﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾ (فاطـر‏:41)

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في خواتيم سورة فاطر‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها خمس وأربعون‏(45)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم الكريم لاستهلالها بثناء الله ـ تعالي ـ علي ذاته العلية بوصف‏(‏ فاطر السماوات والأرض‏)‏ أي خالقها علي غير مثال سابق‏.‏ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة‏,‏ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات في مطلع هذه السورة المباركة‏:‏
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ *يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾‏(‏فاطر‏:1‏ ـ‏3).‏
ثم تنتقل الآيات بتوجيه الخطاب إلي خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ في مواساة رقيقة من الله ـ تعالي ـ بسبب تكذيب الكفار والمشركين لبعثته الشريفة فتقول له‏:
‏﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾‏(‏ فاطر‏:4).‏
بمعني أن جميع رسل الله قد تعرضوا لتكذيب الكفار والمشركين من أممهم‏,‏ والله ـ سبحانه وتعالي ـ عليم بما تصنع كل نفس‏,‏ وأنه ـ تعالي ـ سوف يجازي كلا بعمله‏.‏وبعد ذلك تنتقل الآيات بالخطاب الإلهي إلي الناس كافة مؤكدة أن وعد الله حق‏,‏ ومحذرة من الاغترار بالحياة الدنيا‏,‏ ومن عداوة الشيطان للإنسان‏,‏ ومن أخطار الكفر بالله‏,‏ ومواسية خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ مرة أخري حتي لا يحزنه كفر الكافرين‏,‏ فتقول‏:‏
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ*إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ*الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ*أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾(‏ فاطر‏:5‏ ـ‏8).‏
ثم تنتقل سورة فاطر إلي الحديث عن نعمة تصريف الرياح‏,‏ وتكون السحب‏,‏ وإنزال المطر إلي الأرض الميتة فتحيا بهذا الماء‏,‏ ومؤكدة أن كذلك يبعث الله الأموات بإنزال ماء السماء كما قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فينبت كل ميت من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من حبتها فتقول‏:‏
﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ‏﴾‏(‏فاطر‏:9).
‏وتستمر الآيات في تأكيد أن العزة لله جميعا‏,‏ وأنه علي كل من يطلب العزة أن يطلبها من الله ـ تعالي ـ بالتزام أوامره واجتناب نواهيه‏,‏ فالعمل الطيب يصعد إليه‏,‏ والعمل الصالح يرفعه‏,‏ ويحذر ربنا ـ تبارك وتعالي ـ من المكر السيئ‏,‏ فيقول‏:‏
﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾‏(‏فاطر‏:10).‏
ومن معاني ذلك أن الذين يدبرون السوء بخبث ودهاء ومكر لهم عذاب شديد‏,‏ ولن ينفعهم تدبيرهم الماكر بشيء لأن مآله الدمار والخراب والبوار‏.‏وبعد ذلك تستشهد الآيات بعدد من بديع صنع الله في خلقه‏,‏ مؤكدة حقيقة ربوبيته‏,‏ ووحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ فهو رب كل شيء ومليكه‏.‏ وجميع ما يدعو المشركون من شركاء لا يملكون شيئا لأنفسهم ولا للذين يعبدون من دون الله وهؤلاء الشركاء لا يسمعون دعاء المشركين‏,‏ وإن سمعوه فإنهم لن يستجيبوا لهم‏,‏ ويوم القيامة سوف يكفرون بشركهم‏,‏ وينكرونه عليهم‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏:‏
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ*وَمَا يَسْتَوِي البَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِياًّ وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ *إِن تَدْعُوَهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ*يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ *إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ *وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾‏(‏فاطر‏:11‏ ـ‏17).
‏وفي ذلك تأكيد حاجة المخلوقين إلي خالقهم‏,‏ وغناه عنهم‏,‏ وتأكيد قدرته المطلقة ـ سبحانه وتعالي ـ في استبدال غيرهم بهم إن شاء‏.‏وفي الإشارة إلي مسئولية كل إنسان عن عمله تؤكد الآيات أن نفسا لا تحمل وزر أخري‏,‏ وإن دعت نفس مثقلة بالذنوب أحدا من الخلق ليحمل عنها شيئا من ذنوبها في يوم الحساب فإن ذلك لا يمكنها أبدا‏,‏ وإن كان ذا قرابة معها‏,‏ لانشغال كل امرئ بذنوبه وهمومه‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏:
‏﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ المَصِيرُ‏﴾(‏ فاطر‏:18).
