على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم ؛ قصص و عبر ؛ من بستان اروع السير

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

من أجمل الكتب فى اثبات إعجاز القرآن: كتاب (النبأ العظيم).للدكتور محمد عبد الله دراز » آخر مشاركة: نيو | == == | الأنبا روفائيل : يعترف أن العقيدة المسيحية تأسست من المجامع ولم تعتمد على نصوص الكتاب المقدس » آخر مشاركة: إيهاب محمد | == == | Is God: Jesus, Jesus and Mary, the third of three or the Clergy in Christianity according to the Qur’an? » آخر مشاركة: islamforchristians | == == | اسماء الله الحسنى فى الكتاب المقدس ومدى انطباقها على يسوع » آخر مشاركة: undertaker635 | == == | منصر يعترف: المراة المسيحية مكينة تفريخ فقط ! » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | تسريبات من قلب الزريبة العربية » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | انواع التوحيد » آخر مشاركة: فايز علي احمد الاحمري | == == | سائل : عندي شك في الوهية المسيح و مكاري يونان يرد عليه : لو شغلت عقلك بس العقل لوحده يقول ده مش ربنا » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == | أنا و الآب واحد بين الحقيقة و الوهم » آخر مشاركة: وردة الإيمان | == == | رد شبهة: نبيُّ الإسلام يقول : خيل سليمان لها أجنحة ! » آخر مشاركة: *اسلامي عزي* | == == |

مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم ؛ قصص و عبر ؛ من بستان اروع السير

صفحة 5 من 5 الأولىالأولى ... 4 5
النتائج 41 إلى 50 من 50

الموضوع: على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم ؛ قصص و عبر ؛ من بستان اروع السير

  1. #41
    الصورة الرمزية أسد الدين
    أسد الدين غير متواجد حالياً مدير المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    1,800
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    16-12-2017
    على الساعة
    07:34 PM

    افتراضي

    34- نجاح الدعوة وحجـة الوداع

    نجاح الدعوة وأثرها

    وقبل أن نتقدم خطوة أخري إلى مطالعة أواخر أيام حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ينبغي لنا أن نلقي نظرة إجمالية على العمل الجلل الذي هو فذلكة حياته، والذي امتاز به عن سائر الأنبياء والمرسلين، حتى توج اللّّه هامته بسيادة الأولين والآخرين‏.‏
    إنه صلى الله عليه وسلم قيل له‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا‏}‏ الآيات ‏[‏المزمل‏:‏1، 2‏]‏‏.‏ و‏{‏ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ‏قُمْ فَأَنذِرْ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏1، 2‏]‏ الآيات، فقام وظل قائماً أكثر من عشرين عاماً يحمل على عاتقه عبء الأمانة الكبري في هذه الأرض، عبء البشرية كلها وعبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى‏.‏
    حمل عبء الكفاح والجهاد في ميادين الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها، المثقل بأثقال الأرض وجواذبها، المكبل بأوهاق الشهوات وأغلالها‏.‏ حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية، بدأ معركة أخري في ميدان آخر، بل معارك متلاحقة‏.‏‏.‏‏.‏ مع أعداء دعوة اللّه المتألبين عليها، وعلى المؤمنين بها، الحريصين على قتل هذه الغرسة الزكية في منبتها، قبل أن تنمو وتمد جذورها في التربـة، وفروعها في الفضاء، وتظلل مساحات أخرى‏.‏‏.‏‏.‏ ولم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانت الروم تعد لهذه الأمة الجديدة، وتتهيأ للبطش بها على تُخُومِها الشمالية‏.‏
    وفي أثناء هذا كله لم تكن المعركة الأولي ـ معركة الضمير ـ قد انتهت، فهي معركة خالدة، الشيطان صاحبها، وهو لا يَنِي لحظة عن مزاولة نشاطه في أعماق الضمير الإنساني، ومحمد صلى الله عليه وسلم قائم على دعوة اللّه هناك، وعلى المعركة الدائبة في ميادينها المتفرقة، في شظف من العيش، والدنيا مقبلة عليه وفي جهد وكَدٍّ، والمؤمنون يستروحون من حوله ظلال الأمن والراحة، وفي نُصُب دائم لا ينقطع، وفي صبر جميل على هذا كله، وفي قيام الليل، وفي عبادة لربه وترتيل لقرآنه، وتَبَتُّل إليه كما أمره أن يفعل‏.‏
    وهكذا عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عاماً، لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد، حتى نجحت الدعوة الإسلامية على نطاق واسع تتحير له العقول، فقد دانت لها الجزيرة العربية، وزالت غبرة الجاهلية عن آفاقها، وصحت العقول العليلة حتى تركت الأصنام بل كسرت، أخذ الجو يرتج بأصوات التوحيد، وسمع الأذان للصلوات يشق أجواء الفضاء خلال الصحراء التي أحياها الإيمان الجديد، وانطلق القراء شمالاً وجنوباً، يتلون آيات الكتاب، ويقيمون أحكام اللّه‏.‏
    وتوحدت الشعوب والقبائل المتناثرة، وخرج الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة اللّه، فليس هناك قاهر ومقهور، وسادات وعبيد، وحكام ومحكومون، وظالم ومظلوم، وإنما الناس كلهم عباد اللّه، إخوان متحابون، متمثلون لأحكامه، أذهب اللّه عنهم عُبِّيَّةَ الجاهلية ونخوتها وتعاظمها بالآباء، ولم يبق هناك فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم من تراب‏.‏
    وهكذا تحققت ـ بفضل هذه الدعوة ـ الوحدة العربية، والوحدة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، والسعادة البشرية في قضاياها ومشاكلها الدنيوية، وفي مسائلها الأخروية، فتقلب مجري الأيام، وتغير وجه الأرض، وانعدل خط التاريخ، تبدلت العقلية‏.‏
    إن العالم كانت تسيطر عليه روح الجاهلية ـ قبل هذه الدعوة ـ ويتعفن ضميره، وتأسن روحه، وتختل فيه القيم والمقاييس، ويسوده الظلم والعبودية، وتجتاحه موجة من الترف الفاجر والحرمان التاعس، وتغشاه غاشية الكفر والضلال والظلام، على الرغم من الديانات السماوية، التي كانت قد أدركها التحريف، وسري فيها الضعف، وفقدت سيطرتها على النفوس، واستحالت طقوساً جامدة، لا حياة فيها ولا روح‏.‏
    فلما قامت هذه الدعوة بدورها في حياة البشرية، خلصت روح البشر من الوهم والخرافة، ومن العبودية والرق، ومن الفساد والتعفن، ومن القذارة والانحلال، وخلصت المجتمع الإنساني من الظلم والطغيان، ومن التفكك والانهيار، ومن فوارق الطبقات، واستبداد الحكام، واستذلال الكهان، وقامت ببناء العالم على أسس من العفة والنظافة، والإيجابية والبناء، والحرية والتجدد، ومن المعرفة واليقين، والثقة والإيمان، والعدالة والكرامة، ومن العمل الدائب لتنمية الحياة، وترقية الحياة، وإعطاء كل ذي حق حقه في الحياة‏.‏
    وبفضل هذه التطورات شاهدت الجزيرة العربية نهضة مباركة لم تشاهد مثلها منذ نشأ فوقها العمران، ولم يتألق تاريخها تألقه في هذه الأيام الفريدة من عمرها‏.‏

