المراحل المنهجية للتربية النبوية

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

المراحل المنهجية للتربية النبوية

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: المراحل المنهجية للتربية النبوية

  1. #1
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي المراحل المنهجية للتربية النبوية

    المراحل المنهجية للتربية النبوية

    عرف تطبيق المنهج التوحيدي زمن النبوة، تجليات مختلفة ،حسب مراحل الدعوة الإسلامية في عهده صلى الله عليه وسلم ، فالمنهج التربوي النبوي من حيث الجوهر ، واحد غير متعدد، لكنه اتخذ أشكالاً مختلفة، من حيث التنزيل ، وذلك تبعاً لاختلاف المرحلة المكية، عن المرحلة المدنية ،واختلاف المرحلة المدنية الأولى، عن المرحلة المدنية الثانية00 إن التنوعات التربوية ، التي عرفها المنهج التوحيدي النبوي ، عبر هذه المراحل ، ما هي إلا اختلافات إجرائية، شكلية ، كما سنبين بحول الله ، أما المضمون فهو البعد التوحيدي ،بكل خصائصه المفصلة من قبل . وههنا من خلال هذا المبحث ، سنعمل على توضيح وبيان الاختلافات التنزيلية للمنهج التوحيدي ، حسب المراحل الثلاث للتربية النبوية:

    (أ)المرحلة الأرقمية:

    تميزت التربية التوحيدية في المرحلة المكية للدعوة الإسلامية، ببنائها الأرقمي 00و (الأرقمية) مصطلح، نعبر به عن المنهج التربوي، الذي سار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية الجيل الأول من الصحابة ، بدار الأرقم بن أبي الأرقم ، قبل الهجرة إلى المدينة المنورة ، حيث كان يجتمع بأصحابه ، أولاً في الشعاب سراً. وبعد حصول مواجهات بينهم وبين الكفار ، انتقل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار الأرقم المخزومي ، على الصفا .

    والتربية الأرقمية: هي التكوين المقصود به صناعة العقلية القيادية خاصة ، من خلال المتابعة الدقيقة لكل فرد على حدة بتشكل شخصيته ، تشكيلا ًيقوم على منتهى صفتي القوة والأمانة ، ومن هنا لم تكن الأرقمية تُعنى بإنتاج العقلية الجندية ، إلا بقدر ما هي طريق لاكتساب العقلية القيادية فيما بعد. وفي هذا الصدد يقول الدكتور أكرم ضياء العمري : (وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ، يربي أصحابه على عينه، ويوجههم نحو توثيق الصلة بالله ، والتقرب إليه بالعبادة00 تمهيداً لحمل زمام القيادة ، والتوجيه في عالمهم000 فالعشرات من المؤمنين في هذه المرحلة التاريخية ، كانت أمامهم المهمات الجسيمة ، في تعديل مسار البشرية).

    والمادة التربوية التي كانت معتمد الجيل الأول ـ كما أسلفنا ـ كانت هي القرآن . وللقرآن المكي طبيعة خاصة من الناحية التربوية ، فهو كان يسهم بشكل مباشر في تكوين العقلية القيادية ، ويساعد على ذلك ، إذ التشريع المكي في الغالب، كان كليات ابتدائية ، وعزائم تكليفية.

    يقول الإمام الشاطبي : ( وهذا كله ظاهر لمن نظر في الأحكام المكية، مع الأحكام المدنية، فإن الأحكام المكية مبنية على الإنصاف من النفس، وبذل المجهود في الامتثال ، بالنسبة إلى حقوق الله أو حقوق الآدميين . أما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع ، لم تكن فيما تقدم ، من بعض المنازعات ،والمشاحات، والرخص، والتخفيفات وتقرير العقوبات ، في الجزئيات لا الكليات ، فإن الكليات كانت مقررة محكمة في مكة).

    ثم قال : ( كان المسلمون قبل الهجرة ، آخذين بمقتضى التنزيل المكي، على ما أداهم إليه اجتهادهم ، واحتياطهم ، فسبقوا غاية السبق، حتى سموا السابقين بإطلاق . ثم هاجروا إلى المدينة، ولحقهم في ذلك السبق من شاء الله من الأنصار، وكملت لهم بها شعب الإيمان ، ومكارم الأخلاق، وصادفوا ذلك وقد رسخت في أصولها أقدامهم ، فكانت المتممات أسهل عليهم ، فصاروا، بذلك نوراً، حتى نزل مدحهم ، والثناء عليهم ، في مواضع من كتاب الله ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقدارهم ، وجعلهم في الدين أئمة فكانوا هم القدوة العظمى في أهل الشريعة).فواضح من خلال هذين النصين، أن القرآن المكي، كان له أثر كبير في تخريج الطاقات القيادية من الصحابة الأوائل خاصة ، وذلك لما له من طبيعة كلية ، مبنية على عزائم ابتدائية.

    وهو أمر طبيعي ، فكل دعوة كانت في مرحلة التأسيس ، لابد لها من السعي إلى تربية الخلايا الأولى، التي سيتولى أفرادها مهمة الإنتاج والاستيعاب، فيما بعد؛ فيكون التأسيس التربوي الأول بطبعه ، تأسيساً قيادياً ، بالدرجة الأولى. ووعياً من الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الهدف ، كان يتحرى في دعوته أول الأمر ، من تبدو عليه مخايل العبقرية القيادية ، ورغم أن الدعوة كانت منذ انطلاقتها الأولى لكل الناس، إلا أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يسير وفق منهج القرآن المكي، في بناء القادة أساساً، سواء كان المدعو من الفقراء ، أو الأغنياء، وسواء كان من السادة ، أو من الأرقاء ، حتى إذا أسلم الرجل ، من أي شريحة اجتماعية كان، سعى به تربوياً، نحو هذا الاتجاه. وثمة نصوص حديثية تشير إلى هذا المعنى ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا )، وقوله صلى الله عليه وسلم (اللهم أعز الإسلام بعمر )، وفي رواية: (اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك : بأبي جهل أو بعمر ).

