بالتالى يضع الكاتب اليهودى لهذا السفر نفسه فى خندق أفلاطون , فقد اهتم بالصلاح الأخلاقى المطلق فى تصويره للإنسان البار الذى يعانى , الذى يشعر بسعادة داخليه على الرغم من الاضطهاد , و يؤمن أن الله لا يمكن أن يتخلى عن الإنسان البار , و كذلك يقف على نفس هذه العتبه المؤلف للمزمور الثالث و السبعين , الذى يجد ملجأه فى الله هربا من ظلمة العالم .





    فى أى مكان يظهر , فى فلسطين أو فى اليونان أو فى أى مكان , لا بد أن نصف هذا بأنه " مسيحية ما قبل المسيح " , و لكن على الرغم من ذلك , فقد كان ظهور هذه النزعه فى شكل شذرات متفرقه , و ظلت وجهة النظر الأغلب التى آمن بها اليهود هى وجهة نظر أصدقاء أيوب , و لكن التعارض ما بين هذا الإيمان و ما يراه الناس فى حياتهم الواقعيه أصاب الكثيرين مثل مؤلف سفر " حكمة سليمان " بالشك , لدرجة أن قالوا " الكل باطل " .





    كان نمط التفكير المتشكك منتشرا فى الطبقه العليا من اليهود فى القرن الثانى قبل الميلاد , و ساعد على هذا معرفتهم بالثقافه اليونانيه , مما جعلهم يقللون فى نظرتهم لإيمان و عادات الآباء , بحيث جعلت الأرستقراطيه الكهنوتيه ذات التفكير العالمانى فى أورشليم " الصدوقيون " تعرض مساعدتها للملك أنطيوخوس فى تحويل اليهوديه الى هيلينيه , و لكن المكابيين و الأسيديين Asideans ( أسلاف الفريسيين ) أفشلوا هذا , و أدت روح المقاومة هذه الى تقوية روح النظاميه اليهوديه , و التأكيد على أهمية كل الناموس و كل حرف فيه , و الأخذ بالتفسيرات و التقاليد التى قال بها الكتبه عن الحرف , و انخفضت أهمية الأخلاق بينما صارت أعمال القداسه هى أهم شىء .





    و بالتالى لم تعد وجهة النظر الفريسيه عن الأخلاق هى نفس وجهة نظر كتاب المزامير و الأمثال , فقد صار المعيار الحاكم هو قوانين الكتبه , و أخذ مفهوم الثواب شكلا آخر , و صار الارتكاز على الأعمال أكثر من الروح , و اعتبر أن الأعمال الصالحه الفائقه ( خصوصا الإستشهاد ) تملأ الرجال الصالحين بكنز من الاستحقاقات , و الذى يمكن أن تنقل الزيادة منها الى الخاطىء المحتاج , مما يعوض دينه و افتقاده للأعمال الصالحه , و بالتالى نجد فى هذا اللاهوت اليهودى عقيدة وفرة النعمه و التكفير عن طريق القديسين .







    لقد اهتم الفريسيون بالتقييدات اليهوديه , الا أنهم لم يستطيعوا أن يمنعوا أى حركة أخرى , و ظهرت تأملات بخصوص عالم الأرواح , من الملائكه و الشياطين و القيامه و الدينونه الأخيره و مكان العقاب فى العالم الآتى , و بالنسبه لصفات الله مثل الكلمه و الحكمه و الروح و المجد التى كانت تشخص personification فى بعض الأحيان قبل ذلك فى اللغه الشعريه , فقد صارت الآن كائنات شخصية مستقله , مثل رؤساء الملائكه الذين يتوسطون بين الله و العالم , و نمت الفكره القديمه عن الرسل الإلهيين ( الملائكه ) , و صار للملائكه عدة طبقات .





    و كما فى الدين الفارسى , عارض جيش الملائكه جيش من الشياطين تحت قيادة الشيطان , كذلك نفس الأمر نجده فى اليهوديه , و نجد فى سفر أيوب أن الشيطان كان من ضمن الموجودين أمام الله فى السماء , و هو الذى أغوى الآبوين الأوليين , و بسببه دخلت الخطيه و الموت الى العالم , و اعتبر أن المرض من عمل الشياطين , و اعتبر أن الأمم الوثنيه أدوات للشيطان الذى يستخدمهم لمحاربة اليهود . لقد أنعش الدين الفارسى و الدين اليهودى الأمل فى انتهاء سلطة الشيطان , فبحسب الدين الفارسى هناك حرب بين الإله الصالح و الإله الشرير تجرى على أربعة مراحل كل منها ثلاثة آلاف عام , و فى نهايتها سيدان العالم و تدمر الأرواح الشريره , و يظهر المخلص الذى سيقيم البشر , و يخلق عالما جديدا ليس فيه شر .





    لقد وجدت هذه الأفكار طريقا لها الى اليهوديه , و صارت هى المسيطره على صور المستقبل التى تعرف باسم " الرؤى " , و كان اول عمل يظهر من هذا النوع هو " سفر دانيال " الذى يحتوى على فلسفة للتاريخ من وجهة النظر اليهوديه الثيوقراطيه , فى شكل رؤيا توضع فى فم قديس أسطورى عاش فى زمن نبوخذ نصر , و أعاد كاتب سفر دانيال صياغة نبوءة ارميا عن محاكمة السبعين عاما الى سبعين عاما-أسابيع , و حدد نقطة الخلاص فى زمنه فى زمن حرب المكابيين .





    لقد لاحظ فى سقوط الملكيه المقدونيه النهايه القريبه لآخر الإمبراطوريات الأمميه الأربعه , و التى سيحكم بعدها القديسون ( اليهود ) , و يصل تاريخ العالم الى نهاية المطاف , و بالتالى هذا التنبؤ النبوى عن فترة مسيانية مجيدة لليهود التى كانت قد فقدت أثناء الحكم الهيلينى , قد عادت مرة أخرى الى واجهة المشهد . إن هذه الأمور لن تحدث بسبب ظروف سياسيه , بل ستحدث عبر معجزة مفاجئه تنهى على من يعارضون الله , و تجلب مملكة القديسين المرموز لها بإنسان يظهر أمام الله على سحاب السماء .





    لقد ساد هذا الفكر المتشائم المرتكز على الثنائيه الفارسيه فى الفكر اليهودى أثناء القرن الأول قبل الميلاد السابق للمسيح , و ربما أن فكرة القيامه فى الدين الفارسى هى التى أدت الى شيوعها بين اليهود و التى نراها لأول مره فى سفر دانيال , و فى أسفار الرؤى المتأخره مثل " أخنوخ " أضيفت تفاصيل عن أماكن العقاب فى العالم القادم " جهنم " أو " الجحيم " لأرواح الأشرار , بينما الجنه للأتقياء ..... هذه الفكره عن خلود الأرواح التى لا أجساد لها كانت غريبة كل الغرابه على الدين الإسرائيلى القديم , و أيضا نفس الحال بخصوص الإيمان بالقيامه الذى ساد لفترة طويلة فى الدين الفارسى , و مثل نقطة الإلتقاء للفلسفه الأفلاطونيه و الفلسفه السكندريه و الفلسفه الفيثاغوريه الحديثه , و لعدد أخرى من الفرق الغامضه .





    لقد كان الأمل فى النعيم القادم تعزية للمظلومين , و لا عجب أن أن تشتت اليهود ساعد على اعتناقهم لهذا الإيمان , دون أن يتخلوا عن الأمل النبوى القديم عن خلاص أرضى لكل أمة اليهود .






    هذان الفكران , الإيمان الروحانى فى الخلود , و أمل الأمه فى المسيح على الأرض , وجدا جنبا الى جنب دون علاقة بينهما , و جرت محاولة توفيق بينهما بحيث أن الفتره المسيانيه الأرضيه ( ما يسمى بالملكوت الألفى ) لا بد أن تسبق فترة الخلود التى ستلى ذلك .





    هذه الصوره الثنائيه عن المستقبل , لها علاقة باختلاف وجهات النظر بخصوص شخص المسيح , فبحسب رؤيا أخنوخ يعتبر المسيح شخص فوق-عالمى و نصف إلهى " ابن الله الغامض " , الذى كان مخفيا مع الله قبل الخلق , و الذى سينزل من السماء فى وقت محدد ليدين العالم و ينقذ الأمه اليهوديه . فى " مزامير سليمان " التى نشأت فى الدوائر الفريسيه فى منتصف القرن الأخير قبل المسيح , يصور المسيح وفق الصوره النبويه القديمه , أى رجل أرضى من نسل داود يقهر أعداءه بمعونة إلهيه , و سيحكم الشعب اليهودى بقوة و بر .





    من الصعب أن نحدد بكل ثقه مكانة هذه الأفكار الرؤويه المختلفه فى زمن يسوع , و لا بد ألا ننسى أن اليهوديه لم تمتلك قانون مذهبى دوغماتى , كما كان عند الكنيسه المسيحيه فى وقت لاحق , بمعنى قانون يخضع له الجميع و يلزم أن يؤمن به . لقد نظم الناموس الأمور التى يجب فعلها و التى يجب الامتناع عنها , بينما كان الإيمان بإله واحد و بالوحى أمرا مفترضا بالطبيعه , أما بخصوص الأمور الباقيه , فقد منحت حريه فى الإيمان بخصوصها .





    و لو لم يكن الأمر كذلك , فكيف أمكن للصدوقيين التى تمثل الأرستقراطيه الكهنوتيه التى تحتل رأس الهرم الدينى فى المجتمع أن ترفض كل الأفكار الرؤويه عن الملائكه و القيامه و العالم القادم , و أن يقصروا أنفسهم على الناموس المكتوب ؟ ..... أما الفريسيون الذين يدعمهم كافة المؤمنين من غير رجال الدين , كانوا هم حملة الأمل المسيانى للأمه اليهوديه و حملة الأفكار الرؤويه الجديده , و هذا الأمل المسيانى دفعهم الى العمل السياسى , و جعلهم المنافسين الديموقراطيين للصدوقيين الأرستقراطيين .