    حجـة الــوداع

    تمت أعمال الدعوة، وإبلاغ الرسالة، وبناء مجتمع جديد على أساس إثبات الألوهية للّه، ونفيها عن غيره، وعلى أساس رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن هاتفاً خفياً انبعث في قلب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، يشعره أن مقامه في الدنيا قد أوشك على النهاية، حتى إنه حين بعث معاذا على اليمن سنة 01هـ قال له ـ فيما قال‏:‏ ‏(‏يا معاذ، إنك عسي ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري‏)‏، فبكي معاذا خشعاً لفراق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏
    وشاء اللّه أن يري رسوله صلى الله عليه وسلم ثمار دعوته، التي عاني في سبيلها ألواناً من المتاعب بضعاً وعشرين عاماً، فيجتمع في أطراف مكة بأفراد قبائل العرب وممثليها، فيأخذوا منه شرائع الدين وأحكامه، ويأخذ منهم الشهادة على أنه أدي الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة‏.‏
    أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بقصده لهذه الحجة المبرورة المشهودة، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم للرحيل ، فتَرَجَّل وادَّهَنَ ولبس إزاره ورداءه وقَلَّد بُدْنَه، وانطلق بعد الظهر، حتى بلغ ذا الحُلَيْفَة قبل أن يصلي العصر، فصلاها ركعتين، وبات هناك حتى أصبح‏.‏ فلما أصبح قال لأصحابه‏:‏ ‏(‏أتاني الليلة آت من ربي فقال‏:‏ صَلِّ في هذا الوادي المبارك وقل‏:‏ عمرة في حجة‏)‏‏.‏
    وقبل أن يصلي الظهر اغتسل لإحرامه، ثم طيبته عائشة بيدها بذَرِيَرة وطيب فيه مِسْك، في بدنه ورأسه، حتى كان وبَيِصُ الطيب يري في مفارقه ولحيته، ثم استدامه ولم يغسله، ثم لبس إزاره ورداءه، ثم صلي الظهر ركعتين، ثم أهل بالحج والعمرة في مُصَلاَّه، وقَرَن بينهما، ثم خرج، فركب القَصْوَاءَ، فأهَلَّ أيضاً، ثم أهَلَّ لما استقلت به على البَيْدَاء‏.‏
    ثم واصل سيره حتى قرب من مكة، فبات بذي طُوَي، ثم دخل مكة بعد أن صلي الفجر واغتسل من صباح يوم الأحد لأربع ليال خلون من ذي الحجة سنة 01هـ ـ وقد قضي في الطريق ثماني ليال، وهي المسافة الوسطي ـ فلما دخل المسجد الحرام طاف بالبيت، وسعي بين الصفا والمروة، ولم يَحِلَّ ؛لأنه كان قارناً قد ساق معه الهدي، فنزل بأعلى مكة عند الحَجُون، وأقام هناك، ولم يعد إلى الطواف غير طواف الحج‏.‏
    وأمر من لم يكن معه هَدْي من أصحابه أن يجعلوا إحرامهم عمرة، فيطوفوا بالبيت وبين الصفا المروة، ثم يحلوا حلالاً تاماً، فترددوا، فقال‏:‏ ‏(‏لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت‏)‏، فحل من لم يكن معه هدي، وسمعوا وأطاعوا‏.‏
    وفي اليوم الثامن من ذي الحجة ـ وهو يوم التَّرْوِيَة ـ توجه إلى مني، فصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ـ خمس صلوات ـ ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، فأجاز حتى أتي عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بَنَمِرَة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس أمر بالقَصْوَاء فرحلت له، فأتي بطن الوادي، وقد اجتمع حوله مائة ألف وأربعة وعشرون أو أربعة وأربعون ألفاً من الناس، فقام فيهم خطيباً، وألقى هذه الخطبة الجامعة‏:‏
    ‏(‏أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً‏)‏‏.‏
    ‏(‏إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا‏.‏ ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ـ وكان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هُذَيْل ـ وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله‏)‏‏.‏
    ‏(‏فاتقوا اللّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللّه، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مُبَرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف‏)‏‏.‏
    ‏(‏وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب اللّه‏)‏‏.‏
    ‏(‏أيها الناس، إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، وتحجون بيت ربكم، وأطيعوا أولات أمركم، تدخلوا جنة ربكم‏)‏‏.‏
    ‏(‏وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت‏.‏
    فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس‏:‏ ‏(‏اللهم اشهد‏)‏ ثلاث مرات‏.‏
    وكان الذي يصرخ في الناس بقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ـ وهو بعرفة ـ ربيعة بن أمية ابن خَلَف‏.‏
    وبعد أن فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من إلقاء الخطبة نزل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏، ولما نزلت بكي عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما يبكيك‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص، فقال‏:‏ ‏(‏صدقت‏)‏‏.‏
    وبعد الخطبة أذن بلال ثم أقام، فصلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، ثم أقام فصلي العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب حتى أتي الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّخَرَات ، وجعل حَبْل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القُرْص‏.‏
    وأردف أسامة، ودفع حتى أتي المُزْدَلِفَة، فصلي بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلي الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتي المَشْعَرَ الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه، وكبره، وهلّله، ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسْفَر جِدّا‏.‏
    فَدَفَع ـ من المزدلفة إلى مني ـ قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس حتى أتي بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطي التي تخرج على الجمرة الكبري، حتى أتي الجمرة التي عند الشجرة ـ وهي الجمرة الكبري نفسها، كانت عندها شجرة في ذلك الزمان، وتسمي بجمرة العَقَبَة وبالجمرة الأولي ـ فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصي الخَذْف، رمي من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده، ثم أعطي علياً فنحر ما غَبَرَ ـ وهي سبع وثلاثون بدنة، تمام المائة ـ وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قِدْر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مَرَقِها‏.‏
    ثم ركب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فأفاض إلى البيت، فصلي بمكة الظهر، فأتي على بني المطلب يَسْقُون على زمزم، فقال‏:‏ ‏(‏انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم‏)‏، فناولوه دلواً فشرب منه‏.‏
    وخطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ـ عاشر ذي الحجة ـ أيضاً حين ارتفع الضحي، وهو على بغلة شَهْبَاء، وعلى يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد ، وأعاد في خطبته هذه بعض ما كان ألقاه أمس، فقد روي الشيخان عن أبي بكرة قال‏:‏ خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، قال‏:‏ ‏(‏إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مُضَر الذي بين جمادي وشعبان‏)‏‏.‏
    وقال‏:‏ ‏(‏أي شهر هذا‏؟‏‏)‏ قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال‏:‏ ‏(‏أليس ذا الحجة‏؟‏‏)‏ قلنا‏:‏ بلي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أي بلد هذا‏؟‏‏)‏ قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال‏:‏ ‏(‏أليست البلدة‏؟‏‏)‏ قلنا‏:‏ بلي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فأي يوم هذا‏؟‏‏)‏ قلنا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ فسكت حتى ظننا أنه سيسمية بغير اسمه، قال‏:‏ ‏(‏أليس يوم النحر‏؟‏‏)‏ قلنا‏:‏ بلي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا‏)‏‏.‏
    ‏(‏وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض‏)‏‏.‏
    ‏(‏ألا هل بلغت‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏(‏اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوعي من سامع‏)‏‏.‏
    وفي رواية أنه قال في تلك الخطبة‏:‏ ‏(‏ألا لا يجني جَانٍ إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يُعْبَد في بلدكم هذا أبداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به‏)‏‏.‏
    وأقام أيام التشريق بمني يؤدي المناسك ويعلم الشرائع، ويذكر الله، ويقيم سنن الهدي من ملة إبراهيم، ويمحو آثار الشرك ومعالمها‏.‏
    وقد خطب في بعض أيام التشريق أيضاً، فقد روي أبو داود بإسناد حسن عن سَرَّاءِ بنت نَبْهَانَ قالت‏:‏ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرءوس، فقال‏:‏ ‏(‏أليس هذا أوسط أيام التشريق‏)‏‏.‏ وكانت خطبته في هذا اليوم مثل خطبته يوم النحر، ووقعت هذه الخطبة عقب نزول سورة النصر‏.‏
    وفي يوم النَّفْر الثاني ـ الثالث عشر من ذي الحجة ـ نفر النبي صلى الله عليه وسلم من مني، فنزل بخِيف بني كِنَانة من الأبْطَح، وأقام هناك بقية يومه ذلك، وليلته، وصلي هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة، ثم ركب إلى البيت، فطاف به طواف الوداع، وأمر به الناس‏.‏
    ولما قضي مناسكه حث الركاب إلى المدينة المطهرة، لا ليأخذ حظاً من الراحة، بل ليستأنف الكفاح والكدح لله وفي سبيل الله‏.‏

    آخر البعوث‏

    كانت كبرياء دولة الرم قد جعلتها تأبي حق الحياة على من آمن بالله ورسوله، وحملها على أن تقتل من أتباعها من يدخل في الإسلام، كما فعلت بفَرْوَة بن عمرو الجُذَامِي، الذي كان والياً على مَعَان من قبل الروم‏.‏
    ونظراً إلى هذه الجراءة والغطرسة، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهز جيشاً كبيراً في صفر سنة 11هـ، وأمر عليه أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يوطئ الخيل تُخُوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، يبغي بذلك إرهاب الروم وإعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود، حتى لا يحسبن أحد أن بطش الكنيسة لا معقب له، وأن الدخول في الإسلام يجر على أصحابه الحتوف فحسب‏.‏
    وتكلم الناس في قائد الجيش لحداثة سنه، واستبطأوا في بعثه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله، إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان من أحب الناس إلى، و إن هذا من أحب الناس إلى بعده‏)‏‏.‏
    وانتدب الناس يلتفون حول أسامة، وينتظمون في جيشة، حتى خرجوا ونزلوا الجُرْف، على فَرْسَخ من المدينة، إلا أن الأخبار المقلقة عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ألزمتهم التريث، حتى يعرفوا ما يقضي الله به، وقد قضي الله أن يكون هذا أول بعث ينفذ في خلافة أبي بكر الصديق‏.‏