    وقصة ابن أم مكتوم مع الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً ، تبين هذا المعنى لا عكسه كما قد يبدو، ذلك أن إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عنه ، لانشغاله بدعوة بعض عظماء قريش ،لم يكن لتفضيل غيره عليه،كمايقول ابن كثير : ( وكان ممن أسلم قديماً، فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وود النبي صلى الله عليه وسلم ، أن لو كف ساعته تلك ، ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعاً ورغبة، في هدايته ، وعبس في وجه ابن أم مكتوم فأعرض عنه ، وأقبل على الآخر).
    فنزل القرآن ، لا ليبين خطأ المنهج ، ولكن ليصوب التطبيق ، ذلك أن الصفة القيادية ، التي ظنها الرسول صلى الله عليه وسلم ، متوفرة في الرجل المشرك ، واستبعدها في هذا الرجل المؤمن لعماه ، جعلته يُعرض عن ابن أم مكتوم، الذي طلب الاستزادة في العلم، ويقبل على مَن ظن أن الإسلام يتقوى بإسلامه ، فنبهه القرآن معاتباً : (وما يدريك لعلهَ يزَّكى ) (عبس : 3)، فيصبح من النوعية التي تبحث عنها ، وتتحراها . وذلك الذي كان فعلاً ، فقد أخرج البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال في سياق الحديث ، عن أوائل المهاجرين : (أول من قدم علينا مصعب بن عمير ، وابن أم مكتوم ، وكانوا يقرئون الناس )، فكان رغم عاهته رضي الله عنه ، داعية إلى الله، مجاهداً ، رائداً من رواد الدعوة الأوائل ، معلماً ، وقائداً ، ولم يكن خاملاً ، ولا مستهلكاً ، لكنه كان منتجاً فاعلاً . ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلفه أميراً على المدينة ، إذا خرج غازياً. بل لقد كان يخرج بنفسه ، إلى القتال أحياناً ، قال أنس رضي الله عنه: (فرأيته يوم القادسية ، عليه درع ، ومعه راية سوداء ).
    ويذكر عنه رضي الله عنه ،أنه كان يقول لأصحابه : في المعركة: (أقيموني بين الصفين ، وحملوني اللواء أحمله لكم ، وأحفظه ، فأنا أعمى، لا أستطيع الفرار). وقد وجد بعد ذلك صريعاً عند انتهاء معركة القادسية ، يعانق راية المسلمين شهيداً ، وهو فوق ذلك كله مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب بلال ابن رباح ، رضي الله عنه ، وهكذا فقد تزكى ابن أم مكتوم فعلاً ، واستفاد حقاً من التربية الأرقمية الأولى ، وتحقق هدفها فيه.

    إن المنهج الأرقمي ، المبني على نظام الجلسة التربوية ، ومدارسة النصوص القرآنية، والحديثية ، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يشكل شخصيات المتربين ،من أصحابه الأوائل ، فرداً ، فرداً ، ويصنعهم على عينه 000 قلتُ : ذلك المنهج ، هو الذي خرّج قادة الدعوة الإسلامية الأوائل . فالعبقرية القيادية، لم نرها في الغالب الأعم ، إلا في شخصيات المهاجرين السابقين ، فهم الخلفاء الراشدون ، وهم الفقهاء المعلمون ، والمستنبطون المجتهدون ، ولذلك حينما اختلف المهاجرون والأنصار حول خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم بُعيْد وفاته ، قال أبو بكر الصديق ، وهو يعلم ما يقول: (نحن الأمراء ، وأنتم الوزراء ) رداً" على قولهم: (منا أمير ، ومنكم أمير) ، وكان من خطبته رضي الله عنه يومئذ : (أنتم إخواننا في كتاب الله وشركاؤنا في دين الله، وأحب الناس إلينا ، فأنتم أحق الناس بالرضا بقضاء الله ، والتسليم لفضيلة إخوانكم، وأن لا تحسدوهم على خير).

    ومدارس الفقه الإسلامي ، والتفسير ، والتشريع ، والقضاء، ومعظم الأصول العلمية للدولة الإسلامية ، إنما أسسها المهاجرون الأرقميون خاصة، بدءاً بالخلفاء الراشدين ، كفقهاء، وقضاة مجتهدين ، وانتهاءً بالشخصيات الأرقمية الأخرى ، الذين صاروا ، كما قال الشاطبي: (أئمة ، فكانوا هم القدوة العظمى في أهل الشريعة).

    وأما الأنصار ، فقد كانت لهم الجندية،والاتباع ، في الغالب الأعم، فهم أهل نصر، ومبادرة ، وجهاد. وهذا لا يعني أن أحداً من الأنصار لم تنبغ عبقريته إطلاقاً ، وإنما هناك قلائل نبغوا ، وصاروا قادة في مجال ما ، كمعاذ بن جبل ، فقيه الأمة ، الذي كان كما قال صلى الله عليه وسلم فيه :أعلم الأمة بالحلال والحرام ، ولذلك أرسله معلماً، ومربياً ، وقائداً ، لأهل اليمن 00والسبب في ذلك ، يرجع إلى ما طبق من الأرقمية في المدينة المنورة إلى جانب المنهج المنبري ، كما سوف نوضح بحول الله ، بيد أن المقصود من الأحكام السالفة واللاحقة ، هو العموم الغالب ، لا العموم القطعي التام 00 هذا ، وقد كان المنهج الأرقمي ، يعتمد أساساً على النص القرآني لاستيعاب الناس بالإسلام ، وكذا لترقيتهم في مدارج الإيمان .

    ويروي ابن هشام حوار أبي الوليد عتبة بن ربيعة ، مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، حينما جاء مفاوضاً باسم قريش ، فقال مقالته : (حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه ، قال : ( أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ ) قال : ( فاستمع مني )، قال : أفعل ، فقال : ( بسم الله الرحمن الرحيم: حم~ تنزيل من الرحمن الرحيم000 )(فصلت : 1-2 ) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيها ،يقرؤها عليه ، فلما سمعها منه عتبة ، أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره ، معتمداً عليهما، يستمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد000 فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله ، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال ورائي أني سمعت قولاً ، والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة! يا معشر قريش ! أطيعوني ، واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه ، نبأ عظيم !).

    فالرسول صلى الله عليه وسلم إذن ، كان يستوعب الناس للإسلام بالقرآن أساساً ، ورغم أن أبا الوليد لم يسلم ، إلا أن تأثره بالقرآن واضح جداً ، من خلال النص المذكور ، ولذلك فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله ، بكلام الله أساساً.

    وقد حكى عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، انبهار جمع من كفار قريش بالقرآن الكريم ، حينما تلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عليهم ـ في حديث متفق عليه ـ قال: (قرأ النبي صلى الله عليه وسلم النجم بمكة ، فسجد فيها وسجد من معه)، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس )00 قال ابن مسعود : ( غير شيخ أخذ كفاً من حصى ، أو تراب ، فرفعه إلى جبهته ، وقال : يكفيني هذا ، فرأيته بعد ذلك قتل كافراً).