    كان الأسينيون متميزين عن الحزبين السابقين , فقد شكلوا أخوية دينيه نقيه , فلم يهتموا بالسياسه و عاشوا فى زهد و رهبانيه , و حافظوا على السبت و طقوس التطهير ( أكثر من الفريسيين ) , و قد رفضوا الذبائح الدمويه لأنهم اعتبروا تطهيراتهم اليوميه فى الماء البارد و اشتراكهم فى الطعام صورة أنقى لعبادة الله . لقد رفضوا العبوديه و اعتبروها عمل غير صالح , و احتقر معظمهم الزواج .







    كان يسمح للعرافين و لمن يمتلكون قدرات الشفاء منهم أن يذهبوا للناس , و كان ينظر باحترام الى قدراتهم الطبيه و النبويه .




    كان الأسينيون أيضا يعتبرون القسم أمرا سيئا مثل الحنث .





    و بقدر اهتمامهم بالأخلاق , إلا أنهم قد شاركوا فى الحروب أيضا , نظرا لإيمانهم بخلود الروح التى نزلت من الأعلى , و لإيمانهم بالمجازاه القادمه للأبرار و الأشرار .





    هذا التشابه ما بين هذه العقيده , و بين الفيثاغورثيه الحديثه و التعليم الأورفيوسى عن الروح و عن العالم القادم , يظهر العلاقه بين الأسينيين و هذه الفرق الهيلينيه . هل صاحب هذا التأثير الهيلينى ( الملاحظ فى الأخويه اليهوديه - السكندريه ل " ثرابيوتيس " ) تأثيرات شرقية أخرى , فارسيه أو سوريه أو حتى بوذيه ؟ , من الممكن أن نتجاوز هذا السؤال سريعا بما أن الفيثاغورثيه الحديثه نفسها ربما قد اعتمدت على الغنوصيه الشرقيه .





    هذا التقارب الشديد بين الأسينيه و المسيحيه قيل كثيرا فى الماضى , و نظر الى يسوع نفسه على أنه شخص أسينى , و بكل تأكيد فإن وجهة النظر هذه خاطئه , و من المعترف به عامة هذه الأيام أنها كانت خاطئه , فهذا النظام الكاره للبشر فى النظام الرهبانى , و الخضوع للنظام كما لو أنهم تلاميذ أمام عصا المعلم , كل هذا يختلف جدا عن صورة يسوع التى نجدها فى الأناجيل .





    و لكن و من ناحية أخرى , سنكون منحازين اذا قلنا أن الأسينيه لم تمهد الطريق للمسيحيه , فبجوار الطهاره اهتموا بحرية القلب , و رغم انعزالهم عن السياسه الا أنهم كان يهتمون بآلام أمتهم , و كان الإحسان و الطهاره ركائز أساسيه عندهم قبل فترة طويلة من ظهور المسيحيه , و لا أعرف أى شىء فى العالم القديم , سواء كان يهودى أو وثنى يقترب من المسيحيه بقدر ما تقترب الأسينيه .








    الرجل الذى كان ينتمى الى الأسينيه و لكنه غير خاضع لنظامها هو يوحنا المعمدان , الذى كرز بالتوبه فى برية اليهوديه التى كان يتواجد بها معظم التجمعات الأسينيه . لم يكن هو السابق بمعنى أنه رأى أن يسوع هو المسيح و أنه من سيخلفه , فإن هذا هو التفسير الذى أعطاه المسيحيون بعد ذلك للعلاقة بينهما , و لكنه كان السابق له بمعنى أنه أول من أعلن للجموع اقتراب ملكوت السماوات كدعوة للتوبه , و بالتالى أعد التربه لعمل يسوع .





    اقتنع يوحنا المعمدان مثل الأنبياء القدامى أن " يوم الرب " سيجلب الخلاص للذين أعدوا أنفسهم فقط , أم الآخرون فسيكون مصيرهم مرعبا حتى لو كانت لهم صلة بإبراهيم , و كانت المعموديه هى علامة التوبه , و وسط مستيكى للتطهير من الخطيه , و نعلم أن الأسينيين كانوا يعتبرون أن الغسل وسيلة للتطهير .





    كان الأمل المسيانى هو المحرك لدعوة يوحنا المعمدان , و السبب الحقيقى الذى أدى الى حبسه و اعدامه كما نقرأ هذا عند يوسيفوس .

  5. #5
    الصورة الرمزية fares_273
    fares_273 غير متواجد حالياً طالب علم
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    363
    آخر نشاط
    19-09-2011
    على الساعة
    02:23 PM

    افتراضي

    الفصل الرابع : يسوع :






    يسوع هو بن مريم و يوسف اللذين كان لهما أربعة أولاد آخرين , و العديد من البنات .




    فى الواقع , ليست لدينا معلومات عن طفولة و شباب يسوع , لأن القصص الوارده فى متى و لوقا عباره أساطير دينيه ليس لها قيمة تاريخيه .




    و كذلك الأساطير تستمر فى قصة تكريس يسوع كمسيح فى قصة المعموديه عن طريق صوت من السماء , فهى أيضا قصه أسطوريه و ليست لها قيمه تاريخيه . هل بقية القصه لها أصل تاريخى بعد أن استبعدنا الجزء المعجزى فيها ؟ لا يوجد معلومه أكيده بخصوص هذا , و لكن هذا محتمل , لأنه من الصعب أن يخترع المسيحيون قصة يفهم منها أن يسوع أقل من يوحنا المعمدان , و كذلك فإن محاولة الإنجيلين أن يضعفوا من قوة هذا التقليد يؤكد على أصالته .





    لقد نادى يسوع بنفس دعوة يوحنا , مما يدل على أنها تركت أثرا عليه , و لكن بروح جديده , فيوحنا كان رجلا زاهدا يدعو للتوبه و يخوف الناس من الخطيه و هو أمر لا يلهب الحماس , و لهذا نفهم لماذا لم تحك قصص معجزيه أسطوريه و لا معجزات شفاء عن يوحنا , و هى القصص التى توضح الإعجاب المتحمس بشخصية معينه .... بعكس يسوع الذى دعا الناس الى النعمه بدلا من تخويفهم .





    بخلاف يوحنا المعمدان الذى كان يتوعد الناس بالغضب القادم , كان يسوع بعثا جديده للروح الحنونه التى نجدها عند هوشع و ارميا و اشعياء الثانى .





    ما الذى قصده يسوع بقوله " ملكوت السماوات " ؟ , إن الرأى الشائع أن يسوع فهم هذا المصطلح بشكل يختلف عما يفهمه الناس الذين حوله , سواء كان المقصود مملكه فى السماء بالأعلى , أو نعمة مستقبلية للأرواح , أو حتى تأسيس روحى للبشر من حيث تقواهم و صلاحهم , و لكن اذا كان يسوع قد قصد أى معنى من هذه المعانى الجديده و استخدم فى التعبير عنها هذا المصطلح القديم " ملكوت السماوات " , ألم يكن واجبا عليه أن يوضح قصده الذى أراده بهذا المصطلح منذ البدايه حتى لا يفهم بطريقة مغلوطه ؟ , و لكننا لا نجد أنه فعل هذا , و أيضا يوحنا المعمدان قبله لم يفعل هذا , فقد كان متأكدا أن كل الناس يفهمون قصده الذى أراده من هذا المصطلح . اذن هل قصد يسوع بهذا المصطلح المعنى الذى كان شائعا عند اليهود فى عصره ؟ , أى أن تعمل قوة الله العجيبه , و هو الأمر الذى تمناه كل الأبرار منذ عصر دانيال , بحيث تنتهى الأوضاع المأساويه الحاضره , و تصير الى حالة أفضل على الأرض خصوصا فيما يتعلق بالأمة اليهوديه .





    فى الواقع , هذا ما تؤكده لنا تعبيرات يسوع بخصوص هذا الموضوع , فالتطويبات فى صورتها الأصليه الموجوده فى لوقا ( 6-20 و ما يليه ) , توضح لنا أنه سيكون هناك ترتيب جديد للأوضاع الاجتماعيه فى صالح الفقراء و ليس فى صالح الأغنياء , و هذا يفترض أن الفقراء هم الأتقياء بينما الأغنياء هم الأشرار , و بالتالى يستخدم الكلمات بنفس الطريقه التى استخدمها سفر المزامير .





    هذا المعنى الأصلى للتطويبات فى لوقا , قد جعله متى غير واضح ( متى 5 -3 و ما يليه ) , بسبب التطورات التاريخيه اللاحقه , فقد غير " الفقراء " بمعناها الحرفى الى " الفقراء بالروح " , و " الجوعى " بمعناها الجسدى الحرفى قد جعلها " الجوعى للبر " , و بالتالى طمس المقارنه الأصليه بين الحاضر و المستقبل ليحل محلها مقارنة بين الوضع الخارجى و القيمه الداخليه , و لكن حتى فى مثل هذه الحاله فإن الحديث عن أن الودعاء سيرثون الأرض يكشف المعنى الأصلى لترتيب الأوضاع على الأرض .




    هل من الممكن أن نغفل عن كلمة يسوع المعزيه ( لا تخف أيها القطيع الصغير , لأن أباكم قد سر أن يعطيكم الملكوت ) ( لوقا 12 - 32 ) , و تتكرر النبوءه بشكل مطول فى العشاء الأخير ( و أنا أجعل لكم كما جعلى لى أبى ملكوتا , لتأكلوا و تشربوا على مائدتى فى ملكوتى , و تجلسوا على كراسى تدينون اسباط اسرائيل الإثنى عشر ) ( لوقا 22 - 29 و 30 , متى 19 - 28 ) . هناك أيضا قول يسوع ( لأنى أقول لكم : إنى لا أشرب من نتاج الكرمه حتى يأتى ملكوت الله ) ( لوقا 22 - 18 ) , ( الحق أقول لكم : إنى لا أشرب بعد من نتاج الكرمه الى ذلك اليوم حينما أرشبه جديدا فى ملكوت الله ) ( مرقص 14 - 25 ) .