  2. #42
    الصورة الرمزية أسد الدين
    أسد الدين غير متواجد حالياً مدير المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    1,800
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    16-12-2017
    على الساعة
    07:34 PM

    افتراضي

    35- إلى الرفيق الأعلى

    طلائع التوديع‏

    ولما تكاملت الدعوة وسيطر الإسلام على الموقف، أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء تطلع من مشاعره صلى الله عليه وسلم، وتتضح بعباراته وأفعاله‏.‏
    إنه اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوماً، بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب، وتدارسه جبريل القرآن مرتين، وقال في حجة الوداع‏:‏ ‏(‏إني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً‏)‏، وقال وهو عند جمرة العقبة‏:‏ ‏(‏خذوا عني مناسككم، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا‏)‏، وأنزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع وأنه نعيت إليه نفسه‏.‏
    وفي أوائل صفر سنة 11 هـ خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد، فصلي على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، ثم انصرف إلى المنبر فقال‏:‏ ‏(‏إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها‏)‏‏.‏
    وخرج ليلة ـ في منتصفها ـ إلى البَقِيع، فاستغفر لهم، وقــال‏:‏ ‏(‏السلام عليكـم يـا أهل المقابر، لِيَهْنَ لكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، والآخرة شر من الأولي‏)‏، وبشرهم قائلاً‏:‏ ‏(‏إنا بكم للاحقون‏)‏‏.‏

    بـدايـة المـرض‏‏

    وفي اليوم الثامن أو التاسع والعشرين من شهر صفر سنة11هـ ـ وكان يوم الاثنين ـ شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة في البقيع، فلما رجع، وهو في الطريق أخذه صداع في رأسه، واتقدت الحرارة، حتى إنهم كانوا يجدون سَوْرَتَها فوق العِصَابة التي تعصب بها رأسه‏.‏
    وقد صلي النبي صلى الله عليه وسلم بالناس وهو مريض 11 يوماً، وجميع أيام المرض كانت 31، أو 41 يوماً‏.‏

    الأسبوع الأخير‏‏

    وثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم المرض، فجعل يسأل أزواجه‏:‏ ‏(‏أين أنا غداً‏؟‏ أين أنا غداً‏؟‏‏)‏ ففهمن مراده، فأذن له يكون حيث شاء، فانتقل إلى بيت عائشة يمشي بين الفضل بن عباس وعلى بن أبي طالب، عاصباً رأسه، تخط قدماه حتى دخل بيتها، فقضي عندها آخر أسبوع من حياته‏.‏
    وكانت عائشة تقرأ بالمعوذات والأدعية التي حفظتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تنفث على نفسه، وتمسحه بيده رجاء البركة‏.‏

    قبل الوفاة بخمسة أيام‏‏

    ويوم الأربعاء قبل خمسة أيام من الوفاة، اتقدت حرارة العلة في بدنه، فاشتد به الوجع وغمي، فقال‏:‏ ‏(‏هريقوا علي سبع قِرَب من آبار شتي، حتى أخرج إلى الناس، فأعهد إليهم‏)‏، فأقعدوه في مِخَضَبٍ ، وصبوا عليه الماء حتى طفق يقول‏:‏ ‏(‏حسبكم، حسبكم‏)‏‏.‏
    وعند ذلك أحس بخفة، فدخل المسجد متعطفاً ملحفة على منكبيه، قد عصب رأسه بعصابة دسمة حتى جلس على المنبر، وكان آخر مجلس جلسه، فحمد الله وأثني عليه، ثم قال‏:‏ ‏(‏أيها الناس، إلي‏)‏، فثابوا إليه، فقال ـ فيما قال‏:‏ ‏(‏لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏ ـ وفي رواية‏:‏ ‏(‏قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏ ـ وقال‏:‏ ‏(‏لا تتخذوا قبري وثناً يعبد‏)‏‏.‏
    وعرض نفسه للقصاص قائلاً‏:‏ ‏(‏من كنت جلدت له ظَهْرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عِرْضاً فهذا عرضي فليستقد منه‏)‏‏.‏
    ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر، وعاد لمقالته الأولي في الشحناء وغيرها‏.‏ فقال رجل‏:‏ إن لي عندك ثلاثة دراهم، فقال‏:‏ ‏(‏أعطه يا فضل‏)‏، ثم أوصي بالأنصار قائلاً‏:‏
    ‏(‏أوصيكم بالأنصار، فإنهم كِرْشِي وعَيْبَتِي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من مُحْسِنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم‏)‏، وفي رواية أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الناس يكثرون، وتَقِلُّ الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم‏)‏‏.‏
    ثم قال‏:‏ ‏(‏إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده‏)‏‏.‏ قال أبو سعيد الخدري‏:‏ فبكي أبو بكر‏.‏ قال‏:‏ فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، فقال الناس‏:‏ انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا، وبين ما عنده، وهو يقول‏:‏ فديناك بآبائنا وأمهاتنا‏.‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا‏.‏
    ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن من أمنّ الناس على في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لا تخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر‏)‏‏.‏

    قبل أربعة أيام‏

    ويوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام قال ـ وقد اشتد به الوجع‏:‏ ‏(‏هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده‏)‏ ـ وفي البيت رجال فيهم عمر ـ فقال عمر‏:‏ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبكم كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول‏:‏ قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قوموا عني‏)‏‏.‏
    وأوصى ذلك اليوم بثلاث‏:‏ أوصي بإخراج اليهود والنصاري والمشركين من جزيرة العرب، وأوصي بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم، أما الثالث فنسيه الراوي‏.‏ ولعله الوصية بالاعتصام بالكتاب والسنة، أو تنفيذ جيش أسامة، أو هي‏:‏ ‏(‏الصلاة وما ملكت أيمانكم‏)‏‏.‏
    والنبي صلى الله عليه وسلم مع ما كان به من شدة المرض كان يصلي بالناس جميع صلواته حتى ذلك اليوم ـ يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام ـ وقد صلي بالناس ذلك اليوم صلاة المغرب، فقرأ فيها بالمرسلات عرفاً‏.‏
    وعند العشاء زاد ثقل المرض، بحيث لم يستطع الخروج إلى المسجد‏.‏ قالت عائشة‏:‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أصَلَّى الناس‏؟‏‏)‏ قلنا‏:‏ لا يا رسول الله، وهم ينتظرونك‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ضعوا لي ماء في المِخْضَب‏)‏، ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه‏.‏ ثم أفاق، فقال‏:‏ ‏(‏أصلى الناس‏؟‏‏)‏ ـ ووقع ثانياً وثالثاً ما وقع في المرة الأولي من الاغتسال ثم الإغماء حينما أراد أن ينوء ـ فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فصلي أبو بكر تلك الأيام 17 صلاة في حياته صلى الله عليه وسلم، وهي صلاة العشاء من يوم الخميس، وصلاة الفجر من يوم الإثنين، وخمس عشرة صلاة فيما بينها‏.‏
    وراجعت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث أو أربع مرات ؛ ليصرف الإمامة عن أبي بكر حتى لا يتشاءم به الناس ، فأبي وقال‏:‏ ‏(‏إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس‏)‏‏.‏

    قبل ثلاثة أيام‏

    قال جابر‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاث وهو يقول‏:‏ ‏(‏ألا لا يموت أحد منكم إلا وهو يحسن الظـن بالله‏)‏‏.‏

    قبل يوم أو يومين‏‏

    ويوم السبت أو الأحد وجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة، فخرج بين رجلين لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه بألا يتأخر، قال‏:‏ ‏(‏أجلساني إلى جنبه‏)‏، فأجلساه إلى يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمع الناس التكبير‏.‏

    قبل يوم‏

    وقبل يوم من الوفاة ـ يوم الأحد ـ أعتق النبي صلى الله عليه وسلم غلمانه، وتصدق بستة أو سبعة دنانير كانت عنده ، ووهب للمسلمين أسلحته، وفي الليل أرسلت عائشة بمصباحها امرأة من النساء وقالت‏:‏ أقطري لنا في مصباحنا من عُكَّتِك السمن ، وكانت درعه صلى الله عليه وسلم مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من الشعير‏.‏