    وقد أسلم الناس في المرحلة المكية، بسبب سماعهم القرآن 00 قال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : ( فلما سمعتُ القرآن ، رق له قلبي ، فبكيت ، ودخلني الإسلام !) 00 وقال الطفيل بن عمرو الدَّوْسي، وقد حشا في أذنيه كُرْسُفاً ، لئلا يسمع القرآن : ( فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله . قال : فسمعت كلاماً حسناً ،قال فقلت في نفسي : واثكل أمي ،والله إني لرجل لبيب شاعر ، ما يخفى علي الحسن من القبيح ، فما يعنيني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ 000 قال فعرض عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ، وتلا عليَّ القرآن ، فلا والله ما سمعت قولاً قط أحسن منه ، ولا أمراً أعدل منه، قال: فأسلمتُ ).

    وحكت أمُّ سلمة رضي الله عنها ، أن النجاشي استقرأ جعفراً ، رضي الله عنه القرآن ، (قالت : فقرأ عليه صدراً من (كهيعص)00 قالت: فبكى النجاشي ، حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أَخْضَلُوا مصاحفَهم، حين سمعوا ما تلا عليهم ).

    وجاء وفد من نصارى الحبشة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، لما سمعوا به فتلا عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم كلام الله ،( فلما سمعوا القرآن ، فاضت أعينهم من الدمع ،ثم استجابوا لله ،وآمنوا به).

    وعندما التقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفد الخزرج بمكة ، أول مرة ، قال لهم: ( أفلا تجلسون أكلمكم؟) قالوا: بلى . فجلسوا معه ، فدعاهم إلى الله عز وجل ،وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن 000ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، راجعين إلى بلادهم ، وقد آمنوا ، وصدقوا.

    وكذلك كان مصعب بن عمير ، رضي الله عنه ، يطبق نفس المنهج بالمدينة ،قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، فقد حكى ابن هشام عن ابن إسحاق، قال (حدثني عبد الله بن المغيرة بن معيقب ،وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم ، أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير ، يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر000 وسعد بن معاذ ،وأسيد بن حضير يومئذ ،سيدا قومهما ،من بني عبد الأشهل ،وكلاهما مشرك على دين قومه ، فلما سمعا به ، قال سعد ابن معاذ لأسيد بن حضير ، لا أبا لك ، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ، لِيُسفّها ضعفاءنا ، فازجرهما ، وانههما عن أن يأتيا دارينا 000 فأخذ أسيد بن حضير، حربته ، ثم أقبل إليهما000 فقال له مصعب: أو تجلس، فتسمع ، فإن رضيت أمراً قبلته ، ,إن كرهته، كف عنك ما تكره ؟ قال: أنصفت! ثم ركز حربته، وجلس إليهما ،فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن ؟ فقالا، فيما يذكر عنهما : والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به ، في إشراقه ، وتسهله ، ثم قال : ما أحسن هذا الكلام ،وأجمله000 وشهد شهادة الحق000 ثم أخذ حربته ، ثم انصرف إلى سعد000 فقام سعد مغضباً 000 فأخذ الحربة من يده، ثم قال : والله ما أراك أغنيت شيئاً ثم خرج إليهما000 فقال له مصعب : أَوَ تقعد فتسمع ، فإن رضيت أمراً، ورغبت فيه ، قبلته، وإن كرهته،عزلنا عنك ما تكره ، قال سعد: أنصفت . ثم ركز الحربة ، وجلس ، فقرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن ، قالا : فعرفنا والله في وجهه الإسلام، قبل أن يتكلم ، لإشراقه وتسهله 000 وَتَشَّهَد شهادة الحق!).

    وهكذا ، نرى أن القرآن ،كان هو المادة الأساس ، التي اعتمدت في إدخال الناس إلى الإسلام ،وأن ربطهم منذ اللحظة الأولى ، كان بالله مباشرة ، من خلال كتابه العزيز . ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمده وحده كمادة تربوية ، للترقي بأصحابه في مقامات الإيمان ، كما اعتمد نصوصه المكية في تشكيل شخصياتهم، وبنائها، تربوياً ، في الجلسات الأرقمية العظيمة: (وكانت الآيات ،وقطع السور، التي تنزل في هذا الزمان ، آيات قصيرة، ذات فواصل رائعة منيعة ، وإيقاعات هادئة خلابة ، تتناسق مع ذلك الجو الهامس الرقيق ، تشتمل على تحسين تزكية النفوس ،وتقبيح تلويثها برغائم الدنيا 00 تصف الجنة والنار ، كأنهما رؤى العين 00 تسير بالمؤمنين في جو آخر ، غير الذي فيه المجتمع البشري آنذاك).

    فكانت سور ،من مثل سورة الفرقان ، التي تصف عباد الرحمن بأنهم: (الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ً)( الفرقان :63)، وتحدد لهم مجموعة من الصفات الربانية ، من قيام الليل، وخوف من عذاب الله ، وتوحيد له سبحانه ، وعدم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وإنفاق في سبيله ،وحفظ للفروج من الزنى ،وترك شهادة الزور ، واللغو ، ونحو ذلك . كما كانت سور أخرى ، تُثَبَّتُ الصحابة الأرقميين في محنهم بمكة ، مثل سورة البروج ،التي كما قال الأستاذ سيد قطب ، رحمه الله: (تشع حولها أضواء قوية، بعيدة المدى ،وراء المعاني ، والحقائق المباشرة ، التي تعبر عنها نصوصها، حتى لتكاد كل آية ـ وأحياناً كل كلمة في الآية ـ أن تفتح كوة على عالم مترامي الأطراف ، من الحقيقة).

    فكان القرآن إذن ، هو المادة التربوية للاستيعاب الداخلي والخارجي معاً ، عليه يقوم المنهاج النبوي التربوي ، وتميزت مرحلته المكية بالتطبيق الأرقمي ، من حيث الاصطفائية، ثم التتبع الدقيق ،والمعالجة الخاصة، لكل فرد على حدة ، قصد صناعة القادة من الجيل الأول، الذين أرسوا قواعد الدولة الإسلامية بعد.

    وكما كان ذلك سارياً في مكة قبل الهجرة ، كان سارياً أيضاً في المدينة المنورة ، سواء تعلق الأمر بالاستيعاب الخارجي ، كما تبين مما سبق ، أو الاستيعاب الداخلي، والتزكية الفردية، من خلال الجلسات الأرقمية. وقد روى البخاري في صحيحه، كما أسلفنا ،أن أو ل من قدم المدينة مصعب بن عمير وابن أم مكتوم ، وكانا ، يقرئان الناس القرآن .