    لا يمكن فى ظل هذه الأقوال أن تفكر فى شىء آخر سوى أن المقصود هو وضع جديد لبنى اسرائيل , يجلبه الله اكراما ليسوع و أتباعه , و لكن هذه الحقبه الجديده لا ينبغى أن تفهم على أنها شىء يختلف عن الحاضر , و ينبغى ألا يفهم أنه لن يكون فيها طعام أو شراب , فقراءة الأمر على هذا النحو يعد انتهاكا لمنهجية البحث التاريخى .





    دعنا نضيف الى هذا أيضا ما يقال فى الصلاه الربانيه " ليأت ملكوتك " , و لنفسرها كما فهمها التلاميذ و ليس كما يفهمها الناس الآن , دعونا نقرأ من سفر الأعمال ( 1- 6 ) الذى يعد دليلا قطعيا يقودنا الى الإجابه , فالتلاميذ يسألون معلمهم الذى على وشك الرحيل ( هل فى هذا الوقت ترد الملك الى اسرائيل ؟ ) ..... لقد كانت المملكه المسيانيه هى محور آمال و تساؤلات المجتمع المسيحى الأقدم , و الآن هل من الممكن أن نتصور أن هذا كان ليحدث لو لم يكن يسوع قد علمهم هذا ؟ هل كان هذا ليحدث لو كان يسوع علمهم شيئا آخر ؟.....إن الدليل الذى تقدمه لنا مثل هذه التعبيرات دون لبس , لا يمكن أن يعارض بفقرات أخرى تحتمل تفسيرات متعدده .





    فى أمثال الزارع و البذور , جرت محاوله لإثبات أن الملكوت يوجد فى السلوك الأخلاقى , و لكن المعنى الصحيح أنه ينبغى الاستعداد للملكوت القادم عبر الكرازه بالكلمه , على الرغم أن الملكوت لا يمكن أن يعجل بقدومه عمل انسانى , بل ينبغى التحلى بالصبر الى أن يظهر وفق مشيئة الله . و أمثال الكنز الذى فى الحقل و اللؤلؤه الغاليه , تعنى أن ملكوت الله غال جدا بحيث ينبغى على الانسان أن يترك أى شىء فى سبيله , و لكنها لا تقول أن هذه النعمه الأغلى هى مجرد نعمه روحيه تمتلك .





    إن الفقره الوحيده التى يبدو أنها تشير الى وجود روحى للملكوت هى ( لوقا 17 - 20 و ما يليه ) * ( لا يأتى ملكوت الله بمراقبه , و لا يقولون هو ذا ههنا , أو هوذا هناك , لأن ها ملكوت الله داخلكم ) , و لكن هذا التفسير غير صحيح اذا قرأنا السياق بالكامل , فهل يمكن أن يقول يسوع للفريسيين أن ملكوت الله بداخلهم ؟ , و أنه سيأتى دون حدوث أى اضطراب ؟ بينما نجد الأعداد التاليه فى السياق تتحدث عن قدومه كحدث عالمى مدوى , و يقارنه بالضوء الذى يملأ السماوات , أو بفيضان نوح , أو بالنار و الكبريت اللذين أهلكا سدوم و عموره ؟ ..... بما أن وجهة النظر هذه تظهر فى الفقرات الأخرى فى الإنجيل , و تنتمى للتنبؤات الرؤويه فى يهودية ذلك الزمان , فإننا مقتنعون تماما أن هذا هو نفس الرأى الذى اعتنقه يسوع .




    لقد اعتقد يسوع أن الملكوت القادم سيكون حدثا كونيا هائلا , بل و وشيكا , سيقع قبل أن يموت جيله , و قبل أن يكملوا الكرازه فى مدن اسرائيل .







    ان تعاليم يسوع تعكس منعطفا فكريا , حيث أكد على الأخلاقيه الفرديه فيما يتعلق بالمملكه و الدينونه المسيانيه , فعلى الرغم من اقترابه من الفكر اليهودى السائد عن المستقبل , إلا أنه كان يختلف معه فى نقطة مهمه , فإنك لا تجد فى كلام يسوع حديثا عن انتصار الأمه اليهوديه على الأمم الأخرى , و لا حديثا عن انتقامهم من أعدائهم , و هو الأمر الأكثر أهميه فى الفتره المسيانيه عند الآخرين و بالأخص عند الفريسيين .





    عندما يتحدث يسوع عن الدينونه القادمه , فهو لا يتكلم أبدا عن الأمم , بل عن الشخص بمفرده و ما عمله .





    فى إطار هذا الفكر عن الدينونه , فإن فكرة المكافأه تربط بشكل معقد , فهى تستخدم فى العاده كدافع للتضحية و الإحسان و تعزية المضطهدين . إن الأقوال التى تتحدث عن مجازاة من يصلى و يصوم ( متى 6 - 4 و 6 - 18 ) قريبة جدا من الفكره اليهوديه عن فضيلة هذه " الأعمال الصالحه " و بحيث تغرى المرء أن يشك فى أصالتها . و الأمر الذى يلفت النظر جدا , أنه بينما بقيت فكرة المكافأه , إلا أنه رفع قدرها عن الحكم على الأعمال بحسب النظام الى الحكم بحسب الأخلاق .




    بحسب مثل العمال فى البستان , الذين نالوا نفس المكافأه بغض النظر عن قدر عمل كل منهم , لم تعد الأجور مكافأة قانونيه , بل هبه و نعمه ينالها كل من يستجيب للنداء الإلهى .






    إن فكرة أن المسيح أول من سمى الله أبا فكرة خاطئه , ف "هومر" يسمى زيوس أبا لكل الآلهه و البشر , و أفلاطون يمسى الله أبو العالم , و كذلك تحدث سينيكا عن السلوك الأبوى لله , و كذلك فى الدين الاسرائيلى كان الله أبو اسرائيل منذ القديم , و تنسب كتب الحكمه التاليه لفترة السبى علاقة الأب بالإبن ليس فقط الى الأمه الإسرائيليه كلها بل و أيضا لكل شخص مؤمن بحد ذاته , ف "سيراخ " يسميه ( أب و رب حياتى ) , و فى حكمة سليمان و مزامير سليمان يسمى المتقون " أبناء الله " , و يتحدث فيلو عن " الأب السماوى " . كذلك تخبرنا كتابات الأحبار أنه فى زمن يسوع كان تعبير " الأب السماوى " أو " الأب الذى فى السماوات " قد صار بديلا مشهورا لاسم الله القديم الذى لم يعد يستخدم .






    صحيح أن اليهود كانوا يعتبرون الله أبا إلا أن الكثير منهم كان يخاف منه بوصفه القاضى و الحاكم , بينما أراد يسوع أن يؤكد على محبة الله .






    و قد وسع " هاليل " المعلم الفريسى هذا المفهوم , فجعل الحب يشمل كل البشر .





    إن محبة الأعداء علم بها أيضا أفلاطون و بوذا و سينيكا و إبيكتيتوس ....هو أمر صعب و لكنه ليس مستحيلا , و لكن عندما يقول يسوع " لا تقاوموا الشر , بل من ضربك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا , و من أراد أن يخاصمك و يأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا " فلا بد أن نعترف أن هذا لا يمكن تطبيقه فى أى مجتمع , لأنه يلغى كل القوانين , و يمنح من يستخدم القوة العنيفه نصرا سهلا ..... و لكن ما يفسر لنا هذا الكلام هو مزاج ذلك الزمان , الذى يعتقد أن العالم على وشك الإنهيار , و يعتقد بقدوم دينونه محرقه , مما يدفع الإنسان للتخلى عن حقوقه ليضمن مجدا فى العالم القادم .... و أيضا هذا ما يفسر أوامر يسوع لتلاميذه أن يتخلوا عن كل الروابط التى تربطهم بهذا العالم , مثل الممتلكات , بل و حتى الروابط العائليه , و أنت تعرفون قصة الشاب الغنى جيدا التى يفسرها الناس الآن بطريقة روحيه على أنها تعنى التخلى عن الأنانيه و أنها لا تعنى التخلى عن المال فعليا .







    و نفس وجهة النظر السابقه هى التى تفسر كلام يسوع القاسى " دع الموتى يدفنون موتاهم " و " اذا جاء أحد الى و لم يبغض أباه و أمه , و زوجته و أولاده , و أخوته و أخواته , و حياته , لا يستطيع أن يكون لى تلميذا " .... أليست هذه الكلمات غريبه فى فم معلم دعى الى المحبه , و الى قدسية الزواج بحيث لم يجعل فيه إمكانية الإنفصال , و الذى أعلى من قيمة العلاقه الأبويه على الطقوس الشعائريه , و الذى دعى الى محبة الأطفال ؟ ..... لا بد أن نفهم أن صدره كانت به روحان , أحدهما روح المحبه , و الأخرى روح النبوه المتحمسه لملكوت الله التى ترى العالم على وشك التدمير , و أن كل صله بهذا العالم ستنتهى سواء كانت ممتلكات أو عائلات .





    و هذا ما يفسر لماذا لم يتحدث يسوع عن الواجبات الاجتماعيه المفروضه على الزوج و الزوجه , و الآباء و الأولاد , و الحياه فى الدوله , و قوله ( أعطوا ما لقيصر لقيصر و ما لله لله ) لا يعنى بها أن الواجبات السياسيه ترتكز على الدين بل يعنى بها الفصل بين الدين و الدوله بشكل كامل .





    هذه الأمور لا يمكن تفسيرها بأن يسوع أراد أن يترك ترتيب هذه الأمور يخضع لتطور المجتمع المسيحى , فهذا التفسير يتناسى أن يسوع لم يعتقد " بتطور قادم " , بل اعتقد بحادث كونى عظيم هائل يجعل كل شىء جديدا دفعة واحده .... و بما أن التاريخ قد أبطل هذا التنبؤ , فمن الواضح أن أوامر يسوع الزهديه الشديده التى أسست على هذا التنبؤ لا تصلح لنا وفق معناها الحرفى .