    آخر يوم من الحياة‏

    روي أنس بن مالك‏:‏ أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجـر من يوم الاثنين ـ وأبو بكر يصلي بهم ـ لم يفجأهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ؛ ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة‏.‏ فقال أنس‏:‏ وهَمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فَرَحًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليهم بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخي الستر‏.‏
    ثم لم يأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت صلاة أخرى‏.‏
    ولما ارتفع الضحى، دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة فسَارَّها بشيء فبكت، ثم دعاها، فسارها بشيء فضحكت، قالت عائشة‏:‏ فسألنا عن ذلك ـ أي فيما بعد ـ فقالت‏:‏ سارني النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت‏.‏
    وبشر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بأنها سيدة نساء العالمين‏.‏
    ورأت فاطمة ما برسول الله صلى الله عليه وسلم من الكرب الشديد الذي يتغشاه‏.‏
    فقالت‏:‏ وا كرب أباه‏.‏ فقال لها‏:‏ ‏(‏ليس على أبيك كرب بعد اليوم‏)‏‏.‏
    ودعا الحسن والحسين فقبلهما، وأوصي بهما خيراً، ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن‏.‏
    وطفق الوجع يشتد ويزيد، وقد ظهر أثر السم الذي أكله بخيبر حتى كان يقول‏:‏ ‏(‏يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبْهَرِي من ذلك السم‏)‏‏.‏
    وقد طرح خَمِيصَة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك ـ وكان هذا آخر ما تكلم وأوصي به الناس‏:‏ ‏(‏لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ـ يحذر ما صنعوا ـ لا يبقين دينان بأرض العرب‏)‏‏.‏
    وأوصى الناس فقال‏:‏ ‏(‏الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم‏)‏، كــرر ذلك مــراراً‏.‏

    الاحتضار‏

    وبدأ الاختصار فأسندته عائشة إليها، وكانت تقول‏:‏ إن من نعم الله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سَحْرِي ونَحْرِي، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته‏.‏ دخل عبد الرحمن ـ بن أبي بكر ـ وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت‏:‏ آخذه لك‏؟‏ فأشار برأسه أن نعم‏.‏ فتناولته فاشتد عليه، وقلت‏:‏ ألينه لك‏؟‏ فأشار برأسه أن نعم‏.‏ فلينته، فأمره ـ وفي رواية أنه استن به كأحسن ما كان مستنا ـ وبين يديه رَكْوَة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح به وجهه، يقول‏:‏ ‏(‏لا إله إلا الله، إن للموت سكرات‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏
    وما عدا أن فرغ من السواك حتى رفع يده أو أصبعه، وشخص بصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة وهو يقول‏:‏ ‏(‏مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلي‏.‏ اللهم، الرفيق الأعلي‏)‏‏.‏
    كرر الكلمة الأخيرة ثلاثاً، ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلي‏.‏ إنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏
    وقع هذا الحادث حين اشتدت الضحي من يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ، وقد تم له صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة وزادت أربعة أيام‏.‏

    تفاقم الأحزان على الصحابة‏‏

    وتسرب النبأ الفادح، وأظلمت على أهل المدينة أرجاؤها وآفاقها‏.‏ قال أنس‏:‏ ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
    ولما مات قالت فاطمة‏:‏ يا أبتاه، أجاب ربا دعاه‏.‏ يا أبتاه، مَنْ جنة الفردوس مأواه‏.‏ يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه‏.‏

    موقف عمر‏

    ووقف عمر بن الخطاب يقول‏:‏ إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسي بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل‏:‏ قد مات‏.‏
    ووالله، ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات‏.‏

    موقف أبي بكر‏‏

    وأقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسُّنْح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مغشي بثوب حِبَرَة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله وبكي، ثم قال‏:‏ بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مِتَّهَا‏.‏
    ثم خرج أبو بكر، وعمر يكلم الناس، فقال‏:‏ اجلس يا عمر، فأبي عمر أن يجلس، فتشهد أبو بكر، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر‏:‏
    أما بعد، من كان منكم يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله‏:‏ ‏{‏وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏144‏]‏‏.‏
    قال ابن عباس‏:‏ والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها‏.‏
    قال ابن المسيب‏:‏ قال عمر‏:‏ والله، ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعرفت أنه الحق، فعقرت حتى ما تُقُلِّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات‏.‏

    التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الأرض‏‏

    ووقع الخلاف في أمرالخلافة قبل أن يقوموا بتجهيزه صلى الله عليه وسلم، فجرت مناقشات ومجادلات وحوار وردود بين المهاجرين والأنصار في سَقِيفة بني ساعدة، وأخيرًا اتفقوا على خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ومضي في ذلك بقية يوم الاثنين حتى دخل الليل، وشغل الناس عن جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان آخر الليل ـ ليلة الثلاثاء ـ مع الصبح، وبقي جسده المبارك على فراشه مغشي بثوب حِبَرَة، قد أغلق دونه الباب أهله‏.‏
    ويوم الثلاثاء غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يجردوه من ثيابه، وكان القائمون بالغسل‏:‏ العباس وعليّا، والفضل وقُثَم ابني العباس، وشُقْرَان مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسامة بن زيد، وأوس بن خَوْلي، فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعلى يغسله، وأوس أسنده إلى صدره‏.‏
    وقد غسل ثلاث غسلات بماء وسِدْر، وغسل من بئر يقال لها‏:‏ الغَرْس لسعد بن خَيْثَمَة بقُبَاء وكان يشرب منها‏.‏
    ثم كفنوه في ثلاثة أثواب يمانية بيض سَحُولِيَّة من كُرْسُف، ليس فيها قميص ولا عمامة‏.‏ أدرجوه فيها إدراجًا‏.‏
    واختلفوا في موضع دفنه، فقال أبو بكر‏:‏ إني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏ما قبض نبي إلا دفن حيث يـقبض‏)‏، فرفع أبو طلحة فراشه الذي توفي عليه، فحفر تحته، وجعل القبر لحداً‏.‏
    ودخل الناس الحجرة أرسالاً، عشرة فعشرة، يصلون على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أفذاذاً، لا يؤمهم أحد، وصلي عليه أولاً أهل عشيرته، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الصبيان، ثم النساء، أو النساء ثم الصبيان‏.‏
    ومضى في ذلك يوم الثلاثاء كاملاً، ومعظم ليلة الأربعاء، قالت عائشة‏:‏ ما علمنا بدفن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المسَاحِي من جوف الليل ـ وفي رواية‏:‏ من آخر الليل ـ ليلة الأربعاء‏.

  3. #43
    الصورة الرمزية أسد الدين
    أسد الدين غير متواجد حالياً مدير المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    1,800
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    16-12-2017
    على الساعة
    07:34 PM