    وروى ابن هشام قال : ( قال ابن إسحاق : فلما انصرف عنه صلى الله عليه وسلم القوم (يعني وفد الأنصار)بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب ابن عمير 000 وأمر أن يقرئهم القرآن ،ويعلمهم الإسلام ، ويفقهم في الدين ، فكان يسمى مصعب بالمدينة: المقرئ .

    فمصعب رضي الله عنه ، كان يطبق نظام الجلسات ، لمدارسة القرآن، وهو يشكل شخصيات قيادية من الأنصار. وكان ذلك نقلاً للمنهج الأرقمي الذي بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، يمارسه في تربيته للناس ، بيد أن ذلك لم يستمر على حاله طويلاً ، إذ سرعان ما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، لا ليلغي المنهج الأرقمي ، ولكن ليشفعه بالمنهج المنبري ، الذي صار أكثر اعتماداً من الأول ، في تربية المسلمين وتزكيتهم . وهنا يزول ما يحصل من تعارض ، حينما نجد أن ثمة تطبيقات للأرقمية بالمدينة المنورة من جهة ،وأن قادة من الأنصار ، تخرجوا عليه ، وكانوا أئمة في مجالات أخرى من مجالات الدين. بيد أن الغالب الأعم ، على التربية التوحيدية بالمدينة المنورة ،هو تطبيق المنهج المنبري ، الذي كان يصنع ما يمكن تسميته بالرأي العام الإسلامي 00 فما هي خصائص هذا المنهج إذن؟
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  2. #2
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    (ب) المرحلة المنبرية:

    (المنبرية) نسبة إلى المِنبَر، وهي إشارة إلى ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من تربية للصحابة من على المنبر، الذي لم يظهر في حياة الدعوة الإنسانية 00 وخطبة الجمعة لم تشرع إلا بعد الهجرة كما هو معلوم .

    فالتربية المنبرية ، توحيدية في الجوهر ،لأنها تقوم على اعتماد النص القرآني أساساً ، وما يفسره ويبينه من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، بيد أنها لا تقوم على نظام الجلسة ،ولا تتعامل مع قوم أسلموا ، فرداً فرداً ، وانتقوا لهذا الأمر انتقاء ، وإنما فيهم من أسلم نفاقاً ، ومن أسلم خوفاً ، كالأعراب . ولكن فيهم من أسلم إيماناً ،وصدقاً .

    وبما أن الجلسة الأرقمية، لا يمكن أن تستوعب هذا العدد الضخم من المسلمين بالمدينة ، من ناحية ،وبما أن ما يتطلبه المجتمع من العقليات القيادية ، قد تخرج منهم الكثير بمكة، وبعض الأنصار ممن تربوا على يد مصعب بن عمير قبيل الهجرة ، من ناحية أخرى ، فقد اتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى تشكيل الرأي العام الشعبي ، تشكيلاً إسلامياً ،من أجل صناعة عقلية جندية فاعلة ، مبادرة ، ومطيعة ،فلم يعد خطابه التربوي صلى الله عليه وسلم متوجهاً إلى كل فرد ، ومقتصراً عليه ،وإنما صار متوجهاً إلى عموم الناس ،من خلال خطبة الجمعة وغيرها، فكان يربي بقوله مثلاً : ( ما بال قوم )، أو (ما بال أقوام )، و(يا أيها الناس )000 إلى غير ذلك من العبارات ،التي اشتهرت عنه صلى الله عليه وسلم ، والتي هي من تقنيات الأسلوب الخطابي.

    وبقي المنهج الأرقمي من حظ القلائل ، الذين تبينت ملامحهم القيادية ، من أهل المدينة وغيرهم،ولكن الخطبة أو (المنبرية) ،كانت هي تربية العموم من أهل المدينة، وما حولها ،فهي خطاب عام مطلق ،يهدف إلى تصحيح الخطأ ،أو إبلاغ المفهوم الصحيح ، إلى عموم الناس ، لتصحيح السلوك الاجتماعي العام. من ذلك ، على سبيل المثال ، ما أخرجه البخاري ، من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: (جاءت بريرة، فقالت إني كاتبت أهلي على تسع أواق ، في كل عام أوقية ، فأعينيني ، فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة ، وأعتقك، فعلت ، فيكون ولاؤك لي. فذهبت إلى أهلها ، فأبو ا ذلك عليها . فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا ، إلا أن يكون الولاء لهم00 فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألني ، فأخبرته،فقال: (خذيها فأعتقيها واشترطي لهم الولاء ، فإن الولاء لمن أعتق). قالت عائشة : ( فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ( أما بعد فما بال رجال منكم يشترطون شروطاً،ليست في كتاب الله؟ فأيما شرط كان ليس في كتاب الله ، فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق ، وشرط الله أوثق ، ما بال رجال منكم يقول أحدهم : أعتق يا فلان ، ولي الولاء؟ وإنما الولاء لمن أعتق).

    فواضح من النص ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم مارس التربية العامة ،ووجه الرأي العام، بإطلاق الخطاب ،وعدم تقييده ،ومعالجة السلوك الخاطئ بأسلوب الخطبة، لا بأسلوب الجلسة، المتتبع لكل الجزئيات ، المكونة للشخصية،كما هو الحال في الأسلوب الأرقمي، ولكن الخطبة إنما هي توجيه عام ، كلما ظهرت ثغرة ما، أو انحراف ما ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبرخطيباً00 هكذا كانت التربية المنبرية إذن ، عامة مطلقة ، تقصد إلى توجيه السلوك الاجتماعي العام ، وتربية المجتمع ،من حيث هو كلُُ ، لا من حيث هو أفراد ، ولذلك لم يكن القصد ، الاقتصار، على إنتاج القيادات ، كما ذكرنا ،ولكن إنتاج الجندية المطيعة المؤمنة أيضاَ.