    ما الذى اعتقده يسوع بخصوص نفسه و كرازته و عن مكانته فى الملكوت ؟ هذا سؤال صعب , فالأناجيل تتحدث عن يسوع على أنه المسيح و أنه ابن الله و هى المعتقدات التى نشأت متأخرا فى ايمان المجتمع المسيحى , و نقلت للوراء لتصبغ حياة يسوع الأرضيه الذى وضع على فمه أقوالا تناسب هذه المعتقدات , و بالطبع أدى هذا الى وجود تناقضات عديده بين هذه الأقوال و بين المسار التاريخى للأحداث .






    بحسب الإنجيل الرابع , يسوع هو الظهور المتجسد ل " اللوجوس " أو ابن الله , الذى كان مع الله منذ البدء , و كان هو نفسه الها , و الذى رأى التلاميذ مجده من تحت العباءه الأرضيه للإنسان يسوع ( يوحنا 1 - 14 ) , أما بحسب انجيلى لوقا و متى , فيسوع هو ابن الله المولود بطريقة معجزيه , و الذى رحبت به الأرواح السماويه كمخلص للعالم عند ميلاده , و حتى مرقص - على الرغم أنه لا يعرف شيئا عن الميلاد المعجزى - عنده صوت سماوى وقت المعموديه يعلن أن يسوع هو ابن الله الذى سر به - أو المعادل لهذا لقب "المسيح " - و هو الأمر الذى اعترفت به الشياطين , و العديد من المعجزات و بالأخص حادثة التجلى تؤكد هذا .





    كل هذا ينتمى لعالم الأسطوره , و التى سوف نناقش كيف ظهرت فى المجتمع المسيحى لاحقا , و لكن من وجهة نظر تاريخية بحته , من المؤكد أن يسوع لم يكن واعيا بأن له أصل فوق بشرى أو طبيعه فوق بشريه , فقد ظهر كنبى كما كان يوحنا المعمدان قبلا منه , و عمل كمعلم و شاف للأمراض بين شعبه , كما فعل الكثير من سابقيه و معاصريه .





    لقد كانت قدراته فوق الأرواح و الأجسام المريضه على الرغم مما فيها من معجزه , إلا أنها لم نكن قوة الهية مطلقه , بل هى قوه تتوقف على ايمان المريض كما تقرأ فى ( مرقص 6 - 5 ) أنه لم يستطع أن يفعل معجزة واحدة فى الناصره بسبب عدم ايمانهم , و كذلك لم يكن علمه النبوى مطلقا , فهو لا يعلم ميعاد ساعة الخلاص الموعود التى لا يعلمها سوى الآب ( مرقص 13 - 32 ) , بل و بكل نبل انسانى رفض أن يدعى صالحا عندما ناداه أحدهم " أيها المعلم الصالح " ( مرقص 10 - 18 ) .





    لقد وضع نفسه فى نفس الرتبه مع باقى البشر , فقد كان يصلى لله كما لأب , و علم تلاميذه أن يصلوا " أبانا " , و لم يشعر أنه ابن الله وفق أى معنى سوى المعنى الأخلاقى , و الذى دعانا نحن أيضا بحسبه لنكون أبناء الله , و سمى صانعى السلام " أبناء الله " و كذلك كل من يصنع مشيئة الله هم أخوته و أخواته ( مرقص 3 - 35 ) .





    و حتى فى الفقرات التى يذكر فيها لقب " ابن الله " ليسوع وفق معنى فريد , كما نجد فى الصوت السماوى ساعة المعموديه و أثناء حادثة التجلى , و من الشيطان أثناء التجربه , و من الكاهن الأكبر أثناء المحاكمه , فهذه الكلمات فى الأناجيل الاقدم ليست سوى طريقة أخرى للتعبير عن لفظ " المسيح " , و لا تدل على معنى سامق أو ميتافيزيقى .





    اعتمادا على الأناجيل الأقدم , يمكننا أن نعلن أن وعى يسوع بإنسانيته المحضه أمر مقرر تاريخيا , و من الصعب أن نحدد ما اذا كان يسوع قد ادعى لنفسه الكرامه المسيانيه أم لا ؟ و اذا كان قد فعل فكيف ؟ , و لكن على أى حال , من المحتمل جدا أنه لم يدع ذلك فى البدايه , و هو الأمر الذى يستنتج من الأناجيل الثلاثه الأولى , بأنه عند ختام نشاطه فى الجليل , و فى رحلة الى قيصرية فيلبى فى الجوار , سأل يسوع تلاميذه " من يقول الناس إنى أنا ؟ " , فأجابوا يوحنا المعمدان - يقصدون أنه قام من الأموات - و آخرون ايليا , و آخرون واحد من الأنبياء , فقال لهم و أنتم من تقولون إنى أنا ؟ فأجاب بطرس و قال له أنت المسيح ( مرقص 8 - 29 ) و فى انجيل لوقا " أنت مسيح الله ", و فى انجيل متى " أنت المسيح ابن الله الحى " .





    القارىء الذى يقرأ الإنجيل بنظرة تاريخيه سيقف أمام مفترق طرق , فإما أن تكون التعبيرات العديده المسيانيه عن المسيح و الاعترافات التى تقال عنه فى مرحلة مبكرة فى الأناجيل صحيحة تاريخيا , مما يجعل المشهد الذى حدث فى قيصريه من الصعب حدوثه , و إما أن يكون مشهد قيصريه هو الصحيح تاريخيا و تكون تعبيرات هؤلاء الإنجيليين التى تصف يسوع ب " المسيح " منذ البدايه ليس لها أصل تاريخى , بل هى نقل للإيمان اللاحق للمجتمع المسيحى للوراء فى حياة يسوع أو فى فترة نشاطه العلنى .





    إن هذا الموقف فى قيصريه , يتناقض ببلادة شديده مع الافتراضات الأخرى التى تذكرها الأناجيل , مما يؤيد بقوه الصحه التاريخيه لكلام بطرس , و مما يؤيد هذا أيضا الوقت و الزمان المميز .





    من المؤكد أن كمالة القصه تظهر صعوبات جديده , حتى لو قصرنا انفسنا على انجيل مرقص و أهملنا تمجيد بطرس بأنه الصخره التى تبنى عليها الكنيسه ( و هو التعبير الذى ليس له أصل تاريخى بكل تأكيد و لم يذكره سوى متى ) .





    اعتمادا على اعلان بطرس , يحكى مرقص أن المسيح انتهر التلاميذ حتى لا يقولوا لأحد عن مسيانيته , و أنه بدأ يعلمهم ضرورة أن يعانى ابن الإنسان , و أن يرفض من قادة اليهود , و أن يقتل و يقوم من الموت بعد ثلاثة أيام ... هنا ابتدأ بطرس ينتهر المسيح بخصوص هذا المصير , و لكن المسيح قال له " اذهب عنى يا شيطان , لأنك لا تهتم بما لله , بل بما للناس " ... هنا يبرز السؤال فورا , لماذا انتهر المسيح تلاميذه و منعهم أن يتحدثوا عن مسيانيته ؟ , اذا كان يعتقد أنه المسيح , أو لنكون محددين أكثر , اذا كان يعتقد أنه اختير لهذا الشرف , ألم يرغب أن يسمع الناس ايمانه و ايمان تلاميذه ؟ , ألم يرغب أن يشارك أكبر عدد ممكن من الناس فى هذا الإيمان ؟






    فى الواقع فإن المسيح الذى يرغب أن يكون مسيحا فى السر فقط أمر بالغ الصعوبه على الفهم , و هذا يجعلنا نفهم لماذا أن بعض النقاد المعاصرين قد قالوا أن يسوع لم يرغب أن يعتبر هو المسيا , و أن المجتمع المسيحى نسب هذا الشرف زورا للمسيح القائم من الأموات و ليس للمسيح التاريخى , و حاول آخرون أن يحلوا الإشكال فقالوا أن يسوع منع نشر مسيانيته لحكمة تربويه و بعد نظر , لأنه خاف أن يفهم الناس أنه مسيح سياسى , بل أراد هو أن يصير مسيحا روحيا فقط , أو مسيحا سماويا عن طريق موته و قيامته , و لكن هناك صعوبات كثيره تواجه هذه النظريه .... من العدل أن نتساءل ألم يكن أسهل لتجنب سوء الفهم هذا أن يعلن يسوع بوضوح و بجلاء أنه يريد أن يكون المسيح و لكن ليس حسب المفهوم اليهودى التقليدى , و لكن وفق مفهوم جديد روحى أو سماوى ؟






    لا نجد فى أى مكان أنه أراد أن يعطى الفكره اليهوديه التقليديه عن المسيح تفسيرا جديدا , و هو نفس الوضع بخصوص الفكره التقليديه عن ملكوت الله . إلا أن الإحتياج كان لكليهما ليس فقط للناس بل أيضا للتلاميذ , لأن الأناجيل تظهر مدى اشتراك التلاميذ فى الفكره التقليديه الشهيره عن المسيح و الملكوت , على سبيل المثال , عندما طلب ابنى زبدى أماكن شريفه لهم عن يمين و شمال المسيح فى مجده ( مرقص 10 - 37 ) , و كذلك فى الموكب الإحتفالى الذى كان التلاميذ جزءا منه , و فى تكريمه بطريقة مسيانيه , فالتحيه التى تقدم ليسوع هى " ابن داود " أثناء دخوله الى أورشليم , و الفرح ب " الملكوت القادم , ملكوت أبينا داود " ( مرقص 11 - 9 ) .






    اذا افترضنا أن حكمه تربويه و بعد نظر ليسوع هو ما جعله يمنع كل الإعلانات المسيانيه , فلا بد أن نتوقع فى مثل هذا الموقف أن يسوع لم يكن ليدع الفرصة تمر دون أن يخبر تلاميذه و أصدقاءه أن هذه التوقعات خاطئه , و أن يشرح لهم المفهوم السليم للفكره المسيانيه , إلا أنه لم يفعل ذلك فى أى موضع , و لم يحرر عقلى ابنى زبدى من أماكن الشرف فى الملكوت , و لكنه شرح فقط أن الله - و ليس هو - هو من يحدد هذا , و قبل صامتا اعتراف بطرس بمسيانيته و شرف الموكب الملكى , و عند تطهير الهيكل ظهر كمصلح قوى ضد العادات الدينيه , و فى مثل الكرامين الذين ليس لهم ايمان أعلن لذوى السلطه دون مورابه اقتراب نهاية سيطرتهم .