    افتراضي

    36- البيت النبوي

    1- كان البيت النبوي في مكة قبل الهجرة يتألف منه عليه الصلاة والسلام، ومن زوجته خديجة بنت خويلد، تزوجها وهو في خمس وعشرين من سنه، وهي في الأربعين، وهي أول من تزوجه من النساء، ولم يتزوج عليها غيرها، وكان له منها أبناء وبنات، أما الأبناء ، فلم يعش منهم أحد ، وأما البنات فهن ‏:‏ زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، فأما زينب فتزوجها قبل الهجرة ابن خالتها‏,‏ أبوالعاص بن الربيع، وأما رقية وأم كلثوم فقد تزوجهما عثمان بن عفان رضي الله عنه الواحدة بعد الأخرى، وأما فاطمة فتزوجها على بن أبي طالب بين بدر وأحد، ومنها كان الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم‏.‏
    ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمتاز عن أمته بحل التزوج بأكثر من أربع زوجات لأغراض كثيرة، فكان عدد من عقد عليهن ثلاثة عشرة امرأه، منهن تسع مات عنهن، واثنتان توفيتا في حياته، إحداهما خديجة، والأخرى أم المساكين زينب بنت خريمة، واثنتان لم يدخل بهما، وها هي أسماؤهن وشيء عنهن‏.‏
    2- سودة بنت زمعة، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة عشر من النبوة، بعد وفاة خديجة بنحو شهر، وكانت قبله عند ابن عم لها يقال له‏:‏ السكران بن عمرو، فمات عنها‏.‏ توفيت بالمدينة في شوال سنة54هـ ‏.‏
    3ـ عائشة بنت أبي بكر الصديق، تزوجها في شوال سنة إحدى عشرة من النبوة، بعد زواجه بسودة بسنة، وقبل الهجرة بسنتين وخمسة أشهر، تزوجها وهي بنت ست سنين، وبني بها في شوال بعد الهجرة بسبعة أشهر في المدينة، وهي بنت تسع سنين، وكانت بكراً ولم يتزوج بكراً غيرها، وكانت أحب الخلق إليه، وأفقه نساء الأمة، وأعلمهن على الإطلاق، فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ‏.‏ توفيت في 17رمضان سنة 57هـ أو 58 هـ ودفنت بالبقيع‏.‏
    4- حفصة بنت عمر بن الخطاب، تأيمت من زوجها خنيس بن خذافة السهمي بين بدر وأحد ،فلما حلت تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة 3هـ توفيت في شعبان سنة 45هـ بالمدينة ،ولها ستون سنة،ودفنت بالبقيع‏.‏
    5- زينب بنت خزيمة من بنى هلال بن عامر بن صعصة، وكانت تسمى أم المساكين، لرحمتها أياهم ورقتها عليهم، كانت تحت عبد الله بن جحش، فاستشهد في أحد، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة 4 هـ ‏.‏ ماتت بعد الزواج بنحو ثلاثة أشهرفي ربيع الآخر سنة 4هـ ، فصلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، ودفنت بالبقيع‏.‏
    6- أم سلمة هند بنت أبي أمية، كانت تحت أبي سلمة،وله منها أولاد، فمات عنها في جمادى الآخر سنة 4 هـ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من شوال السنة نفسها، وكانت من افقه النساء وأعقلهن‏.‏ توفيت سنة 59هـ، وقيل‏:‏ 62هـ ودفنت بالبقيع، ولها 84 سنة‏.‏
    7- زينب بنت جحش بن رباب من بنى أسد بن خزيمة، وهي بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت تحت زيد بن حارثة - الذي كان يعتبر ابنا للنبي صلى الله عليه وسلم - فطلقها زيد، فلما انقضت العدة أنزل الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم ‏{‏فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 37‏]‏، وفيها نزلت من سورة الأحزاب آيات فصلت قضية التبني - وسنأتي على ذكرها - تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة‏.‏ وقيل‏:‏ سنة 4هـ، وكانت أعبد النساء وأعظمهن صدقة، توفيت سنة 20هـ ولها 53 سنة‏.‏ وكانت أول أمهات المؤمنين وفاة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى عليها عمر بن الخطاب، ودفنت بالبقيع‏.‏
    8- جويرية بنت الحارث سيد بنى المصطلق من خزاعة، كانت في سبي بنى المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها، وتزوجها في شعبان سنة 6 هـ‏.‏ وقيل‏:‏ سنة 5هـ، فأعتق المسلمون مائة أهل بيت من بني المصطلق، وقالوا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت أعظم النساء بركة على قومها‏.‏ توفيت في ربيع الأول سنة 56هـ، وقيل‏:‏ 55 هـ‏.‏ ولها 65 سنة‏.‏
    9- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، كانت تحت عبيد الله بن جحش، فولدت له حبيبة فكنيت بها، وهاجرت معه إلى الحبشة، فارتد عبيد الله وتنصر، وتوفي هناك، وثبتت أم حبيبة على دينها وهجرتها، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أميه الضمري بكتابه إلى النجاشي في المحرم سنة 7 هـ‏.‏ خطب عليه أم حبيبة فزوجها إياه وأصدقها من عنده أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة‏.‏ فابتنى بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من خيبر‏.‏ توفيت سنة 42 هـ، أو 44هـ، أو 50هـ‏.‏
    10- صفية بنت حيي بن أخطب سيد بن النضير من بنى إسرائيل، كانت من سبي خيبر، فاصطفاها رسول الله صلى الله وعليه وسلم لنفسه، وعرض عليها الإسلام فأسلمت، فأعتقها وتزوجها بعد فتح خيبر سنة 7هـ، وابتنى بها بسد الصهباء على بعد 12 ميلا من خيبر في طريقه إلى المدينة‏.‏ توفيت سنة 50 هـ وقيل‏:‏ 52هـ، وقيل 36 هـ ودفنت بالبقيع‏.‏
    11- ميمونة بنت الحارث، أخت أم الفضل لبابة بنت الحارث، تزوجها في ذي القعدة سنة 7 هـ، في عمرة القضاء، بعد أن حل منها على الصحيح‏.‏
    وابتنى بها بسرف على بعد 9 أميال من مكة، وقد توفيت بسرف سنة 61 هـ، وقيل‏:‏ 63، وقيل‏:‏ 38 هـ ودفنت هناك، ولا يزال موضع قبرها معروفا‏.‏
    فهؤلاء إحدى عشرة سيدة تزوج بهن الرسول صلى الله عليه وسلم، وبنى بهن وتوفيت منهن اثنتان - خديجة وزينب أم المساكين - في حياته، وتوفي هو عن التسع البواقي‏.‏
    وأما الاثنتان اللتان لم يبن بهما، فواحدة من بنى كلاب، وأخرى من كندة، وهي المعروفة بالجونبة، وهناك خلافات لاحاجة إلى بسطها‏.‏
    وأما السراري فالمعروف أنه تسرى باثنتين إحداهما مارية القبطية، أهداها له المقوقس، فأولدها ابنه إبراهيم، الذي توفي صغيرا بالمدينة في حياته صلى الله عليه وسلم، في 28 / أو 29 من شهر شوال سنة 10 هـ وفق 27 يناير سنة 632م‏.‏
    والسرية الثانية هي ريحانة بنت زيد النضرية أو القرظية، كانت من سبايا قريظة، فاصطفاها لنفسه، وقيل‏:‏ بل هي من أزواجه صلى الله عليه وسلم، أعتقها فتزوجها‏.‏ والقول الأول رجحه ابن القيم‏.‏ وزاد أبو عبيدة اثنتين أخريين، جميلة أصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش‏.‏
    ومن نظر إلى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عرف جيداً أن زواجه بهذا العدد الكثير من النساء في أواخر عمره بعد أن قضى ما يقارب ثلاثين عاماً من ريعان شبابه وأجود أيامه مقتصرا على وجة واحدة شبه عجوز - خديجة ثم سودة - عرف أن هذا الزواج لم يكن لأجل أنه وجد بغته في نفسه قوة عارمة من الشبق، لا يصبر معها إلا بمثل هذا العدد الكثير من النساء؛ بل كانت هناك أغراض أخرى أجل وأعظم من الغرض الذي يحققه عامة الزواج‏.‏
    فاتجاه الرسول صلى الله عليه وصلى إلى مصاهرة أبي بكر وعمر بزواجه بعائشة وحفصة - وكذلك تزوجيه ابنته فاطمة بعلي بن أبي طالب، وتزويجه ابنتيه رقية ثم أم كلثوم بعثمان بن عفان - يشير إلى أنه يبغي من وراء ذلك توثيق الصلاة بالرجال الأربعة، الذي عرف بلاءهم وفداءهم للإسلام في الأزمات التي مرت به، وشاء الله أن يجتازها بسلام‏.‏