‏وبعدد من المقابلات الرائعة تعاود الآيات في سورة فاطر توجيه الخطاب إلي خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ للمرة الثالثة مؤكدة أن الله ـ تعالي ـ أرسله بالحق بشيرا ونذيرا كما أرسل من قبله من الأنبياء والمرسلين‏,‏ فتقول‏:
‏﴿ وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ*وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ*وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الحَرُورُ*وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ*إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ*إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ*وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ المُنِيرِ*ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ‏﴾
‏(‏فاطر‏:19‏ ـ‏26)‏وبعد استعراض عدد من آيات الله في الخلق التي تدعو العلماء إلي خشية الله الخالق أكثر من غيرهم من الناس‏,‏ لفهمهم الدقة المطلقة‏,‏ والانضباط الشديد في كل أمر من أمور الكون‏,‏ أوردت سورة فاطر عددا من صفات عباد الله المؤمنين فتقول‏:‏
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ*وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ*إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ*لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ‏﴾ (‏ فاطر‏:27‏ ـ‏30).‏
ثم تعاود الآيات توجيه الخطاب ـ للمرة الرابعة ـ إلي خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ مؤكدة فضل القرآن الكريم علي غيره من الكتب‏,‏ وقد جعله الله ـ تعالي ـ ميراثا للذين اصطفاهم من عباده المسلمين الذين منهم المقصر والمقتصد والسابق بالخيرات فتقول‏:‏
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ*ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ*جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ*وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ*الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ المُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (‏ فاطر‏:31‏ ـ‏35).‏وبعد ذلك تنتقل الآيات إلي تصوير جانب من أحوال الكافرين في نار جهنم فتقول‏:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ*هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ الكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ الكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً﴾ (‏ فاطر‏:38‏ ـ‏39).‏
وتنتقل سورة فاطر بعد ذلك مباشرة إلي لوم المشركين علي شركهم فتقول‏:‏
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً ‏﴾
(‏ فاطر‏:40).
‏ثم تنتقل السورة إلي تأكيد حقيقة أن الله ـ تعالي ـ بعلمه وحكمته وقدرته‏,‏ هو الذي يحفظ السماوات والأرض من الزوال‏,‏ ولو قدر لهما الزوال فلا تستطيع قوة في الوجود غير قدرة الله ـ سبحانه وتعالي ـ علي إعادتهما والإمساك بهما‏,‏ وفي ذلك تأكيد علي حاجة المخلوقين إلي خالقهم في كل لحظة من لحظات وجودهم‏.‏وتشير الآيات إلي عدد من الكافرين الذين كانوا قد أقسموا قسما مغلظا لئن جاءهم نذير من الله ـ تعالي ـ ليكونن أهدي من غيرهم من الأمم التي كذبت رسل ربها‏,‏ فلما جاءهم نذير منهم ما زادتهم دعوته إلا نفورا منه‏,‏ ومكرا به‏,‏ وكراهية له‏,‏ واستكبارا عليه‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات مهددة إياهم‏:‏
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً *اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً *أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ (‏ فاطر‏:42‏ ـ‏44).
‏وتختتم سورة فاطر بتأكيد أن كل بني آدم خطاؤون‏,‏ وأن خير الخطائين التوابون‏,‏ وعلي أن الآخرة حق‏,‏ وأن الحكم فيها عدل مطلق‏,‏ وفي ذلك تقول‏:‏
﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ‏‏﴾ (‏ فاطر‏:45).
وفي المقال القادم إن شاء الله ـ تعالي ـ سنعرض لكل من ركائز العقيدة والإشارات الكونية في سورة فاطر‏,‏ كما سنعرض لومضة الإعجاز العلمي في قوله ـ تعالي‏:‏
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ َمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ‏﴾ (‏فاطر‏:41).
‏والله يقول الحق‏,‏ ويهدي إلي سواء السبيل‏,‏ وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.