    يبدو لى أن كل هذه الأمور مجتمعة لا تؤدى الى نتيجة أن يسوع رفض الفكره الشائعه عن المسيح كملك لشعب الله , و لا أنه أحل محلها فكرة المسيح الروحانى . إن فكرة المسيح الروحانى الذى يهتم فقط بسلوك الناس , مفتقدا لعناصر الشرف و القوه الخارجيه , كانت غريبة تماما ليس فقط على إيمان اليهود , بل و حتى على ايمان المجتمع المسيحى الأول , الذى آمن أنه بقيامة سيدهم يسوع , قد وضعه الله عن يمينه و بالتالى " جعله ربا و مسيحا " , أى أن الله منحه الكرامه الملكيه و القوه للحكم , و هو الأمر الذى يرتبط دون انفصال بفكرة المسيح .





    يا له من سوء فهم كامل كان عند التلاميذ حتى النهايه , اذا كان سيدهم يفكر بشكل آخر و اذا كان فكره يتركز بالكامل فى مسيح روحانى . هذه الفكره عن ملكوت الله الروحانى هى نتاج لانعكاسات لاهوتيه , بعيدة كل البعد عن المفاهيم البسيطه الواقعيه التى كانت فى اليهوديه و المسيحيه الأولى .






    و بالتالى اذا استبعدنا فرضية " المسيح الروحانى " من تفكيرنا التاريخى , يظل السؤال مطروحا بخصوص وجود تقدم ما بخصوص فرضية " المسيح السماوى " , أى الإفتراض بأن يسوع قد آمن كما آمن المجتمع المسيحى الأول بعد موته , بأنه على الرغم أن يسوع لم يكن المسيح أثناء وجوده على الأرض , إلا أنه قد اختير بعد موته و قيامته , و رفع الى مقام الملكيه الإلهيه لشعب الله , و سوف يظهر على هذا النحو عندما يعود من السماء , و يؤسس مملكته .







    يبدو أن هذه الفرضيه تجد لها دعما فى تلك الفقرات الإنجيليه التى يقال بحسبها أن يسوع قد تنبأ بكل دقه عن آلامه و موته و قيامته و رجوعه على سحاب السماء , و لكن الفحص الدقيق عما اذا كان يسوع قد نطق حقا بهذه الأقوال يسبب شكوكا قويه . إن تكرار النبوءه ثلاث مرات بحد ذاته و زيادة استخدام التفاصيل ( مرقص 8 - 31 , 9 - 31 , 10 - 33 و ما يليه ) يقودنا أن نخمن أن كاتب الإنجيل هو من حول معرفة و آمال المجتمع المسيحى الى علم مسبق بديع و نبوءات على لسان يسوع .





    هل تبنأ يسوع حقا بمثل هذه الأمور ؟ , سيكون هذا أمرا عسيرا على الفهم لأنه لا يوجد أحد فى الدائره الأضيق أو الأوسع من تلاميذه كان لديه هاجس عن موته الوشيك و قيامته التاليه , فقد أتت الكارثة غير متوقعه , و دمرت آمالهم تماما فى التو و اللحظه لدرجة أفقدتهم السيطرة و الشجاعه و جعلتهم يتفرقون الى منازلهم . الى جوار هذا , فإن كتبة الإنجيل أنفسهم يقولون أن هذه النبوءات عن آلام و قيامة يسوع , و التى لا يكتنفها غموض كما هو مفترض , لم يفهمها التلاميذ فى أى وقت , و هذا يدل بوضوح أن المصير الذى يزعم أن يسوع قد تنبأ عنه كان أمرا غير معروف فى دائرة التلاميذ قبل أن يحدث على أرض الواقع , و باختصار , لا يمكن أن يكون يسوع قد تحدث بمثل هذه النبوءات .






    سوف نرى فى مرحلة لاحقه كيف أن تصرفات يسوع فى أيامه الأخيره فى أورشليم , لا تعطيك انطباعا أنه رأى فى موته ضرورة ملحه , و مصيرا الهيا مقضيا به , و بالتالى فمن الواضح أن فرضية أن المسيح توقع " مسيانية سمائيه " أمر لا يمكن الدفاع عنه .





    اذا كانت " المسيانيه الروحيه " و المسيانيه السمائيه " لا يمكن قبول أى منهما , اذن لا بديل سوى أن يسوع لم يرغب أن يكون المسيح بصورة مطلقه , أو أنه تمنى أن يكون المسيح وفق المفهوم التقليدى الشائع .هناك فرضية ثالثه يمكن أن نفكر فيها , و هى فرضية وساطيه , و التى ربما صنعت لتفسر المسار التاريخى للأحداث .





    على أى حال , من المؤكد أن يسوع لم يظهر بإدعاء مسيانى عند بداياته , بل ظهر بكل بساطه كنبى يبشر بملكوت الله القادم , و يعد الطريق له بكلامه , و اعتبر أن هذا هو مهمته الإلهيه , و بسبب هذا أمكنه أن يتجاهل التساؤل بخصوص ما اذا كان الله هو الملك الوحيد المباشر فى هذا الترتيب الجديد للأشياء الذى سيصنعه بقوته ( كما كان متوقعا على سبيل المثال فى العمل الأبوكريفى Assumtio Mosis ) , أو عما اذا كان الله سيستخدم أداة بشرية و و يجعل بشرا هو الملك المسيانى , و أيضا التساؤل بخصوص من سيكون هذا الإنسان .





    إن فكرة أنه نفسه قد يكون هو الرجل المختار من قبل الله , قد تكون بعيدة منذ البدايه , و بالتالى رفض التحيات المسيانيه التى يفترض أن المرضى قالوها له فى فترة مبكرة من عمله ( اذا كان كلام الإنجيل محل ثقه بهذا الصدد ) .





    على الرغم من ذلك , فى الوقت الذى تأثر فيه الناس بقوة أقواله التعليميه و الشفائيه و التفوا حوله , أظهرت العداوه المتناميه للكتبه و الفريسيين أن انقاذ الجوعى و القطيع المبعثر لن يتم من خلال هذا المريع , و بالتالى ربما طاردته الفكره أكثر و أكثر بأنه نفسه قد دعى ليفتتح مملكة الله الخلاصيه عبر اصلاح دينى - اجتماعى . و عندما عرض عليه سؤال يوحنا المعمدان " هل أنت المسيح ؟ " أشار يسوع الى نجاحاته فى شفاء الأجساد و الأرواح المريضه و كرازته بالإنجيل للفقراء .





    إنه بكل تأكيد , لم يرغب أن يكون مسيحا بحسب المفهوم الذى تمناه الفريسيون , أى المسيح الذى سيساعد الأمه اليهوديه لتنتصر على الأمم الأخرى و لتتحرر من الحكم الرومانى , بل أراد أن يكون مسيحا للفقراء و التعساء و الثقيلى الأحمال , و لمن يعانون و يبعدون , و للقطيع الضعيف الذى ينوى الآب أن يعطيهم الملكوت ( لوقا 12 - 32 ) .





    لإتمام هذه المهمه , لن يكون كافيا ما تم فى الجليل , و لا بد من أن يصل الأمر الى قلب السلطه فى أورشليم , و يبدو أن اعتراف بطرس قد أنضج هذا القرار باتخاذ هذه الخطوه الأخيره , و التى سيتحدد على إثرها كل شىء , خطوة جريئه و غرض محدد .





    لم يذهب يسوع الى أورشليم حتى يتم اعدامه , و لم يذهب الى هناك ليحتفل بالعيد , بل ذهب لينتصر على الرؤوساء , و ليظهر المثال النبوى لمملكة الله فى الأمه المجدده , و بالطبع لم يغب عن ذهنه الصعوبات و الأخطار المحدقه , و بالتالى طلب من تلاميذه أن يستعدوا لأية تضحيه . ربما قال فى تلك الفتره " جئت لألقى نارا على الأرض , فماذا أريد لو اضطرمت ؟ , و لى صبغة اصطبغها , و كيف أنحصر حتى تكمل ؟ , أتظنون أنى جئت لأعطى سلاما على الأرض ؟ , كلا أقول لكم بل انقساما " ( لوقا 12 - 49 و ما يليه ) .... هذه لغة مخلصة من بطل يتحرك باتجاه معركة حاسمه و صعبه , مستعدا أن يضحى بكل شىء حتى حياته فى سبيل الله , و لكن لأنه لا يغفل عن احتمالية إبادته , فإنه لا يفكر فيها كأمر حتمى .






    لقد كان يسوع مقتنعا أنه يؤدى عملا لله , و قد آمن بالله الصانع للعجائب و الكلى القدره , الذى يمكن أن يساعده اذا احتاج باثنى عشر فيلقا من الملائكه , اذن كيف لا يكون واثقا من انتصار قضيته على الرغم مما يعترى العقل البشرى من قلق كما قال بطرس ؟..... فى الواقع , فإن قصة رحلة يسوع الى أورشليم و أعماله هناك لا تشير الى مزاجية رثائيه , بل على العكس تظهر الصفة البطوليه لهذا المسعى الجرىء , و الصراع الشجاع , و الأمل السعيد .





    زاد الحشد و الأصدقاء المتحمسون و هو فى الطريق الى أورشليم , عبر أريحا و من هناك الى أورشليم , صارت الرحلة كلها موكب انتصار توج بإثارة الحماسه فى الحجيج المؤمن الذين وجدوا متنفسا فى هذا الصراخ المسيانى المنفجر بالفرحه , و لم يقاوم يسوع أكثر من هذا , و عندما لفت خصومه نظره أن هذه الصرخات تلقى بظلال الريبه , يقال أنه أجابهم " إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ " ( لوقا 19 - 40 ) . لقد اعتبر أن حماسة هذه الجماهير عنصر قوه لا يمكن أن يردعها أى عنف بشرى .