    وكان من تقاليد العرب الاحترام للمصاهرة، فقد كان الصهر عندهم بابا من أبواب التقرب بين البطون المختلفة، وكانوا يرون مناوأة ومحاربة الأصهار سبة وعاراً على أنفسهم، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بزواج عدة من أمهات المؤمنين أن يكسر سورة عداء القبائل للإسلام، ويطفئ حدة بغضائها، كانت أم سلمة من بنى مخزوم - حي أبي جهل وخالد بن الوليد - فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقف خالد من المسلمين موقفه الشديد بأحد، بل أسلم بعد مدة غير طويلة طائعا راغباً، وكذلك أبو سفيان لم يواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي محاربة بعد زواجه بابنته أم حبيبة، وكذلك لا نرى من قبيلتي بني المصطلق وبني النضير أي استفزاز وعداء بعد زواجه بجويرية وصفية؛ بل كانت جويرية أعظم النساء بركة على قومها، فقد أطلق الصحابة أسر مائة بيت من قومها حين تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا‏:‏ أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولا يخفي ما لهدا المن من الأثر البالغ في النفوس‏.‏
    وأكبر من كل ذلك وأعظم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بتزكية وتثقيف قوم لم يكونوا يعرفون شيئا من آداب الثقافة والحضارة والتقيد بلوازم المدينة، والمساهمة في بناء المجتمع وتعزيزه‏.‏
    والمبادئ التي كانت أسسا لبناء المجتمع الإسلامي، لم تكن تسمح للرجال أن يختلطوا بالنساء، فلم يكن يمكن تثقيفهن مباشرة مع المراعاة لهذه المبادئ، مع أن مسيس الحاجة إلى تثفيفهن مباشرة لم يكن أهون وأقل من الرجال، بل كان أشد وأقوى‏.‏
    وإذن فلم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم سبيل إلا أن يختار من النساء المختلفة الأعمار والمواهب ما يكفي لهذا الغرض، فيزكيهن ويربيهن، ويعلمهن الشرائع والأحكام، ويثقفهن بثقافة الإسلام حتى يعدهن؛ لتربية البدويات والحضريات، العجائر منهن والشابات، فيكفين مؤنة التبليغ في النساء‏.‏
    وقد كان لأمهات المؤمنين فضل كبير في نقل أحواله - صلى الله عليه وسلم - المنزلية للناس، خصوصاً من طالت حياته منهن كعائشة، فإنها روت كثيراً من افعاله وأقواله‏.‏
    وهناك نكاح واحد كان لنقض تقليد جاهلي متأصل، وهي قاعدة التبني‏.‏ وكان للمتبني عند العرب في الجاهلية جميع الحرمات والحقوق التي كانت للابن الحقيقي سواء بسواء‏.‏ وكانت قد تاصلت تلك القاعدة في القلوب، بحيث لم يكن محوها سهلاً، لكن كانت تلك القاعدة تعارض معارضة شديدة للأسس والمبادئ التي قررها الإسلام في النكاح والطلاق والميراث وغير ذلك من المعاملات، وكانت تلك القاعدة تجلب كثيرا من المفاسد والفواحش التي جاء الإسلام؛ ليمحوها عن المجتمع‏.‏
    وقدر الله أن يكون هدم تلك القاعدة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذاته الشريفة، وكانت ابنة عمته زينب بنت جحش، وكانت تحت زيد بن حارثة الذي كان يدعى زيد بن محمد، ولم يكن بينهما توافق، حتى هم زيد بطلاقها، وفاتح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عرف الرسول صلى الله عليه وسلم ـ إما بإشارات الظروف، وإما بإخبار الله عز وجل إياه ـ أن زيدا إن طلقها فسيؤمر هو صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها بعد انقضاء عدتها، وكان ذلك في ظروف حرجة من تألب المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وكان يخاف ـ إذا وقع هذا الزواج ـ دعاية المنافقين والمشركين واليهود، وما يثيرونه من الوساوس والخرافات ضده، وما يكون له من الأثر السيئ في نفوس ضعفاء المسلمين، فلما فاتح زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإرادته طلاق زينب أمره بأن يمسكها ولا يطلقها، وذلك لئلا تجئ له مرحلة هذا الزواج في تلك الظروف الصعبة‏.‏
    ولم يرض الله من رسوله صلى الله عليه وسلم،هذا التردد والخوف حتى عاتبه الله عليه بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 37‏]‏‏.‏
    وأخيرا طلقها زيد، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام فرض الحصار على بني قريظة بعد أن انقضت عدتها‏.‏ وكان الله قد أوجب عليه هذا النكاح، ولم يترك له خيارا ولا مجالا، حتى تولى الله ذلك النكاح بنفسه يقول‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 37‏]‏، وذلك ليهدم قاعدة التبني فعلاً كما هدمها قولا‏:‏ ‏{‏ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 5‏]‏، ‏{‏مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 40‏]‏‏.‏
    وكم التقاليد المتأصلة الجافة لا يمكن هدمها أو تعديلها لمجرد القول، بل لابد له من مقارنة فعل صاحب الدعوة، ويتضح ذلك بما صدر من المسلمين في عمرة الحديبية، كان هناك أولئك المسلمون الذين رآهم عروة بن مسعود الثقفي، لا يقع من النبي صلى الله عليه وسلم نخامة إلا في يد أحدهم، ورآهم يتبادرون إلى وضوئه حتى كادوا يقتتلون عليه، نعم كان أولئك الذين تسابقوا إلى البيعة على الموت أو على عدم الفرار تحت الشجرة، والذين كان فيهم مثل أبو بكر وعمر، لما أمر النبي صلى الله عليه وسم أولئك الصحابة المتفانين في ذاته - بعد عقد الصلح - أن يقوموا فينحروا هديهم لم يقم لامتثال أمره أحد، حتى أخذه القلق والاضطراب، ولكن لما أشارت عليه أم سلمة أن يقوم إلى هديه فينحر، ولا يكلم أحدا ففعل، تبادر الصحابة إلى اتباعه في فعله، فتسابقوا إلى نحر جزورهم‏.‏ وبهذا الحادث يتضح جليا ما هو الفرق بين أثري القول والفعل لهدم قاعدة راسخة‏.‏
    وقد أثر المنافقون وساوس كثيرة، وقاموا بدعايات كاذبة واسعة حول هذا النكاح، أثر بعضها في ضعفاء المسلمين، لا سيما أن زينب كانت خامسة أزواجه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يعرف المسلمون حل الزواج بأكثر من أربع نسوة وأن زيدا كان يعتبر ابنا للنبي صلى الله عليه وسلم، والزواج بزوجة الابن كان من أغلظ الفواحش، وقد أنزل الله في سورة الأحزاب حول الموضوعين ما شفى وكفى، وعلم الصحابة أن التبني ليس له أثر عند الإسلام، وأن الله تعالى وسع لرسوله صلى الله عليه وسلم في الزواج مالم يوسع لغيره، لأغراضهة النبيلة الممتازة‏.‏
    هذا، وكانت عشرته صلى الله عليه وسلم مع أمهات المؤمنين في غاية الشرف والنبل والسمو والحسن، كما كن في أعلى درجة من الشرف والقناعة والصبر والتواضع والخدمة والقيام بحقوق الزواج‏,‏ مع أنه كان في شظف من العيش لا يطيقه أحد‏.‏ قال أنس‏:‏ ما أعلم النبي صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرفقا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط‏.‏ وقالت عائشة‏:‏ إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار‏.‏ فقال لها عروة‏:‏ ما كان يعيشكم‏؟‏ قالت‏:‏ الأسودان؛ التمر والماء‏.‏ والأخبار بهذا الصدد كثيرة‏.‏
    ومع هذا الشظف والضيق لم يصدر منهن ما يوجب العتاب إلا مرة واحدة - حسب مقتضى البشرية، وليكون سببا لتشريع الأحكام - فأنزل الله آية التخيير {‏أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 28، 29‏]‏ وكان من شرفهن ونبلهن أنهن آثرن الله ورسوله، ولم تمل واحدة منهن إلى اختيار الدنيا‏.‏
    وكذلك لم يقع منهن ما يقع بين الضرائر ـ مع كثرتهن ـ إلا شيء يسير من بعضهن حسب اقتضاء البشرية، ثم عاتب الله عليه فلم يعدن له مرة أخرى وهو الذي ذكره الله في سورة التحريم بقوله ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}‏ إلى تمام الآية الخامسة‏.‏
    وأخيرا أرى أنه لا حاجة إلى البحث في موضوع مبدأ تعدد الزوجات، فمن نظر في حياة سكان اوروبا الذين يصدر منهم النكير الشديد على هذا المبدأ، ونظر إلى مايقاسون من الشقاوة والمرارة، وما يأتون من الفضائح والجرائم الشنيعة، وما يواجهون من البلايا والقلاقل لانحرافهم عن هذا المبدأ كفى له ذلك عن البحث والاستدلال، فحياتهم أصدق شاهد على عدالة هذا المبدأ، وإن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار‏.