    كما يتضح من النص ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لم يكن يخطب يوم الجمعة فقط بل كلما دعت الحاجة التربوية لذلك ، ويؤكده ما رواه مسلم عن أنس حينما ،أكثر الناس سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما لا ينفعهم00 وللبخاري ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما : ( كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء ،فيقول الرجل :من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي ؟) قال أنس: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حيث زاغت الشمس ، صلى بهم صلاة الظهر، فلما سلم، قام على المنبر ، فذكر الساعة ، وذكر أن قبلها أموراً عظاماً ، ثم قال : ( من أحب أن يسألني عن شيء، فليسألني عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء، إلا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا )00 قال أنس بن مالك: فأكثر الناس البكاء ، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يقول : ( سلوني)، فقام عبد الله بن حذافة، فقال :من أبي يا رسول الله ؟ قال (أبوك حذافة)00 فلما أكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يقول : (سلوني )، برك عمر فقال : رضينا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً00 قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوْلَى ، والذي نفسُ محمد بيده، لقد عُرضت عليَّ الجنة والنار آنفاً ، في عرض الحائط ، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر ).

    وفي رواية أخرى عن أنس قال : فخطب :فقال: (عُرضت عليَّ الجنة والنار ،فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم ،لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً )، قال فما أتى على أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم أشد منه! قال :غطوا رؤوسهم ،ولهم خَنِين 000 فنزلت: (يأيها الذين ءامنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تَسُؤْكُم ْ)(المائدة : 101).

    هكذا إذن يتبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، كان يعتمد على الخطبة ،ولوفي غير الجمعة ، كما في النصِّ، لتصحيح المفاهيم، وتربية السلوك الجماعي للأمة ، وتلك منهجية المرحلة المدنية أساساً00 وقد كانت خطبه صلى الله عليه وسلم نصوصاً من القرآن ، ونصوصاً من حديثه صلى الله عليه وسلم ، وربما كانت أغلبها قرآناً فعن أخت عمرة بنت عبد الرحمن قالت : (أخذت (ق~ والقرآن المجيد ) من فِيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم الجمعة ،وهو يقرأ بها على المنبر ، في كل جمعة).

    وعن صفوان بن يعلى ، عن أبيه ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر : (ونادوا يا مالك )(الزخرف : 77).

    وربما كانت التربية المنبرية أحياناً ،عبارة عن إشارات خطابية من غير خطبة ، أي كلمات من جوامعه صلى الله عليه وسلم ، ذات ومضات خالدة ، يلقيها الرسول عليه الصلاة والسلام على الناس ، فتتلقاها قلوبهم ، حتى إذا تفرقوا ،كانت لها مواجد تبعث على التأمل والتفكير ،مما ينمي التكوين التربوي للفرد بصورة ذاتية ، وذلك نحو ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه ، قال : ( صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم العشاء في آخر حياته ، فلما سلم قام فقال : ( أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها ، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ) .

    فهذه الإشارة النبوية المختصرة ، خطبة مصغرة جداً ، فهي كلمة ألقاها صلى الله عليه وسلم ، وهو واقف ، لفظها قليل ، مُتَناهٍ جداً ، غير أن معناها عظيم ورهيب، ينبه إلى إحدى الحقائق الكبيرة، من حقائق الحياة البشرية ، في هذا العالم وهي حقيقة الموت على كل نفس ، لكن الأسلوب الذي عرضت به أسلوب منبري خطابي ، يقربها من الشعور تقرياً حسابياً ، حتى تكون رأي العين ، فيكون لها من الأثر التربوي على السامعين ، ما لا تنتهي تداعياته ، إلا بانتهاء حياتهم.

    ومن هنا كان ارتباط الأنصار ،أو أبناء المدرسة المنبرية ، بنصوص القرآن والسنة ،هو كارتباط المهاجرين ،وذلك بسبب توحيدية المنهج المنبري ،أي اعتماده على النص القرآني أولاً ،والنص الحديثي ثانياً .

    وحديث عمر بن الخطاب ،رضي الله عنه ، دال على هذا الارتباط ، قال : ( كان لي جار من الأنصار ،فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينزل يوماً ،وأنزل يوماً فيأتيني بخبر الوحي ،وغيره ، وآتيه بمثل ذلك ) وقد سبق بيان سياق هذا الحديث ، حيث كان الرجلان مرابطيْن بضاحية المدينة.

    ولقد كان القرآن متتبعاً لأحوال الأنصار ،كما كان متتبعاً لأحوال المهاجرين قبل هجرتهم ،ونزلت نصوص خاصة ،تعالج واقعهم،وتصحح ما اعوج من تصرفاتهم ، فيقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم ، مربياً إياهم عبر المنهج المنبري غالباً 00 أخرج مسلم ، من طريق أسلم بن عمران ،قال : ( كنا بالقسطنطينية ، فخرج صف عظيم من الروم ، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم ، حتى دخل فيهم ،ثم رجع مقبلاً، فصاح الناس : سبحان الله ! ألقى بيده إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب (الأنصاري، رضي الله عنه): أيها الناس! إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل ـ يعني قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )(البقرة: 195) ـ وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار: أنّا لما أعز الله دينه ، وكثر ناصروه، قلنا بيننا سراً: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أن أقمنا فيها، وأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل الله هذه الآية ،فكانت التهلكة :الإقامة التي أردناها). وهكذا تخرج الأنصار من مدرسة توحيدية نبوية ، فارتبطوا بالله عز وجل صادقين موقنين ، واستوعبوا مذهبية الإسلام جيداً ،من خلال القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف ، وكان للمنبر أثره التربوي العظيم ، في حياتهم الإيمانية ، فكانوا جنوداً مطيعين ، وحماة للإسلام ،ولرسوله الكريم ، مبادرين إلى خير ، فاعلين ، فهم طليعة القتال في كل مكان ، وهم الذين حينما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (أشيروا عليّ أيها الناس ) ، قبيل معركة بدر، قال قائلهم سعد بن معاذ رضي الله عنه ،وعنهم أجمعين: (فقد آمّنا بك فصّدقناك ،وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا،ومواثيقنا ، على السمع والطاعة لك ، فامض يا رسول الله لما أردت ، فنحن معك ،فوالذي بعثك بالحق ، لو استعرضت بنا البحر، فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ،وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً00 إنا لصبر في الحرب ،صُدقُُ في اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فَسِرْ بنا على بركة الله) فُسَّر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وبشرهم بالنصر.

    وهم الذين استشهدوا تواتراً في معركة أحد ، بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال صفي الرحمن المباركفوري : ( اتفقت جل الروايات على أن قتلى المسلمين كانوا سبعين ، وكانت الأغلبية الساحقة من الأنصار ، فقد قُتل منهم خمسة وستون رجلاً000 وأما شهداء المهاجرين فكانوا أربعة فقط).