    فى اليوم التالى , زار الهيكل , و عندما رأى الباحة الخارجيه يسودها انشغال التجار بالحيوانات التى تقدم كذبائح و بالعملات اليهوديه , طردهم بسلعهم . لقد كان هذا العمل ذا صلة بطقس الذبائح , و بالتالى بدا أن عمل يسوع الإصلاحى يمثل هجوما على طقس الذبائح نفسه , و هجوما على الرؤوساء بطريقة غير مباشره , و الذين كانوا يكتسبون دخلهم و يؤسسون مكانتهم و قوتهم الإجتماعيه على طقس الذبائح .





    و بالتالى , بدأت المعركه , و استمر فيها يسوع فى الأيام التاليه فى حديثه مع الناس , و بكلمات ناريه قرأ سجل خطاياهم على الكتبه و الفريسيين , النفاق و التجاره بالدين , الطمع و الجشع , تحويل الناس الذى يجعلهم أكثر شرا , الفتوى الكاذبه , التوقى من البعوضه و بلع الجمل , الإهتمام بالنظافه الخارجيه بينما فى الداخل نفاق و ظلم , عبادة قبور الأنبياء , و الكراهيه التى بأرواحهم .





    فى مثل الكرام غير المؤمن ( مرقص 12 - 12 و ما يليه ) فهم الرؤوساء أنه جعل الدينونة القادمة على رؤوسهم , فالله سيسترد كرمه و قيادة شعبه و يعطى هذا ل " آخرين " , و هو الأمر الذى يعنى بالطيبعه أن الله سيعطى هذا ليسوع و أصدقائه الذين عينهم الله للملكوت . منذ هذه اللحظه , أراد الرؤوساء أن يتخلصوا من هذا المصلح المزعج , و لكن بسبب خوفهم من الناس الملتصقين به لم يجرءوا على مهاجمته علنا ( مرقص 12 - 12 الى 37 ) , و وجدوا أنه أكثر أمنا أن يقبضوا عليه تحت جنح الظلام و يسلموه للحاكم الرومانى كمدع للمسيانيه و مثير للشعب , و قد علموا جيدا أن الحاكم سينهى الأمر سريعا .





    لقد علم يسوع العداوة المميته التى فى قلوب الرؤوساء , و جهز نفسه لأسوأ الاحتمالات , و لكنه لم يفكر أبدا فى محاكمة إجراميه أمام القاده الرومان . لقد كان على وعى ببراءته من هذه الناحيه لأنه أمر بفصل السياسه عن الدين و الاعتراف بالسلطه الإمبراطوريه ( مرقص 12 - 17 ) .






    هناك موضع فى انجيل لوقا يقود الى النتيجه المحتمله جدا بأنه اشتم الخطر قادما من جهة أخرى , نجده فى رومانسيات حياة يسوع , و التى كثيرا ما يغفل الناس عنها , و لكن لها قيمة كبيرة عند المؤرخ .... عندما كان يسوع يحتفل بوجبة الفصح مع تلاميذه فى الليله السابقه لموته , طلب منهم أن يقتنوا سيوفا على وجه السرعه بأى ثمن , حتى لو اضطر الواحد منهم أن يبيع ثيابه , و عندما قالوا له أنه يوجد معهم سيفان , قال أن هذا يكفى ( لوقا 22 - 36 الى 38 ) . لا يمكن أن نفسر هذه الكلمات بطريقة مجازيه دون تكلف شديد , و لكن اذا قبلناها حرفيا فإنها تعنى شيئا واحدا , أن يسوع اعتبر الحاجة الى السلاح فوريه من أجل الدفاع فى حالة هجوم أناس مستأجرين للقتل .






    هل هناك فكرة أقرب الى الذهن من أن يحاول الرؤوساء التخلص منه بهدوء باستئجار قتلة ليغتالوه , بما أن محاكمة المجرمين لا تقع ضمن سلطتهم القضائيه منذ الاحتلال الرومانى ؟ , لقد أراد يسوع الإستعداد لمثل هذه المحاوله , و كان السيفان يفيان بالغرض . لاحقا فى بستان جثسيمانى , وجد نفسه محاطا بحشد من خدام السلطه و ليس من قتلة مستأجرين , و بالتالى منع التلاميذ من المقاومه ( لوقا 22 - 50 ) .





    إن حديث لوقا عن شراء السيوف يعتبر بكل تأكيد أكثر ثقه من الناحيه التاريخيه , لأنه يتعارض بكل وضوح مع نظرة الكنيسه المتأخره عن موت يسوع التى تصبغ باقى الأوصاف الوارده فى هذا الإنجيل , فإذا كان يسوع قد خاف من الإغتيال فى الليلة الأخيرة من حياته و استعد لها بالأسلحه , فلا يمكن أن يكون قد عرف أو تنبأ بموته على الصليب , و لا بد أن مثل هذه التنبوءات قد وضعت على لسانه بعد ذلك . و نفس الأمر يقال عن الفقره التى تفترض صنع يسوع للخبز و الخمر فى العشاء الأخير , و الرمز بذلك الى جسده و دمه , و سوف نرى بعد ذلك أن هذه الكلمات قد نشأت فى التعليم المستيكى لبولس عن الموت الفدائى للمسيح و الاحتفال المقدس بذلك فى المجتمع المسيحى , و هو التعليم الذى لم يكن موجودا فى المجتمع المسيحى الأقدم , و بالتالى لم يسمعوه من شفتى يسوع .





    إن الكلمات التى قيلت فى العشاء الأخير , و التى تنتمى بالفعل الى التقليد الأصلى , لا توحى بهاجس الفراق أو الموت , بل على العكس انها مفعمة بالأمل فى النصر , و بالتالى فالكلمات التى قيلت عن شرب الخمر فى ملكوت الآب قد جاءت بعدها , و جاء الوعد للتلاميذ أنه سيجلسون على مائدة يسوع تحت ملكيته و يدينون أسباط اسرائيل الإثنى عشر ( لوقا 22 - 18 , 22 - 28 و ما يليه ) . من المحتمل جدا أن هذا المزاج السعيد قد أفسح الطريق لأفكار متجهمه عند هذا المنعطف الحرج , اذا كان نص الصلاه التى قالها يسوع أثناء الخوله فى بستان جثسيمانى قد وصل الينا بصورة صحيحه , و التى تظهر أن روح يسوع قد ملئت بالهواجس القلقه , و لكن تأرجحه بين الخوف و الأمل علامة أخرى أنه لم يفكر فى موته كأمر حتمى .





    يحق لنا أن نفترض أن ثقته بالله الذى يستطيع أن ينقذه بمعجزات و بملائكه كان هو الركن الذى يأوى اليه حتى أثناء الخزى و سوء المعامله التى لاقاها فى يومه الأخير , و أنه لم يفقد أمله إلا عندما صار على الصليب يموت , و عندما كانت الحياة تنحسر عنه , فهنا انفجر راثيا " الهى الهى لماذا تركتنى " .





    هناك فكرة واحدة قد تعزينا فى هذه التراجيديا التى تمزق القلب فى ختام حياته , و هى أن هذا كان الطريق الحتمى للدخول الى حياة أعلى , فإن حبة الحنطه لا بد أن تسقط على الأرض و تموت من أجل أن تنتج ثمرا , و كان على المسيح اليهودى المصلح لشعبه أن يختفى ليعيش " المسيح بحسب الروح " فى إيمان المجتمع المسيحى القادم .


    _____________________


    * كلام لوقا فى ( 17 - 20 و ما يليه ) مأخوذ من الروحنه البولسيه لفكرة الملكوت ( روميه 14 و 17 ) , و الذى وضعه فى فم يسوع فى هذه الفقره , ليصحح فكرة أن الملكوت حادث كونى مذهل الذى كان يوجد فى التقليد الأقدم . و بنفس الطريقه حشر الإنجيلى الكلمه التقليديه عن صلاحية الناموس ( لوقا 16 و 17 ) بين قولين آخرين ليكسر قوة الكلام . هذه الوسيله فى اضافة تفسيرات جديده الى التقليد بحيث لا يسبب اشكاليات كان أمرا معتادا فى المسيحيه المبكره , عندما لم يكن التقليد قد تبلور فى شكل قانونى

  6. #6
    الصورة الرمزية fares_273
    fares_273 غير متواجد حالياً طالب علم
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    363
    آخر نشاط
    19-09-2011
    على الساعة
    02:23 PM

    افتراضي

    الفصل الخامس :التجمع المسيانى :





    تحطمت آمال التلاميذ بعد موت يسوع , ثم فجأه ظهروا يكرزون بقيامته , ما الذى أدى الى هذا التغير الجذرى , و ما الذى أنعش هذه الأرواح المحطمه و أعاد فيها الأمل .





    اننا نجد تناقضا فى وصف يسوع القائم من الأموات , فهو يأكل و يشرب و له جسد محسوس , و فى نفس الوقت يوصف بأنه يجتاز من الأبواب المغلقه و يصعد الى السماء .




    و أيضا تتناقض الأناجيل بخصوص المكان الذى ظهر فيه , ففى انجيل مرقص يقال للتلاميذ أن يذهبوا الى الجليل ليروا يسوع القائم من الأموات , و أيضا فى انجيل متى الذى يذكر قصة الظهور فى جيل الجليل بالفعل , و لكن ليس قبل ذكر قصه مشابهه عن الظهور للمريمتين أثناء رجوعهما من القبر الى المدينه . لوقا يتحدث فقط عن الظهور فى الطريق الى عمواس بالقرب من أورشليم , ثم للتلاميذ المتجمعين فى أورشليم , أنه لا يعلم عن الظهور الجليلى , ليس هذا و فقط بل و أيضا قد ألغى أى احتمالية لوجوده عندما جعل التلاميذ ينتظرون فى أورشليم الى أن تحل عليهم الروح القدس فى يوم الخمسين . يتفق يوحنا مع لوقا فى ذكر ظهورات أورشليم , و مع متى فى ذكر الظهور لمريم عند القبر , و فى النهايه و فى الإصحاح الإضافى ذكر الظهور لبعض التلاميذ عند بحر جينيسارث , و هو الظهور الذى لا يذكر فى أى مكان آخر .