  4. #44
    الصورة الرمزية أسد الدين
    أسد الدين غير متواجد حالياً مدير المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    1,800
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    16-12-2017
    على الساعة
    07:34 PM

    افتراضي

    37- الصفات والأخلاق

    كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز من جمال خَلْقه وكمال خُلُقه بما لا يحيط بوصفه البيان، وكان من أثره أن القلوب فاضت بإجلاله، والرجال تفانوا في حياطته وإكباره، بما لا تعرف الدنيا لرجل غيره، فالذين عاشروه أحبوه إلى حد الهيام، ولم يبالوا أن تندق أعناقهم ولا يخدش له ظُفْر، وما أحبوه كذلك إلا لأن أنصبته من الكمال الذي يحبب عادة لم يرزق بمثلها بشر‏.‏ وفيما يلي نورد ملخص الروايات في بيان جماله وكماله مع اعتراف العجز عن الإحاطة‏.‏

    جمال الخَلْق‏

    قالت أم مَعْبَدٍ الخزاعية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهي تصفه لزوجها، حين مر بخيمتها مهاجراً‏:‏ ظاهر الوَضَاءة، أبْلَجُ الوجه، حسن الخُلُق، لم تعبه ثُجْلَة، ولم تُزْرِ به صَعْلَة، وسِيم قَسِيم، في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وَطَف، وفي صوته صَهَل، وفي عنقه سَطَع، أحْوَر، أكْحَل، أزَجّ، أقْرَن، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلم علاه البَهَاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق، فَضْل، لا نَزْر ولا هَذَر، كأن منطقه خَرَزَات نظمن يَتَحدَّرن، رَبْعَة، لا تقحمه عين من قِصَر، ولا تشنؤه من طول، غُصْن بين غُصْنَيْن، فهو أنْظَر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدْرًا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، مَحْفُود، مَحْشُود، لا عَابِس ولا مُفَنَّد‏.‏
    وقال على بن أبي طالب ـ وهو ينعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لم يكن بالطويل المُمَغَّطِ، ولا القصير المتردد، وكان رَبْعَة من القوم، ولم يكن بالجَعْد القَطِطِ، ولا بالسَّبْط، رَجِلاً، ولم يكن بالمُطَهَّم، ولا بالمُكَلْثَم، وكان في الوجه تدوير، وكان أبيض مُشْرَبًا، أدْعَج العينين، أهْدَب الأشْفَار، جَلِيل المُشَاش والكَتَدِ، دقيق المسْرُبَة، أجْرَد، شَثْنُ الكفين والقدمين، إذا مشي تَقَلّع كأنما يمشي في صَبَب، وإذا التفت التفت معاً، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لَهْجَة، وأوفي الناس ذمة، وألينهم عَريكَة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته‏:‏ لم أر قبله ولا بعده مثله، صلى الله عليه وسلم‏.‏
    وفي رواية عنه‏:‏ أنه كان ضَخْم الرأس، ضخم الكَرَادِيس، طويل المَسْرُبَة، إذا مشي تَكَفَّأ تَكَفُّيًا كأنما يَنْحَطُّ من صَبَب‏.‏
    وقال جابر بن سَمُرة‏:‏ كان ضَلِيع الفم، أشْكَل العينين، مَنْهُوس العقبين‏.‏
    وقال أبو الطفيل‏:‏ كان أبيض، مَلِيح الوجه، مُقَصَّدًا‏.‏
    وقال أنس بن مالك‏:‏ كان بِسْطَ الكفين‏.‏ وقال‏:‏ كان أزْهَر اللون، ليس بأبيض أمْهَقَ، ولا آدَم، قُبض وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء‏.‏
    وقال‏:‏ إنما كان شيء ـ أي من الشيب ـ في صُدْغَيْه، وفـي رواية‏:‏ وفي الرأس نَبْذٌ‏.‏
    وقال أبو جُحَيْفة‏:‏ رأيت بياضاً تحت شفته السفلي، العَنْفَقَة‏.‏
    وقال عبد الله بن بُسْر‏:‏ كان في عنفقته شعرات بيض‏.‏
    وقال البراء‏:‏ كان مَرْبُوعًا، بَعِيدَ ما بين المَنْكِبَيْن، له شَعْر يبلغ شَحْمَة أذنيه، رأيته في حُلَّة حمراء، لم أر شيئاً قط أحسن منه‏.‏
    وكان يُسْدِل شعره أولاً لحبه موافقة أهل الكتاب، ثم فَرَق رأسه بعد‏.‏
    قال البراء‏:‏ كان أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خُلُقًا‏.‏
    وسئل‏:‏ أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف‏؟‏ قال‏:‏ لا بل مثل القمر‏.‏ وفي رواية‏:‏ كان وجهه مستديراً‏.‏
    وقالت الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ‏:‏ لو رأيته رأيت الشمس طالعة‏.‏
    وقال جابر بن سَمُرَة‏:‏ رأيته في ليلة إضْحِيَانٍ، فجعلت أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى القمر ـ وعليه حلة حمراء ـ فإذا هو أحسن عندي من القمر‏.‏
    وقال أبو هريرة‏:‏ ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنما الأرض تُطْوَي له، وإنا لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث‏.‏
    وقال كعب بن مالك‏:‏ كان إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر‏.‏
    وعرق مرة وهو عند عائشة رضي الله عنها يَخْصِفُ نعلاً، وهي تغزل غزلاً، فجعلت تبرق أسارير وجهه، فلما رأته بُهِتَتْ وقالت‏:‏ والله لو رآك أبو كَبِير الهُذَلي لعلم أنك أحق بشعره من غيرك‏:‏
    وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ** برقت كبرق العارض المتهلل
    وكان أبو بكر إذا رآه يقول‏:‏
    أمين مصطفى بالخير يدعو ** كضوء البدر زايله الظلام
    وكان عمر ينشد قول زهير في هَرِم بن سِنَان‏:‏
    لو كنت من شيء سوى البشر ** كنت المضيء لليلة البدر
    ثم يقول‏:‏ كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
    وكان إذا غضب احمر وجهه، حتى كأنما فقئ في وجنتيه حَبُّ الرمان‏.‏
    وقال جابر بن سَمُرَة‏:‏ كان في ساقيه حُمُوشة، وكان لا يضحك إلا تَبَسُّماً‏.‏ وكنت إذا نظرت إليه قلت‏:‏ أكْحَل العينين، وليس بأكحل‏.‏
    وقال عمر بن الخطاب‏:‏ وكان من أحسن الناس ثَغْراً‏.‏
    قال ابن عباس‏:‏ كان أفْلَجَ الثنيتين، إذا تكلم رؤي كالنور يخرج من بين ثناياه‏.‏
    وأما عُنُقه فكأنه جِيدُ دُمْيَةٍ في صفاء الفضة، وكان في أَشْفَاره عَطَف، وفي لحيته كثافة، وكان واسع الجبين، أزَجّ الحواجب في غير قرن بينهما، أقْنَي العِرْنِين، سَهْل الخَدَّيْن، من لُبَّتِه إلى سُرَّتِه شعر يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، أشْعَر الذراعين والمنكبين، سَوَاءُ البطن والصدر، مَسِيح الصدر عريضه، طويل الزَّنْد، رَحْب الراحة، سَبْط القَصَب، خُمْصَان الأخْمَصَيْن، سَائِل الأطراف، إذا زَالَ زَالَ قَلْعاً، يخطو تَكَفِّياً ويمشي هَوْناً‏.‏
    وقال أنس‏:‏ ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شممت ريحاً قط أو عَرْفاً قط، وفي رواية‏:‏ ما شممت عنبراً قط ولا مِسْكاً ولا شيئاً أطيب من ريح أو عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
    وقال أبو جُحَيْفة‏:‏ أخذت بيده، فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك‏.‏
    وقال جابر بن سمرة ـ وكان صبيا‏:‏ مسح خَدِّي فوجدت ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جُونَةِ عَطَّار‏.‏
    وقال أنس‏:‏ كأن عرقه اللؤلؤ‏.‏ وقالت أم سليم‏:‏ هو من أطيب الطيب‏.‏
    وقال جابر‏:‏ لم يسلك طريقاً فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عَرْفِه‏.‏ أو قال‏:‏ من ريح عرقه‏.‏
    وكان بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده، وكان عند نَاغِض كتفه اليسري جُمْعاً، عليه خِيَلان كأمثال الثَّآلِيل‏.‏

    كمال النفس ومكارم الأخلاق‏

    كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلامة طبع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي‏.‏
    وكان الحلم والاحتمال، والعفو عند المقدرة، والصبر على المكاره، صفاتٌ أدبه الله بها، وكل حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت عنه هَفْوَة، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يزد مع كثرة الأذي إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما، وقالت عائشة‏:‏ ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها‏.‏ وكان أبعد الناس غضباً، وأسرعهم رضاً‏.‏
    وكان من صفة الجود والكرم على مالا يقادر قدره، كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، قال ابن عباس‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة‏.‏ وقال جابر‏:‏ ما سئل شيئاً قط فقال‏:‏ لا‏.‏
    وكان من الشجاعة والنجدة والبأس بالمكان الذي لا يجهل، كان أشجع الناس، حضر المواقف الصعبة، وفر عنه الكماة والأبطال غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فَرَّة، وحفظت عنه جولة سواه، قال علي‏:‏ كنا إذا حمي البأس واحمرت الحَدَقُ، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه‏.‏ قال أنس‏:‏ فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عُرْي، في عنقه السيف، وهو يقول‏:‏ ‏(‏لم تُرَاعوا، لم تُرَاعوا‏)‏‏.‏
    وكان أشد الناس حياء وإغضاء، قال أبو سعيد الخدري‏:‏ كان أشد حياء من العذراء في خِدْرها، وإذا كره شيئاً عرف في وجهة‏.‏ وكان لا يثبت نظره في وجه أحد، خافض الطرف‏.‏ نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة، لا يشافه أحداً بما يكره حياء وكرم نفس، وكان لا يسمي رجلاً بلغ عنه شيء يكرهه، بل يقول‏.‏ ‏(‏ما بال أقوام يصنعون كذا‏)‏‏.‏