    ولِمَا يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم من إخلاصهم ،وجنديتهم المتيقظة الفاعلة ،وربما أيضاً لما يعلمه من تبعية أغلبهم للمهاجرين ، من الناحية القيادية ،والسياسية العامة ، فقد أوصى بهم خاصة ،وذلك في مرضه الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم ، إذ خرج عاصباً رأسه ،حتى جلس على المنبر ، فكان مما قال صلى الله عليه وسلم : ( أيها الناس 00 إن الناس يكثرون ، وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام ، فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً ، أو ينفعه، فليقبل من محسنهم ،ويتجاوز عن مسيئهم ). وفي رواية أخرى : (أوصيكم بالأنصار ، فإنهم كَرِشي وَعيْبتي وقد قضوا الذي عليهم ، وَبقِيَ الذي لهم ، فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم ).

    وهكذا كان للتربية المنبرية التوحيدية ، أثرها التاريخي في تخريج أعظم جندية إسلامية في التاريخ ، جاهدت تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كل الغزوات ، وتحت ألوية الخلفاء الراشدين ، في حروب الردة والقادسية وغيرها ،وبقوا على حالهم حتى فيما بعد ، إلى أن انقرض جيلهم ، رضوان الله عليهم .

    فهذا أبو أيوب الأنصاري، رضي الله يخرج جندياً عادياً، في آخر حياته، على جلالة قدره ، في جيش قائده يزيد بن معاوية ، لما خرج المسلمون لفتح القسطنطينية فيصاب رضي الله عنه في المعركة ، ويطلب من المسلمين إذا مات أن يحملوا جثته على فرسه ،ويغوصوا به ما استطاعوا في أرض العدو ، حتى إذا أوغلوا جيداً، دفنوه هناك00 وما زال قبره رضي الله عنه في استامبول شاهداً إلى اليوم.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  3. #3
    الصورة الرمزية فداء الرسول
    فداء الرسول غير متواجد حالياً رحمك الله يا سمية
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    11,681
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    أنثى
    آخر نشاط
    30-11-2017
    على الساعة
    11:44 AM

    افتراضي

    (ج) المرحلة العلمية:

    كان من بين آخر ما نزل من القرآن ، سورة التوبة، ومنها قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائِفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)(التوبة: 122) وذلك أن المنهج التربوي التوحيدي ،صار يكتسي وجهاً علمياً وتعليمياً ،في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث حصل تراكم من ناحيتين:

    الأولى: ناحية النصوص القرآنية والحديثية ، فقد مضى على عمر الدعوة ما يربو على العشرين عاماً ، مما يجعل تنزيل النصوص على الواقع ، يزداد عمقاً ، ويحتاج بصرة واجتهاداً ، فهناك المكي والمدني من القرآن ، والناسخ والمنسوخ ، ،من القرآن والسنة معاً ،والتفصيلات السنية ،المبينة لمجملات القرآن 00 إلخ .

    والثانية : ناحية الأفواج الهائلة ،والأعداد الكبيرة ، التي دخلت الإسلام بعد فتح مكة ، مما يجعل الاستيعاب التربوي لها جميعاً ، بالمنهج الأرقمي أو المنبري فقط، غير ممكن تماماً .

    فعن عمرو بن سلمة، رضي الله عنه ،قال : ( كانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامهم الفتح ، فيقولون :اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم ،فهو نبي صادق 00 فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم).

    وقال المباركفوري معلقاً : (هذا الحديث يدل على مدى أثر فتح مكة في تطوير الظروف ،وتعزيز الإسلام، وتعيين الموقف للعرب ،واستسلامهم للإسلام ،وتأكد ذلك ، أي تأكد بعد غزوة تبوك ،ولذلك نرى الوفود تقصد المدينة تترى في هذين العامين ـ التاسع والعاشر ـ ونرى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ، حتى إن الجيش الإسلامي ،الذي كان قوامه عشرة آلاف مقاتل في غزوة الفتح إذا هو يزخر في ثلاثين ألف مقاتل في غزوة تبوك ، قبل أن يمضي على فتح مكة عام كامل 00 ثم نرى في حجة الوداع ، بحراً من رجال الإسلام ـ مائة ألف من الناس ، أو مائة وأربعة وأربعون ألفاً منهم ـ يموج حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالتلبية ، والتكبير ، والتسبيح ،والتحميد ،تدوي له الآفاق،وترتج له الأرجاء ) . فكان لابد إذن من التفكير في الشكل التنزيلي للمنهج التوحيدي ، فالنصوص هي النصوص ، قرأناً كانت أو سنة ، لكن أغلب الناس بعد الفتح، لم تتح له الفرصة لفهم مقاصدها الشرعية ، في الجلسات الأرقمية ، أو اللقاءات المنبرية ، فشرع نصاً وفقهاً.

    وقد كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك قبل الفتح طبعاً ، لكن معظمه إنما كان بعد آخر حياته صلى الله عليه وسلم ، فكان يرسل مع كل وفد من الوفود ، التي جاءت تعلن إسلامها ، بعد الفتح ، من قبائل العرب ، رجلاً يقرئهم القرآن ، ويعلمهم فقهه من السنة النبوية . وقد أربت الوفود على السبعين وفداً ، وربما أمَّرَ على الوفد رجلاً منه ، على أساس أن يكون أقرأهم لكتاب الله ، وأعلمهم بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما أمَّرَ عثمان بن أبي العاص الثقفي ، على ثقيف ، ليعلمهم ( لأنه كان أحرصهم على التفقه في الإسلام ، وتعلم الدين والقرآن )، وجعل على بني الحارث بن كعب ، عمرو بن حزم ، قال ابن هشام : ( ليفقههم في الدين ، ويعلمهم السنة ، ومعالم الإسلام )، وأرسل أبا عبيدة بن الجراح ، مع وفد نجران . كما أرسل معاذ بن جبل ، وأبا موسى الأشعري إلى اليمن ،كلاً منهما إلى منطقة، ثم قال لهما: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا )، ثم إنه صلى الله عليه وسلم جعل المسؤولية التعليمية في عنق كل متعلم من الصحابة ،بل كل من تعلم ، ولو آية.