    إن بولس لا يعلم شيئا عن اكتشاف النساء للقبر الفارغ , و لا بظهور الملاك أو المسيح , و لكنه يذكر الظهور لكيفاس و الإثنى عشر و لأكثر من خمسمائة أخ و ليعقوب و لكل الرسل و فى النهايه لبولس نفسه ..... هذا هو التقليد الأقدم , و لكنه لا يتطابق مع التقارير اللاحقه لكتبة الأناجيل .... هذا يكفى ليبين قلة المعلومات التى كانت عند المجتمع المسيحى الأقدم بخصوص هذا الشأن , و أن التقاليد التى وصلت بخصوصه هى أساطير صنعها الخيال الشعرى , و الدفاع اللاهوتى




    هل سننجح أن نصل للحقيقه من خلال هذه الطبقات المتداخله من الأساطير ؟ , ربما يساعدنا على هذا التقاليد الأقدم المستقله التى نجدها عند بولس و مرقص عندما نجدها متفقه . إن مرقص يضع نبوءة على فم يسوع ( مرقص 14 - 27 ) " إن كلكم تشكون فى هذه الليله , لأنه مكتوب , أنى أضرب الراعى فتتبدد الخراف , و لكن بعد قيامى أسبقكم الى الجليل " . و بالتالى يجعل الملاك عند القبر يخبر النساء أن يذهبن الى التلاميذ و يخبرونهم و بالأخص بطرس أن يسوع سيسبقهم الى الجليل , و هناك سيرونه بحسب ما قال لهم سابقا ( مرقص 16 - 7 ) .





    و بالتالى فإن هذه النبوءه التى تنسب ليسوع تؤدى الى نتيجة معينه بخصوص مسار الأحداث التاليه فورا لموت يسوع . لقد شك التلاميذ فى ايمانهم , و تفرقوا و عادوا الى منازلهم فى الجليل , و هناك رأوا يسوع المصلوب لأول مرة حيا , و قد كان بطرس أول من رآه منهم ..... بما أننا نجد أن هذا هو التقليد التاريخى الأقدم , اذن لا بد أن نعتبر أن كل القصص عن ظهورات يسوع فى أورشليم أو بالقرب منها فى أحد الفصح أساطير متأخره , و تفتقد لأى مصداقية تاريخيه , و نفس الأمر ينطبق على قصة القبر الفارغ , و الظهور الجسدى ليسوع من القبر .




    هناك اشارة أخرى عند بولس تؤدى الى نفس النتيجه , عندما يضع ظهور يسوع له ( كورنثوس الأولى 15 - 8 ) على قدم المساواه مع الظهورات الأخرى , و بالتالى يفترض أن كل هذه الظهورات متشابهه , مما يجعلنا نفترض أن الظهورات الأخرى لها نفس طبيعة الظهور الخاص به .





    من المؤكد أن بولس قد اقتنع أنه رأى فى طريقه الى دمشق ليس المسيح بحسب الجسد بل المسيح بحسب الروح , فى طبيعة تشبه أفكارهم عن الملائكه .... مثل هذا الكائن لا يمكن أن تدركه الحواس , بل يدرك برؤية داخليه , رؤيا أو هلوسه , و هو انعكاس داخلى لحالة الروح الداخليه , و هذا يتوافق مع قول بولس أن الله أعلن ابنه فيه , و أن الضوء أضاء فى قلبه , و قول بولس عن الرؤى و الإعلانات أنه سمع ما لا يمكن وصفه من غير استخدام للحواس ( كورنثوس الثانيه 12 - 1 و ما يليه ) .




    و بالتالى لا بد أن نعتبر أن الظهور لبطرس له طبيعة مشابهة لظهور بولس الذى رأى ضوء المسيح السماوى فى رؤيا فى طريقه الى دمشق , و هى تجرية نفسيه معروفه فى كل العصور و ليست معجزه , كم يقول كثير من الناس أنهم رأوا أرواح القديسين و الشهداء بعد موتهم , سواء رأوا هذا فى المنام أو حال اليقظه , و لقد كان بطرس أول من حدث له هذا بسبب عاطفته المفرطه المعروفه عنه .






    إن الأساس التاريخى لقيامة المسيح نجده فى هذا الإنجذاب الصوفى , الذى انبثق من عند شخص ما و اقتنع به الجميع سريعا , و قد اعتقدوا أنهم رأوا فى هذه الرؤى المسيح المصلوب حيا و مرفوعا الى المجد السماوى , و بالتالى ساروا فى الناس يبشرون بمعلمهم الذى ترك تأثيرا كبيرا فى أنفسهم , و يكرزون بأنه المسيح و أن الله قد رفعه للسماء و سيعود و ينشىء مملكته على الأرض .




    لقد كانت هذه نفس الدعوه التى كرز بها يسوع , و لكن هناك اختلاف جوهرى , و هو أن نقطة انطلاقهم كانت هى الإيمان بارتفاع المسيح الى المسيانيه السمائيه , و صارت الكرازه بيسوع القائم من الأموات و الذى سيعود قريبا لها قصب السبق على الكرازه بالملكوت , و رفعت الطبيعه المعجزيه للملك المسيانى فكرة الملكوت الى مستوى أعلى , و صحب هذا توسيع للأمميه المحدوده , و روحنة الطبيعة الأرضيه للملكوت .




    و الآن عندما صارت الحجه التى يعرضونها على الناس هى المسيح القائم من الأموات , و بما أنهم لا يملكون اثبات ذلك من خلال معلوماتهم , ذهبوا الى العهد القديم الذى يتحدث عن انقاذ البار من الموت , و بينما كان المعنى المراد فى العهد القديم هو ألا يموت هذا الشخص صار المعنى الجديد هو التخليص من الموت عن طريق القيامه , و بالتالى يقومون بتفسير هذا على أنه نبوءه عن يسوع ( مزمور 16 - 10 , 86 - 13 , قارن سفر الأعمال 2 - 27 , 13 - 35 ) , و كانوا يفضلون الفقره الوارده عند اشعياء الثانى ( اشعياء اصحاح 53 ) , و استخدموا مزمور 110 ليقولون أنه يتحدث عن جلوس يسوع عن يمين الآب , و كذلك سفر دانيال ( 7 - 13 ) الذى يتحدث عن عودة ابن الانسان على سحاب السماء و الذى يمكن أن يستخدم ليعبر عن عودة يسوع .. هذه الفقره بالذات كانت لها أهمية خاصه عند المجتمع المسيحى الأول , لأنهم رأوا أنها تتضمن كل برنامجهم العقائدى المسيانى و أملهم فى عودة المسيح .




    و بالتالى سريعا ما نسبت هذه الفقرات ليسوع , و لهذا نجد أثناء المحاكمه التى لم يحضرها أى تلميذ بطبيعة الحال بحيث نقول أنه كان شاهد عيان , نجد قولا وضع على لسان يسوع " و سوف تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوه , و آتيا فى سحاب السماء " ( مرقص 14 - 62 ) . بعد أن صار معتادا أن يوصف يسوع المسيح الذى سيعود من السماء , بالاسم الرؤوى " ابن الإنسان " , جرى استخدام هذا المصطلح فى تلك الفقرات التى جعلت يسوع يتنبأ بمعاناته و قيامته القريبه ( مرقص 8 - 31 و خلافه ) , و فى النهايه اكتسب هذا المصطلح معنى التعيين المسيانى ليسوع , و هو المعنى الذى ينسب اليه بطريقة منتظمه فى الأناجيل منذ بدايتها , دون اشارة الى قيامته أو عودته , و هذا له صلة بالإفتراض ( غير التاريخى بطبيعة الحال ) أنه قال منذ البدايه أنه المسيح .





    و بالتالى سار التوجه الدينى للمجتمع المسيحى الأول فى اتجاه تفسير حياة يسوع السابقه فى ضوء الإيمان الجديد عن المسيانيه السمائيه ليسوع , و قالوا أن يسوع سيعود فى مجد مسيانى , و هذا لا يتعارض مع معاناته السابقه , لأن يسوع لم يفاجأ بهذا بل كان على علم به و تنبأ عنه الأنبياء و كتبة المزامير , و أن ما حدث له لا يعتبر تدميرا للآمال المسيانيه .





    و أيضا أثرت نزعة الدفاع اللاهوتى على التقليد الإنجيلى , فأراد الإيمان أن يجد فى حياة يسوع الأرضيه دلائل على مجده القادم كملك و حاكم , و بالتالى ظهرت معجزات تثبت سيطرته على الطبيعه و على الشياطين و أنه معطى الناموس لشعب الله الجديد , و بإعلانات الهيه لا بد أنه أرسى حقيقة أنه ابن الله , الموهوب بقوة الروح العجيبه .




    و بالتالى فقصة تجلى يسوع على الجبل ( فى معناها الأصلى الذى نراه بوضوح فى انجيل مرقص ) هى عرض رمزى لمجد يسوع أثناء قيامته , و تقليد لقصة موسى على الجبل عندما أعطى له الناموس الذى أشرق وجهه من نور الله .... كذلك أيضا نجد تحول يسوع الى شخص نورانى , الذى هو شكله الدائم بعد قيامته , و فى وجود موسى و إيليا اللذين يمثلان الناموس و الأنبياء أعلن صوت سماوى " هذا هو ابنى الحبيب , له اسمعوا " ....هذا يعرض لنا الإيمان الأقدم فى يسوع , الذى يقول أن يسوع بعد قيامته و صعوده للسماء جعل ربا و مسيحا ( أعمال 2 - 36 ) .