من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة فاطر
‏1‏- الإيمان بالله - تعالي - ربا واحدا أحدا‏,‏ فردا صمدا‏(‏ بغير شريك‏,‏ ولاشبيه ولامنازع ولاصاحبة ولا ولد‏)‏ والتسليم بأنه خالق السماوات والأرض علي غير مثال سابق‏,‏ والإيمان بملائكة الله‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبأن من صفاته – تعالي-أنه علي كل شيء قدير‏,‏ وهو الرحمن الرحيم‏,‏ خالق كل شيء ومليكه‏,‏ الرازق‏,‏ العزيز‏,‏ الحكيم‏,‏ الذي إليه يرجع الأمر كله‏,‏ العالم بغيب السماوات والأرض‏,‏ والعليم بذات الصدور‏,‏ وأنه هو الذي يهدي من يشاء برحمته‏,‏ ويضل من يشاء بعلمه وحكمته‏,‏ وهو الغني الحميد‏,‏ وأن من صفاته- تعالي- كذلك أنه يسمع من يشاء من الأحياء والأموات‏,‏ وأنه لايعجزه شيء في السماوات ولافي الأرض‏.‏
‏2‏- اليقين بأن وعد الله حق‏,‏ فلا يجوز لمؤمن بالله أن يغتر بالدنيا‏,‏ ولا أن يسمح للشيطان بإغوائه عن طريق الحق‏,‏ فالشيطان عدو مبين للإنسان‏,‏ ولابد لكل مؤمن أن يقف منه موقف المعاداة والمفاصلة الكاملة حتي لايقوده إلي نار الجحيم‏.‏
‏3‏- التصديق بأن الذين كفروا لهم عذاب شديد في نار جهنم وجحيمها‏,‏ وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير ومن ذلك الفوز بالجنة ونعيمها‏.‏
‏4‏- التسليم بأن العزة لله جميعا‏,‏ وأنه علي كل من يريد العزة أن يطلبها عبر الايمان بالله- تعالي- وحده‏,‏ واتباع أوامره‏,‏ واجتناب نواهيه‏,‏ فلا عزة بغير ذلك‏.‏
‏5‏-الإيمان بأن الشرك بالله- تعالي-كفر به‏,‏ وأن الشركاء لايملكون لمن أشركوا بهم شيئا‏,‏ وأنهم سوف يتنكرون لهم يوم القيامة‏,‏ وسوف يتبرأون من شركهم‏.‏
‏6‏- اليقين بأن الخلق فقراء إلي خالقهم‏,‏ وهو- تعالي- الغني عن العالمين‏,‏ القادر علي إفناء خلقه‏,‏ وعلي الإتيان بخلق جديد‏(‏وما ذلك علي الله بعزيز‏).‏
‏7‏- التسليم بأن كل إنسان مسئول عن عمله‏,‏ وأن نفسا لاتحمل أخطاء أخري- ولو كان ذا قربي- مهما عظمت تلك الأخطاء أو قلت‏,‏ وهذا من صميم العدل الإلهي‏.‏
‏8‏- التسليم بأن من وسائل تزكية النفس خشية الله- تعالي - بالغيب‏,‏ وإقام الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة‏,‏ والإنفاق في سبيل الله‏,‏ والالتزام ببقية أوامر الله‏,‏ واجتناب كل نواهيه‏.‏
‏9‏-التصديق بأن الرسول الخاتم- صلي الله عليه وسلم- قد بعث مبشرا ونذيرا للخلق أجمعين‏,‏ وبأنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير من أنبياء الله ورسله‏,‏ الذين تعرضوا للتكذيب من الكفار والمشركين في كل عصر وفي كل حين‏,‏ وأنه ليس بعد الرسول الخاتم- صلي الله عليه وسلم- نبي ولا رسول‏,‏ وقد بشر بمقدمه جميع الأنبياء والمرسلين السابقين‏.‏
‏10-الإيمان بأن القرآن الكريم هو الحق‏,‏ الموجود بين أيدي الناس وهو مصدق لما أنزل الله – تعالي- من قبل من كتب‏,‏ انطلاقا من وحدة رسالة السماء‏,‏ ومن الأخوة بين الأنبياء‏,‏ ومن وحدانية الخالق- سبحانه وتعالي- التي دعا إليها كل أنبياء الله ورسله‏.‏
‏11‏-اليقين في ثبات سنن الله- تعالي-بغير تبديل ولاتحويل إلي أن يشاء الله‏.‏