    إن هذه المرحلة من حياة الدعوة الإسلامية ، صارت التربية فيها تقوم أساساً على تبليغ نصوص الإسلام : القرآن أولاً ، ثم ما يقوم مقام فهمه وبيانه، وهو الحديث النبوي الشريف ، فتكون مدارسة الناس لذلك ـ علماً وتعلماً ـ هي التربية، وكان الناس إذا علموا شيئاً ، علموا به ، وصارت عملية نقل نصوص الدين ، وتربية الناس عليها ، وتكوينهم على مبادئها ، تُسَمَّى (علماً) ،وصار لمصطلح العلم في هذه المرحلة رواج كبير، أكثر مما مضى000 وكانت دلالته تنحصر في معرفة النصوص الشرعية ، وما يستنبط منها، وصار الناس يسمون كل ما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم ، مسنداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم علماً. وبقي هذا الاصطلاح سارياً بهذا المعنى إلى مرحلة التابعين ، وأتباعهم ، فعن بقية بن الوليد قال: ( قال لي الأوزاعي : يا بقية ، العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وما لم يجئ عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فليس بعلم).

    ولم يكن العلم بهذا المعنى في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم يقصد به شيئاً غير العمل . فهو لذلك إذن ، تربية. ثم إنه إنما يقوم على مدارسة النصوص الشرعية ، وفقهها ، كما قلنا، وهو لذلك مرة أخرى توحيد ، أو تربية توحيدية .

    وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ،يرى التربية تأخذ شكلها الجديد، أي تبليغ العلم وتعلمه، فسعى صلى الله عليه وسلم إلى الحث على ذلك ،وإحاطته بمجموعة من الضوابط والتوجيهات ،حتى لا يزيغ القالب العلمي عن قصده التربوي المحض، ومضمونه التوحيدي الأصيل ، فيعطي الأولوية في ذلك لكتاب الله عز وجل ، حفظاً وفقهاً، فيقول صلى الله عليه وسلم : ( خيركم من تعلّم القرآن وَعلَّمه ) ثم يقول عن سنته صلى الله عليه وسلم: ( نضَّر اللهُ عبداً سمع مقالتي فوعاها ، ثم بلغها، عني فرب حامل فقه، ورب حامل فقه غير فقيه إلى من هو أفقه منه).

    والحديث هذا ،يشير إلى أن العلم لا يقتصر على نقل النصوص فقط، ولكن يتعداه إلى فقهها ،وفهمها، فينحصر العلم وقتذاك ،إذن ، في القرآن والسنة،والفقه منهما، دون الرأي المحض ، وذلك صلب التربية التوحيدية ، من حيث المصدرية الشرعية. ثم مضى الرسول صلى الله عليه وسلم ، يؤكد أهمية العمل بالعلم وضرورته بالنسبة للعالم ، والمتعلم ، على السواء، حتى يحافظ العلم على مغزاه التربوي ،الذي نشأ من أجله ، فيقول صلى الله عليه وسلم في العلم: ( مثل العالم الذي يُعلَّم الناس الخير، وينسى نفسه ،كمثل السراج، يضئ للناس ،ويحرق نفسه ) ، ويقول عن المتعلم : (سلوا الله علماً نافعاً، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع )، وقال: (من تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عوضاً من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة ).

    وقال عن هؤلاء وأولئك : (من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه ، أدخله الله جهنم ) ،وكان هذا التحذير النبوي إنما هو توجيه ، حتى يبقى العلم في الناس ، قائماً على دوره التربوي أساساً . وهذا هو المصرح به في قوله صلى الله عليه وسلم : ( من علّم علماً، فله أجر من عمل به ، لا ينقص من أجر العامل ). وأَبين منه، ما رواه جُبَير بن نُفَير ، عن عوف بن مالك الأشجعي، ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نظر إلى السماء يوماً فقال : ( هذا أوان يُرفع العلم )، فقال له رجل من الأنصار ، يقال له زياد بن لبيد :يا رسول! ‍‍‍ الله ‍يرفع العلم وقد أثبت، ووعته القلوب؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة )، ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى، على ما في أيديهم من كتاب الله 00 قال جبير فلقيت شداد بن أوس ، فحدثته بحديث عوف ، فقال: صدق عوف، ألا أخبرك بأقل ذلك يرفع؟ قلت: بلى ، قال الخشوع: حتى لا ترى خاشعاً). فهذا المضمون التربوي للعلم ، هو الذي كان يحث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، عند انطلاق الحركة العلمية في آخر حياته صلى الله عليه وسلم ، وانتداب الصاحبة لذلك ، وإرسالهم إلى جهات مختلفة من الجزيرة العربية ليتم الاستيعاب التربوي الشامل ، لكل المسلمين ،في كل مكان. بيد أن طبيعة المنهج العلمي، أو التعليمي ، كأسلوب من أساليب التربية التوحيدية ،كانت هي العمل على تعميق التدين ، في أفراد المجتمع ، فهماً،وتنزيلاً . ويختلف تطبيق ذلك من صحابي لآخر ، فمنهم من جعل العلم مضموناً في إطار أرقمي ، وهم الصحابة الذين ساروا على منهج الجلسات، بقواعدها التربوية، وهم يعلمون الناس00 ومنهم من بلغ العلم في إطار منبري ، ومنهم من علمه في إطار (تحديثي) ، عابر ، لا هو بذا ولا هو بذاك، ولكن القصد منه كان مجرد التبليغ . ولذلك تخرج من أجيال التابعين، العلماء القياديون ، والجنود العاملون،والمسلمون العاديون ،وكلهم من مادة تربوية واحدة،هي العلم بالكتاب والسنة،وما ينبني عليهما.

    وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرى التربية التوحيدية ،قد أخذت تكتسي طابعاً تعليمياً في آخر عهده صلى الله عليه وسلم، فجعل يؤكد ضرورة إقبال علماء الصحابة على التعليم ، وإقبال جمهور الأمة على التعلم،موجهاً بين ترغيب وترهيب.فيقول في شأن العلماء المربين: (من سُئل عن علم فكتمه ، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نارا ً)، ويقول: (علّموا ويسروا، ولا تعسروا ،وبشروا، ولا تنفروا، فإذا غضب أحدكم فليسكت )، وهذا حديث فيه دلالة واضحة على ضرورة إعطاء البعد التربوي للمسألة العلمية والتعليمية ، ولذلك فإنه صلى الله عليه وسلم حمل علماء الصحابة ،ومن بعدهم ،مسؤولية التربية بالتعليم ،وهذا بَيِّنُُ مما سبق من نصوص ،كما يتبين أيضاَ من قوله صلى الله عليه وسلم: (مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكنز ، فلا ينفق منه ).

    وقال في خطبة حجة الوداع: (ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلِّغ من هو أوعى من ه).