    سريعا ما تولدت الرغبه فى رؤية ابن الله ليس فقط فى يسوع الذى رفع الى السماء , بل و أيضا فى حياة يسوع الأرضيه , فقد تساءلوا عن كيفية حدوث هذه المعجزات اذا لم يكن الله مسحه بالروح القدس و القوه ( أعمال 10 - 38 ) ... ثم ظهر سؤال عن متى حدث هذا ؟ , ألم يكن قبل أن يقوم بأعماله العلنيه , و بالتالى رؤى أن حدوث ذلك وقت معموديته من يوحنا المعمدان هو المناسب لإمتلاء يسوع بالروح المسيانيه , و لكن كيف حدث هذا ؟ , هنا ظهرت أسطورة الحمامه التى نزلت على يسوع و الصوت من السماء , و هناك اسطورة أخرى فى انجيل غير قانونى عن ظهور نارى فى نهر الأردن يشبه الظهور النارى للتلاميذ يوم الخمسين , و حكوا أن الصوت الذى من السماء قال ( بحسب صيغته الأصليه ) ما ورد فى المزمور الثانى " أنت ابنى أنا اليوم ولدتك " ,




    ظلت هذه هى الفكره الشائعه لفترة طويله , الى أن حل محلها أسطورة الميلاد العذراوى ليسوع (1 ) , و التى بحسبها قيل أنه لم يكن ابن الله اثناء حياته فقط بل و قيل أنه ولد هكذا بالمعنى الحسى الفعلى , و سوف نعود الى هذه الفكره لاحقا و نرى التـأثيرات الوثنيه التى ساعدت على ظهورها .






    كانت هذه الأفكار لا تزال قريبة من الفكر اليهودى المسيانى , فقد كان اليهود يأملون فى قدوم المسيح و ظهرت كتب رؤى يهوديه تتحدث أحيانا عن المسيح بأنه كائن فوق-عالمى ينزل من السماء , و لكن الاختلاف الوحيد بين المسيحيين و اليهود كان أن المسيحيين رأوا أن كل هذا ينطبق على يسوع الذى صلبه الرومان , و أنه هو المسيح المنتظر من السماء .




    و من هنا بدأ خلاف جوهرى , و هو الربط بين الفكره المسيانيه و بين يسوع المصلوب , مما أكسب هذه الفكره محتوى جديدا , فأفسحت اليهوديه القوميه الطريق نحو طبيعة أخلاقية انسانيه .... لقد كانت فكرة " المسيح المتألم " غير معروفه على اليهوديه حتى تلك الفتره .






    اذا تساءلنا هل كانت هناك مسيحيه فى الدائره الاقدم من التلاميذ ؟ , قد تكون الإجابه أجل أو لا ...فنجيب ب "أجل " اذا قلنا أنهم ارتبطوا فى الإيمان بيسوع كمسيح و رب , و أنه القاضى المستقبلى و المخلص , و الذى سيجلب مملكة الله , و ما داموا يحاولون الإقتداء به ... و لكن من ناحية أخرى لا بد أن نقول أن هذا كان بعيدا كل البعد عن الانفصال عن اليهوديه و تأسيس مجتمع مستقل , و لم يفكروا فى انقاذ الوثنيين .




    إنهم لم يرغبوا فى أكثر من أن يكونوا نواة الإيمان بيسوع فى المجتمع اليهودى , و رغبوا فى تحويل الأمه اليهوديه كلها الى ايمانهم , و شعروا أنهم متربطون بالناموس الموسوى كأساس للدين اليهودى .




    بحسب الوصف الوارد فى سفر الأعمال - الصحيح بلا شك - حافظوا على الأعياد و الطقوس , و يعقوب أخو الرب الذى اشتهر بلقب " البار " , و الذى سمى المسيحيين اليهود " غيورين فى الناموس " ( سفر الأعمال 21 - 20 ) ... لقد تعلموا من يسوع أن يقدموا الجانب الأخلاقى على الجانب الطقسى , و لكن يسوع لم يعلمهم أبدا أن يتركوا ممارسة الطقوس و لم يعلمهم أنه يخلو من المعنى الدينى .




    لم تكن المعموديه و العشاء الربانى بأى شكل من الأشكال عملا تعبديا , أو علامه تميز المجتمع المؤمن بالمسيح , و هى المعانى التى اكتسبتها بعد ذلك ... لقد كانت المعموديه رمزا للتطهير و التكريس , و هى تختلف عن معمودية تلاميذ يوحنا فقط فى نقطة الإعتراف بيسوع , و لم تكن وسيله لإضعاف الارتباط باليهوديه , و قد كانت وليمة المحبه فى المجتمع المسيحى الأول تختلف عن وجبة الأسينيين فقط فى شعورهم برابطة الإخوه الناتجه من الإيمان بيسوع .




    إن الصفه المميزه للمجتمع المسيحى الأول , هى شيوع الملكيه فيما بينهم , و هو ما يذكرنا بالأسينيين , و لكن لم تكن عند المسيحيين بنفس درجة الصرامه , فبحسب سفر الأعمال لم يكن أى مسيحى ملزما أن يتخلى عن أملاكه للمجتمع المسيحى .




    كان فى المجتمع المسيحى الأول بذور التجديد الدينيه و الأخلاقيه , و من أجل أن تنمو بقوه و بحريه كان عليها أن تتخلص من قيود اليهوديه , و كان على البذور أن تلقى خارج قلسطين فى تربة الأديان الوثنيه و الثقافه اليونانيه , التى تمتلك العناصر المهيئه لمثل هذه الخطوه , و باكتساب هذه العناصر استطاعت الروح الجديده أن تنتشر , و تتبلور الى كنيسه مسيحيه .



    __________________________________

    (1) ملحوظه من المترجم : لا نتفق مع العالم أوتو فليدرر فى كل ما يقوله , و لكننا نعرض أفكاره كما هى , و نقول أن هناك اختلاف واضح بين مصادرنا كمسلمين التى نستقى منها معلوماتنا , و مصادر العالم أوتو فليدرر , فعندنا فى القرآن يخبرنا الله أن ميلاد المسيح العذراوى قد أعلن لليهود منذ أول لحظة من مولده , و أن المسيح نطق فى المهد و برأ أمه مريم الطاهره , و لكن العالم أوتو فليدرر لا يجد مثل هذا الكلام فى مصادره , و يجد أن الإعلان عن ميلاد المسيح العذراوى بحسب مصادره قد أعلن فى فترة متأخره من تاريخ المجتمع المسيحى , و بالتالى ذهب الى القول بأنه مأخوذ من الوثنيات .

  7. #7
    الصورة الرمزية Eng.Con
    Eng.Con غير متواجد حالياً أرفس مناخس حتى يظهر يسوع
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    3,867
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    28-09-2017
    على الساعة
    01:45 PM

    افتراضي

    الكتاب دة قنبلة بصراحة ... جزاك الله خير أخونا الكريم فارس ..

    قصة تحريف الكتاب المقدس

    http://www.ebnmaryam.com/web/modules...cat=3&book=825

  8. #8
    الصورة الرمزية fares_273
    fares_273 غير متواجد حالياً طالب علم
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    363
    آخر نشاط
    19-09-2011
    على الساعة
    02:23 PM

    افتراضي

    الله يكرمكم أخى انج كون

    هو الأخ أويس القرنى بقاله فتره متوقف عن اضافة باقى الفصول المترجمه , عساه يضيفهم عما قريب , و ننقلهم لكم ان شاء الله


    حياكم الله

  9. #9
    الصورة الرمزية fares_273
    fares_273 غير متواجد حالياً طالب علم
    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    المشاركات
    363
    آخر نشاط
    19-09-2011
    على الساعة
    02:23 PM

    افتراضي

    بالمناسبه , الأخ أويس فى حراس العقيده عامل الموضوع بالألوان , و ملون العبارات المهمه

    مش عارف كيف أنقل الموضوع بألوانه

    عندما أنقله يظهر كله باللون الأسود


    اذا كان حد يعرف , ممكن تشيلوا موضوعى و تنقلوه أنتم بالألوان , لأنى مش عارف بصراحه

  10. #10
    الصورة الرمزية نجم ثاقب
    نجم ثاقب غير متواجد حالياً مشرف عام
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    5,025
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    21-07-2016
    على الساعة
    11:53 PM

    افتراضي



    موضوع أكثر من رائع .....

    جهودك مشكورة ومميزة أخي الحبيب الفاضل .....
    استفدت واستمتعت بقراءة الموضوع .....
    أعتز بك وأقدر جهودك في ميادين الحق .


    أطيب الأمنيات لك من نجم ثاقب .
    الى كل قائل : أنا مسيحي ، والى كل قائلة : أنا مسيحية
    ندعوك للتعارف كأخ أو كأخت في الانسانية تحت مظلة الترحيب والتهذيب
    لا يتم التطرق الى العقائد وحوار الاديان الا برغبة الضيف وفي أقسام متخصصة لأن الأولوية للأمور الانسانية التي توحدنا جميعا
    اذا أحببت أن تعرفنا بنفسك
    اذا كنت تحب أن تكتب لنا شعورك وملاحظاتك
    اذا كان لديك مشكلة تريد أن تسمع فيها رأيا أو حلا منا
    ما عليك الا الدخول الى هذا الرابط :
    http://www.ebnmaryam.com/vb/showthre...774#post233774
    فأهلا وسهلا بكل ضيوفنا الأفاضل .

صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة

@@ ترجمة كتاب - أصول مسيحيه - لعالم اللاهوت الألمانى أوتو فليدرر @@

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 19-06-2014, 12:17 AM
  2. مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 19-06-2010, 01:53 PM
  3. البحر المحيط في أصول الفقه كتاب الكتروني رائع
    بواسطة عادل محمد في المنتدى منتدى الكتب
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 24-03-2010, 10:24 PM
  4. الإبانة عن أصول الديانة كتاب الكتروني رائع
    بواسطة عادل محمد في المنتدى منتدى الكتب
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 25-11-2008, 02:39 PM
  5. ترجمة كتاب القيامة بالجسد للقديس جاستن مارتر - ترجمة محمود مختار أباشيخ
    بواسطة نسيبة بنت كعب في المنتدى منتدى نصرانيات
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 11-01-2006, 05:19 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

@@ ترجمة كتاب - أصول مسيحيه - لعالم اللاهوت الألمانى أوتو فليدرر @@

@@  ترجمة كتاب - أصول مسيحيه - لعالم اللاهوت الألمانى أوتو فليدرر @@