‏12- التصديق بحتمية الآخرة وبما فيها من بعث وحشر‏,‏ وحساب وجزاء‏,‏ وخلود إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏.‏

من الإشارات الكونية في سورة فاطر
‏1‏- الإشارة إلي تصريف الرياح‏,‏ وتكون السحب‏,‏ ونزول المطر بعلم الله وإرادته في المكان المحدد‏,‏ وبالقدر المقرر اللازم لإحياء الأرض بعد موتها‏,‏ وتشبيه‏,‏ عملية البعث بإنبات النبات من الأرض‏,(‏ الآية رقم‏9).‏
‏2‏ - تأكيد أن الله- تعالي- يخلقنا من تراب‏,‏ ثم من نطفة‏,‏ وأنه-تعالي- هو الذي جعل منا الذكر والأنثي‏,(‏ وما تحمل من أنثي ولا تضع إلا بعلمه‏),‏ ولايتحكم في آجال العباد غيره‏,‏ حيث إن تلك الآجال مدونة عنده في كتاب‏,‏ وذلك كله يسير علي رب العالمين‏,(‏ الآية رقم‏11).‏
‏3- وصف طلاقة القدرة الإلهية في فصل الماء العذب عن الماء المالح‏,‏ وأن جعل الله ـ سبحانه وتعالي ـ الأوساط المائية في كل منهما تعج بالأحياء ذات اللحم الطري السائغ كطعام للإنسان‏,‏ وجعل من هياكل بعضها حليا كاللؤلؤ والمرجان‏,‏ كما جعل في رواسب القرارة التي تتجمع في مجاري الماء الكثير من الثروات المعدنية من مثل ركازات كل من الذهب والفضة‏,‏ وبعض الأحجار الكريمة مثل الألماس‏,‏ والياقوت‏,‏ وبعض الأحجار شبه الكريمة مثل التوباز والزيركون كذلك جعل الخالق - سبحانه وتعالي- للماء من الصفات الطبيعية والكيميائية ما مكنه من حمل السفن بالخير للإنسان علي اختلاف أحجامها وأوزانها‏(‏ حسب قانون الطفو‏)(‏ الآية رقم‏12).‏
‏4‏- الإشارة إلي كل من كروية الأرض‏,‏ ودورانها حول محورها أمام الشمس بولوج الليل في النهار وولوج النهار في الليل‏,‏ ووصف الدقة المطلقة في حركات كل من الشمس والقمر بلفظة‏(‏ التسخير‏),‏ والتأكيد علي حتمية فنائها وفناء الكون بوصف‏(‏ لأجل مسمي‏)‏ والجزم بأن الله- تعالي- هو رب كل شيء ومليكه‏,‏ وأن مايعبده المشركون من دون الله لايملكون ما يساوي ثمن قشرة نواة من نوي البلح‏,‏ أي مايملكون شيئا في هذا الوجود‏(‏ الآية رقم‏13).‏
‏5‏- وصف دورة الماء حول الأرض بإنزاله من السماء‏,‏ والإشارة إلي إنبات الأرض بإنزال الماء عليها‏,‏ وتأثر ألوان الثمار بألوان الصخور والتربة التي تنبت الأشجار عليها‏.‏
وذكر الألوان الأساسية للصخور‏,‏ وتأكيد تأثر ألوان كل من الناس والدواب والأنعام بألوان الثمار التي يأكلونها‏,‏ وألوان الصخور والتربة التي يحيون عليها وهذه كلها من الحقائق العلمية التي لم تعرف إلا مؤخرا‏(‏ الآيتان رقم‏28,27).‏
‏6 -الإشارة إلي أن أكثر الناس خشية لله – تعالي- هم أكثرهم علما بمخلوقات الله‏,‏ المتأملين فيها بشيء من الموضوعية والحيدة‏(‏ الآية رقم‏28).‏
‏7‏- الإشارة إلي كل من غيب السماوات والأرض‏,‏ وإلي قدرة القلوب التي عبر عنها بتعبير‏(‏ ذات الصدور‏)‏ علي شيء من الذاكرة‏,‏ والوعي‏,‏ والشعور‏,‏ والانفعال‏,‏ والنزعات‏,‏ الميول‏(‏الآية رقم‏38).‏