    كما عمل صلى الله عليه وسلم على ترغيب جمهور الأمة في طلب العلم المفيد ، للعمل ، أي الذي له ثمرة تربوية، فقال : (مَنْ جاء مسجدي هذا ، لم يأته إلا لخير يتعلمه ، أو يعلمه، فهو في منزلة المجاهد في سبيل الله ،ومن جاء لغير ذلك ،فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره ). وقال صلى الله عليه وسلم : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )، وقال في الاجتماع على مدارسة القرآن: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ، يتلون كتاب الله ،ويتدارسونه فيما بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) ) .

    وشجع صلى الله عليه وسلم من لم يجد مسجداً أو مكاناً قريباً ، فيه علم أو لم يجد عالماً بموطنه ، أن يرحل في طلب العلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقاً ، يبتغي فيه علماً ، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة،ومن أبطأ به عمله،لم يسرع به نسبه )، إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى أن العلم هو الطريق الصحيح للعمل ‍، وللحديث تتمة في رواية أخرى صحيحة ،‍‍‍فيها: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع00 وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء00 وإن فضل العالم على العابد ، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب00 وإن العلماء ورثة الأنبياء ،وإن الأنبياء لم يُوَرِثُوا ديناراً ولا درهماً ،وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ).

    هكذا تتضافر النصوص ،لتجعل من العلم ،تعليماً وتعلماً ، قضية أساسية في المنهجية الإسلامية جملة، لأنه السبيل الأضبط لاستمرارية التدين السليم ،في الفكر والتصور، وفي العمل والسلوك . وتفرق الصحابة في كل اتجاه حاملين الدعوة إلى الناس ، مربين إياهم على دين الله ، فكانت بداية ذلك في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،كما رأينا ،واتسع ليشمل الأمر عدداً أكثر من الصحابة المربين ،ومناطق أخرى من بلاد المسلمين، وذلك في عهد الخلفاء الراشدين .. فكانت التربية العلمية ، التي مارسها الصحابة في الأمصار ،هي النواة التي تطورت عنها العلوم الشرعية ،فيما بعد ،كعلم التفسير ،وعلم الحديث والفقه 000إلخ

    كأنما الرسول صلى الله عليه وسلم ، علم أن رجالاً من أمته ، سينصرفون عن العلم إلى العبادة ، بمعناها الضيق، أي الذكر ،والصلاة والصيام ،والزهد ،فبين عليه الصلاة والسلام ، أن العلم هو صلب العبادة وأنه الصفة التي ورَّثها الأنبياء للعلماء،كما تبين من الحديث السابق.ففضل العالم على العابد ،بهذا المعنى، كما رأيت ،كما فضل البدر على سائر الكواكب ،وندب مَن وجد فراغًا ، أن يبادر إلى العلم النافع ،لأن فضله خير من فضل التعبد ، بالمعنى المذكور ، إذ العلم عبادة متعدية بالخير إلى الناس ،والتعبد عبادة لازمة لصاحبها فقط، فقال صلى الله عليه وسلم : (فضل العالم على العابد ، كفضلي على أدناكم ،إن الله عز وجل، وملائكته ،وأهل السموات والأرض ،حتى النملة في جحرها ،وحتى الحوت ،ليصلون على مُعلِّم الناس الخير ).

    ولذلك كان العلم شرط الإمارة في عهده صلى الله عليه وسلم ،كما رأيت ،وبقي شرطها فيما بعد،وشرط كل عمل تربوي،ودعوي ،كيفما كان،قال صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ، ينتزعه من الناس ،ولكن يقبض العلم بقبض العلماء،حتى إذا لم يُبْقِ عالماً ، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلوا )، وكما قد تكون الفتوى فقهية ، فقد تكون تنفيذية ، أو تربوية أو توجيهية ، في هذا المجال الدعوي ،أو ذاك وكل ذلك فتوى تحتاج إلى علم بالكتاب والسنة.

    وهكذا ختم الرسول صلى الله عليه وسلم حياته الدعوية ، الحافلة بالعمل التربوي،هو يوصي العلماء المربين من صحابته ، الذين حملوا الرسالة التربوية ،من بعده صلى الله عليه وسلم بالحلم ،والتيسير، والتبشير بالخير ،وقال فيما كان يقول في هذا المجال صلى الله علي وسلم: (إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً، ميسراً) ، وكان المنهج التربوي النبوي توحيدياً ،في كل مراحله الثلاث ،فلم يتعد مصدريته،أي كتاب الله عز وجل ،وبيانه النبوي00 فالقرآن كان هو الينبوع الصافي ، الذي لم يَشُبْه توجيه فلسفي ،ولا قصص إسرائيلي ،ولا حِكَم هندية، أو إغريقية، به ترّبى الرسول صلى الله عليه وسلم ،وعليه ربّى أصحابه ،سواء كان مؤسساً للنخبة الأولى بدار الأرقم، أو صانعاً للجندية الأنصارية بمنبر المدنية، أو معلماً للآفاق، فقه الدين والتدين، عبر رسله وتلامذته، صلى الله عليه وسلم.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
    اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين

  4. #4
    الصورة الرمزية نضال 3
    نضال 3 غير متواجد حالياً مشرفة منتديات الأسرة والمجتمع
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    7,555
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    26-02-2017
    على الساعة
    08:17 PM

    افتراضي


    مجهوداتك تستحق التقدير غاليتى فداء

    موسوعة رائعة جداا ومفيدة

    جزاكِ الله خيرااا

    ونفع بكِ

    توقيع نضال 3


    توقيع نضال 3

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي




    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

المراحل المنهجية للتربية النبوية

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الحوارا لدورى اسلوب حديث للتربية
    بواسطة mostafadawood في المنتدى قسم الأطفال
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 17-05-2011, 08:31 PM
  2. مداخل العلوم -المنهجية فى علم التفسير--عصام العويد
    بواسطة ابو ياسمين دمياطى في المنتدى منتدى الصوتيات والمرئيات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-12-2010, 02:35 AM
  3. أسس التغذية حسب المراحل العمرية
    بواسطة مريم في المنتدى مائدة المنتدى
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 05-06-2010, 02:00 AM
  4. الخصائص التوحيدية للتربية النبوية
    بواسطة فداء الرسول في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 22-05-2010, 11:29 PM
  5. نصائح للتربية المثالية
    بواسطة مريم في المنتدى قسم الأطفال
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-03-2010, 02:00 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

المراحل المنهجية للتربية النبوية

المراحل المنهجية للتربية النبوية