    وكان أحق الناس بقول الفرزدق‏:‏
    يغضي حياء ويغضي من مهابته ** فــلا يكلـم إلا حيـن يبتسـم
    وكان أعدل الناس، وأعفهم، وأصدقهم لهجة، وأعظمهم أمانة، اعترف له بذلك مجاوروه وأعداؤه، وكان يسمي قبل نبوته الأمين، ويُتَحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام، روي الترمذي عن على أن أبا جهل قال له‏:‏ إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى فيهم‏:‏ ‏{‏فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏33‏]‏‏.‏ وسأل هرقل أبا سفيان، هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏
    وكان أشد الناس تواضعاً، وأبعدهم عن الكبر، يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك، وكان يعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس في أصحابه كأحدهم، قالت عائشة‏:‏ كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته، وكان بشراً من البشر يَفْلِي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه‏.‏
    وكان أوفي الناس بالعهود، وأوصلهم للرحم، وأعظمهم شفقة ورأفة ورحمة بالناس، أحسن الناس عشرة وأدباً، وأبسط الناس خلقاً، أبعد الناس من سوء الأخلاق، لم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا لعاناً، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان لا يدع أحدا يمشي خلفه، وكان لا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس، ويخدم من خَدَمَه، ولم يقل لخادمه أف قط، ولم يعاتبه على فعل شيء أو تركه، وكان يحب المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيراً لفقره‏.‏ كان في بعض أسفارة فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل‏:‏ على ذبحها، وقال آخر‏:‏ على سلخها، وقال آخر على طبخها، فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وعلي جمع الحطب‏)‏، فقالوا‏:‏ نحن نكفيك‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏قد علمت أنكم تكفوني ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه‏)‏، وقام وجمع الحطب‏.‏
    ولنترك هند بن أبي هالة يصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال هند فيما قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ـ لا بأطراف فمه ـ ويتكلم بجوامع الكلم، فصلاً، لا فضول فيه ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لايذم شيئاً، ولم يكن يذم ذواقاً ـ ما يطعم ـ ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها ـ سماحة ـ وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام‏.‏
    وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه، يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره‏.‏
    يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره‏.‏
    الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة‏.‏
    كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن ـ لا يميز لنفسه مكاناً ـ إذا انتهي إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين، يتفاضلون عنده بالتقوي، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم ـ لا تخشي فلتاته ـ يتعاطفون بالتقوي، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب‏.‏
    كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صَخَّاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه‏.‏ قد ترك نفسه من ثلاث‏:‏ الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث‏:‏ لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا‏.‏ لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، يقول‏:‏ إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ‏.‏
    وقال خارجة بن زيد‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، كان ضحكه تبسماً، وكلامه فصلا لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم توقيراً له واقتداء به‏.‏
    وعلى الجملة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم محلي بصفات الكمال المنقطعة النظير، أدبه ربه فأحسن تأديبه، حتى خاطبه مثنياً عليه فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 4‏]‏، وكانت هذه الخلال مما قرب إليه النفوس، وحببه إلى القلوب، وصيره قائداً تهوي إليه الأفئدة، وألان من شكيمة قومه بعد الإباء، حتى دخلوا في دين الله أفواجاً‏.‏
    وهذه الخلال التي أتينا على ذكرها خطوط قصار من مظاهر كماله وعظيم صفاته، أما حقيقة ما كان عليه من الأمجاد والشمائل فأمر لا يدرك كنهه، ولا يسبر غوره، ومن يستطيع معرفة كنه أعظم بشر في الوجود بلغ أعلى قمة من الكمال، استضاء بنور ربه، حتى صار خلقه القرآن‏؟‏
    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حَميد مجيد‏.‏
    اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد‏.‏

  5. #45
    الصورة الرمزية أسد الدين
    أسد الدين غير متواجد حالياً مدير المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    1,800
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    16-12-2017
    على الساعة
    07:34 PM

    افتراضي

    تم بحمد الله تعالى ..

    اسأل الله رب العالمين ان يجعل هذا العمل خالصا لوجهه و ان ينفعنا بما علمنا ويعلمنا بما ينفعنا و يرزقنا الحياة على خطى الحبيب رسول الله صلى الله عليه و سلم

    اخوتي .. كم نحن بحاجة الى الاقتداء برسولنا الحبيب و اقتفاء اثره و الحياة على خطاه ..

    يوم ان خرج الرسول صلى الله عليه و سلم وحيدا طريدا يُتبع , مهدور الدم هو و اصحابه الى مصير مجهول ... من كان يظن ان يعود بجيش و يدخل مكة ظافرا في كتيبة الحديد مهللا مكبرا يزيل النجاسة و الشرك و يكسر الاصنام من حول الكعبة ... و يقيم للاسلام دولة في وسط صحراء تموج بالكفر .

    اخوتي .. اننا في امس الحاجة الى دراسة سيرة حبيبنا المصطفى صلى الله عليه و سلم, و اخذ العبر منها و تطبيقها في كل مجالات حياتنا , حتى نعيد باذن الواحد الاحد امجاد هذه الامة العظيمة .

    التمس من احد المشرفين جزاهم الله خيرا بعد اذنه , طلب تغيير اسم الموضوع الى : على خطى الحبيب .. قصص و عبر , من بستان اروع السير

    جزاكم الله خيرا
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    التعديل الأخير تم بواسطة أسد الدين ; 23-02-2007 الساعة 08:57 AM

  6. #46
    الصورة الرمزية السيف البتار
    السيف البتار غير متواجد حالياً مدير المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المشاركات
    14,148
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    14-12-2017
    على الساعة
    11:22 PM

    افتراضي

    جزاكم الله خير الجزاء
    إن كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليس رسول الله لمدة 23 عاماً .. فلماذا لم يعاقبه معبود الكنيسة ؟
    .
    والنَّبيُّ (الكاذب) والكاهنُ وكُلُّ مَنْ يقولُ: هذا وَحيُ الرّبِّ، أُعاقِبُهُ هوَ وأهلُ بَيتِهِ *
    وأُلْحِقُ بِكُم عارًا أبديُا وخزْيًا دائِمًا لن يُنْسى
    (ارميا 23:-40-34)
    وأيُّ نبيٍّ تكلَّمَ باَسْمي كلامًا زائدًا لم آمُرْهُ بهِ، أو تكلَّمَ باَسْمِ آلهةٍ أُخرى، فجزاؤُهُ القَتْلُ(تث 18:20)
    .
    .
    الموسوعة المسيحية العربية *** من كتب هذه الأسفار *** موسوعة رد الشبهات ***

  7. #47
    الصورة الرمزية نضال 3
    نضال 3 غير متواجد حالياً مشرفة منتديات الأسرة والمجتمع
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    7,555
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    26-02-2017
    على الساعة
    08:17 PM

    افتراضي

    [align=center]


    اخى الفاضل ...

    موضوع قيم

    جعله الله ثقلا فى موازين حسناتك




    توقيع نضال 3


    توقيع نضال 3

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي




    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  8. #48
    الصورة الرمزية mohamed mahmoud
    mohamed mahmoud غير متواجد حالياً طالب علم
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    166
    آخر نشاط
    24-02-2013
    على الساعة
    02:59 PM

    افتراضي


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    موضوع رائع يستحق القراءة اكثر من مرة

    جزاكم الله خير وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آلة وصحبِة وسلم

    أسألكـ بـ الله إستغفر الله لكـ ولى وللمُسلمين
    ولا تنسى أنــ تذكُر الله


  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    388
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    27-02-2011
    على الساعة
    10:57 AM

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا ونفع بكم الاسلام والمسلمين
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    May 2014
    المشاركات
    189
    آخر نشاط
    14-12-2017
    على الساعة
    03:12 PM

    افتراضي

    رضينا بالله رباً وبمحمد نبياً ورسولا صلى الله عليه وسلم

    موضوع مليئ بالدمعات ومليئ بالآهات

    63 سنه اختصرت في خمس صفحات

    جزاك الله خير الجزاء وثقل لك الميزان

    موضوع اقل ما يقال فيه راااااااائع
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

صفحة 5 من 5 الأولىالأولى ... 4 5

على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم ؛ قصص و عبر ؛ من بستان اروع السير

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. قالوا عن الحبيب صلى الله عليه وسلم ---- فديو وكتاب
    بواسطة eerree في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 03-01-2009, 09:35 AM
  2. مع الحبيب صلى الله عليه وسلم
    بواسطة المشتاقة للجنة في المنتدى منتدى الصوتيات والمرئيات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 23-05-2008, 05:50 PM
  3. مرئيات قناة الامة الفضائية للدفاع عن الحبيب صلى الله عليه و سلم ...
    بواسطة أسد الدين في المنتدى الرد على الأباطيل
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 19-07-2007, 09:53 AM
  4. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 30-01-2006, 05:44 PM
  5. لمحات من حياة الحبيب صلى الله علية وسلم
    بواسطة نورة في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 12-06-2005, 08:28 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم ؛ قصص و عبر ؛ من بستان اروع السير

على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم ؛ قصص و عبر ؛ من بستان اروع السير