‏8‏- تأكيد أن الله - تعالي - هو الذي يمسك كل أجرام الكون‏,‏ ومختلف صور المادة والطاقة من حولها‏(‏ والمعبر عنها بالسماوات والأرض‏)‏ بعلمه وحكمته وقدرته حسب عدد من القوانين والسنن التي تجمع تحت مسمي الجاذبية العظمي‏,‏ ولايستطيع ذلك غير الله الخالق- سبحانه وتعالي- فلو انفرط عقد القوي الماسكة بالسماوات والأرض لانهار الكون ولا يستطيع أحد من المخلوقين عمل شيء من أجل إعادته إلي بنائه‏,‏ ولكن الله الحليم‏,‏ الغفور هو مالك زمام الكون ومدبر أمره‏,‏ وحافظة من الانهيار إلي آخر عمره‏(‏ الاية رقم‏41).‏
‏9‏- التأكيد علي أن سنن الله في الكون لاتتبدل ولاتتوقف ولاتتحول إلي أن يشاء الله - تعالي-‏(‏ الآية رقم‏43).‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك سأقصر الحديث هنا علي الدلالات العلمية للنقطة الثامنة من القائمة السابقة والتي جاءت في الآية رقم‏(41)‏ من سورة فاطر‏.‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة
يقدر عمر الجزء المدرك من الكون بحوالي‏(13,7)‏ مليار سنة من سنين الأرض‏,‏ وهذا الجزء المدرك شاسع الاتساع‏,‏ عظيم البناء‏,‏ متقن الصنعة إلي درجة مذهلة‏,‏ وهو كذلك منضبط الحركة في كل جزء من أجزائه‏,‏ شديد الانتظام في كل أمر من أموره‏,‏ وشديد الإحكام في ترابط مختلف أجزائه علي تباين كثافة المادة فيها‏,‏ واختلاف كتلها وأحجامها وأشكالها وتعدد مداراتها‏,‏ وانتظام دوران كل منها حول محوره‏,‏ وانتظام سبحه في مداراته في توافق عجيب يشهد لخالقه - سبحانه وتعالي - بطلاقة القدرة‏,‏ وبديع الصنعة‏,‏ وإحكام الخلق كما يشهد له - سبحانه - بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏.‏ويقدر علماء الفلك عدد المجرات في الجزء المدرك من السماء الدنيا بحوالي مائتي بليون مجرة علي أقل تقدير‏,‏ وأنها تحتوي علي سبعين بليون تريليون نجم علي أقل تقدير أيضا‏.‏
وكل من هذه النجوم قد تكون له توابع من الكواكب‏,‏ والكويكبات‏,‏ والأقمار‏,‏ والمذنبات كما أن لشمسنا توابع من هذه الأجرام‏.‏ وتتفاوت هذه المجرات في الشكل‏,‏ والحجم‏,‏ والكثافة‏,‏ والكتلة‏,‏ وفي سرعة الدوران حول المحور‏,‏ والسبح في المدار أو المدارات‏,‏ وفي التباعد عنا وعن بعضها البعض‏,‏ كما تتفاوت في أعمارها‏,‏ ومراحل تطورها‏,‏ وأعداد وأنواع نجومها‏,‏ نظرا لتباين أعمار تلك النجوم الممثلة بعدد من المراحل المتسلسلة‏,‏ فمنها المجرات الحلزونية‏,‏ والبيضانية‏,‏ وغير المحددة الشكل‏.‏ وتترتب المجرات في مجموعات محلية تضم عشرات منها‏,‏ وتترتب المجموعات المحلية في وحدات أكبر تعرف باسم الحشود المجرية‏,‏ وتلتقي هذه في وحدات أكبر تعرف باسم المجموعات المحلية العظمي التي تتجمع بدورها فيما يعرف باسم الحشود المجرية العظمي وقد أحصي الفلكيون منها‏(16)‏ حشدا مجريا أعظم في مسافة تقدر بحوالي‏(20)‏ بليون سنة ضوئية‏.‏ وتلتقي الحشود المجرية العظمي فيما يعرف باسم حشود الحشود المجرية العظمي إلي نهاية لايعلمها إلا الله - سبحانه وتعالي‏.‏والحشد المجري الأعظم الذي تنتسب إليه مجرتنا يضم مائة من الحشود المجرية علي هيئة قرص يبلغ قطره مائة مليون من السنين الضوئية‏,‏ وسمكه عشر ذلك‏(‏ وهي نفس النسبة بين طول قطر مجرتنا وسمكها‏).
‏ وقد تم اكتشاف حشد مجري عظيم يبلغ طوله‏(1,5)‏ بليون سنة ضوئية‏,‏ ويبلغ أقصر أبعاده‏(200)‏ مليون سنة ضوئية‏.‏ ويقوم علماء الفلك اليوم بدراسة الجزء المدرك من السماء الدنيا في شرائح تقدر أبعادها بحوالي‏(150)‏ مليون‏x(100)‏ مليون‏x(15)‏ مليون سنة ضوئية‏,‏ ووصل أطولها إلي‏(250)‏ مليون سنة ضوئية‏,‏ وتعرف مجازا باسم الحائط العظيم‏.‏ويقدر قطر الجزء المدرك من السماء الدنيا بحوالي‏(25)‏ بليون سنة ضوئية‏.‏ والأعداد المذهلة من أجرام هذا الجزء لاتشكل أكثر من‏(10%)‏ من كتلته التي يتشكل أغلبها مما يعرف اليوم باسم المادة الداكنة‏.‏ وهذه الأجرام والكتل المذهلة في أعدادها وأشكالها‏,‏ وأوصافها‏,‏ لابد لها من قوي تعمل علي إحكام ترابطها وتماسكها مع بعضها البعض‏.‏ وقد أودع الله - تعالي - تلك القوي في فطرة كل شيء لحظة خلقه ومن هذه القوي التي عرفها علماء اليوم‏:‏ القوتان النوويتان الشديدة والضعيفة‏,‏ والقوة الكهربائية‏,‏ والقوة المغناطيسية‏,‏ وقوة الجاذبية‏.‏وقد تم توحيد القوتين الكهربائية والمغناطيسية في قوة واحدة هي القوة الكهرومغناطيسية‏,‏ وبالمثل يحاول العلماء اليوم جمع هذه القوة والقوة النووية الضعيفة فيما يسمي باسم القوة الكهربائية الضعيفة حيث لايمكن فصل هاتين القوتين في درجات الحرارة العليا‏.‏ كما يحاولون جمع القوة الكهربية الضعيفة مع كل من القوة النووية الشديدة والجاذبية في عدد من النظريات التي تعرف باسم نظريات التوحيد الكبري أو الجاذبية العظمي التي يري علماء الفيزياء الفلكية أنها كانت القوة الوحيدة السائدة في درجات الحرارة العليا عند بدء خلق الكون‏,‏ ثم تمايزت إلي القوي المعروفة لنا اليوم والتي تمثل أوجها متعددة لتلك القوة الكونية الواحدة التي تشهد لله الخالق بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏.‏
وفي محاولة أخري لجمع كل القوي المعروفة في الكون في قوة واحدة اقترح علماء الفيزياء النظرية ماسموه باسم نظرية الخيوط العظمي والتي تفترض أن اللبنات الأساسية للمادة تتكون من خيوط طولية دقيقة تلتف حول ذواتها فتبدو كما لو كانت نقاطا متناهية في الصغر‏,‏ وتقترح النظرية وجود مادة خفية تتعامل مع المادة العادية وتمسك بها‏.‏ من هنا كان في قول ربنا - تبارك وتعالي - إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا‏(‏فاطر‏:41)‏ ومضة من ومضات سبق القرآن الكريم لجميع المعارف المكتسبة بأكثر من عشرة قرون كاملة بالإشارة إلي هذه الحقيقة العلمية‏,‏ مما يشهد لهذا الكتاب الخالد بأنه لايمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله - صلي الله عليه وسلم - وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية‏,‏ في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏),‏ وحفظه حفظا كاملا علي مدي الأربعة عشر قرنا الماضية‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتي يبقي القرآن الكريم شاهدا علي الخلق أجمعين إلي يوم الدين بأنه كلام رب العالمين‏,‏وشاهدا للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسا لة‏,‏ فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين والحمد لله رب العالمين‏.‏