حجية القرآن والسنة في باب العقيدة

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع الدعوة الإسلامية
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

حجية القرآن والسنة في باب العقيدة

النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: حجية القرآن والسنة في باب العقيدة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المشاركات
    98
    آخر نشاط
    07-01-2011
    على الساعة
    10:26 PM

    افتراضي حجية القرآن والسنة في باب العقيدة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنه لموقف يثير تساؤلا؟!!
    هل من الجائز أن يبحث مسلم استسلم لربه، وتعاليم نبيه عن حجية القرآن والسنة، أو عدم حجيتهما وهو لا يزال مسلما؟!!
    هل من الجائز أن يتوقف كاتب مسلم في صلاحية القرآن والسنة للاستدلال بهما في باب العقيدة، بينما هو يستدل بما يظن أنه معقول العقليين دون أدنى توقف؟!!
    الجواب: لا.
    إن هذه النهاية التي انتهى إليها أمر العقيدة الإسلامية هي التي تجعلنا نكتب تحت هذا العنوان حيث أصيب كثير من المثقفين من أبناء المسلمين باضطراب في عقائدهم. ذلك الاضطراب الذي أساسه إعراضهم عن كتاب ربهم، وسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام ، إذ صار حظهما عندهم تقديس ألفاظهما تقديساً شكلياً مع هجرانها في العمل والتحكيم وعدم الرجوع إليها لأخذ أسس العقيدة منهما.
    هما اتجاهان متناقضان: العناية التامة بألفاظ القرآن والسنة يحفظهما عن ظهر قلب، وطبعهما أحسن طباعة، ونشرهما بين القراء، وتخصيص مدارس ومعاهد وكليات لهما، وتخصيص إذاعة خاصة تعرف بـ(إذاعة القرآن الكريم) في بعض العواصم العربية والإسلامية، وهو أمر لم يسبق له نظير في التاريخ، وهو اتجاه كريم يستحق التقدير والإعجاب، ويقابل ذلك إعراض تام عنهما، وعزلهما عن حياة الأمة العامة والخاصة، مع الانحلال التام والبعد عن تعاليمهما ومبادئهما إلا من شاء الله، وقليل ما هم، وإذا أردنا أن نعرف تاريخ بدء هذا الانقسام، فلا بد من الرجوع إلى الوراء.
    وبعد نشأة (علم الكلام) في العصر العباسي، في أواخر عصر بني أمية انقسم الناس ثلاث فرق في هذا الباب:
    1- أتباع السلف الصالح التابعون لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سلك مسلكهم، واقتفى أثرهم من أهل الحديث في كل عصر ومصر، الذين نرجو أن يكونوا هم الفرقة الناجية. وطريقتهم الإيمان بكل ما جاء في الكتاب والسنة من شريعة وعقيدة، وإثبات صفات الله الواردة فيهما على ظاهرها اللائق بالله دون التورط في التأويل ظناً وتخميناً، ودون تشبيه وتمثيل جرأة على الله إذ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، وهم أيضاً يقولون بالآيات الكونية الدالة على وجود الله العليم الحكيم، وأفعاله الصادرة عن حكمة بالغة كما لا يهملون الأدلة العقلية، إذ لا يجوز تعطيل العقل في مجال العقيدة وغيرها، لأن العقل أساس التكليف، ومناط الأهلية، إلا أنه لا يجوز أن يتجاوز حدوده ويتجاهل وظيفته، ويجمح في مجال الخيال الفاسد، والأوهام الكاذبة بعيداً عن نور الوحي.
    والخيال والوهم لا يصلحان أساساً للعقيدة والمعرفة الصحيحة حتماً ، علماً بأن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح .
    2- فريق يؤمن بالجملة بالله وبكلامه (القرآن)، وبسنة نبيه إيماناً فاتراً خالياً عن الحرارة والحلاوة. وهذا الفريق يستدل على ما آمن به من كمالات الله - في حدود تصوره- بالأدلة العقلية التي يسميها بالبراهين القطعية، ولا يرى الاستدلال بأدلة الكتاب والسنة، بدعوى أنها أدلة ظنية لا تفيد العلم اليقيني. وهو موقف أهل الكلام بالجملة علماً بأنهم فرق شتى، وقد تسربت بعض عقائدهم، ودخلت على الأشاعرة المتأخرين من حيث لا يعلمون، وسيأتي تفاصيل ذلك إن شاء الله.
    3- فريق يبدأ عقيدته من ذهن خال، فيأخذ في التفكير والبحث الدقيق ليصل بتفكيره وبحثه إلى الإيمان، بعد أن يقطع أشواطاً طويلة في التأني والسير خطوة خطوة حتى يصل للإيمان بأي شيء، أدى إليه تفكيره، فيؤمن به ويسميه حقيقة. يشبه بعض الكتاب هذا الفريق بقاضٍ عدل عرضت عليه قضية ما وهو خالي الذهن، فجعل يستمع إلى أقوال الخصوم وحججهم، حتى يدرك موقع الحق من عرض حججهم، فيحكم بينهم بما أدى إليه اجتهاده، بعد ذلك العرض الطويل من أقوال الخصوم وحججهم، وهؤلاء هم الفلاسفة الذين يسمون أنفسهم (بالحكماء) في الوقت الذي يسمون فيه غيرهم بالعوام، وقد يثبتون واسطة أحياناً، وهم علماء الكلام كما يقول أبو الوليد بن رشد: (إن علماء الكلام ليسوا بالعلماء -الحكماء- وليسوا من العوام) بل يسميهم (جدليين).
    هكذا تفرق المسلمون في موقفهم من أدلة الكتاب والسنة، وهو الذي دعانا للكتابة في هذا الموضوع (حجية القرآن والسنة في مبحث العقيدة).
    وبعد: فالقرآن والسنة هما المصدران الأساسيان لكل بحث في العقيدة، لأنهما وحيان من الله، ويمثلان الرسالة التي كلف الله بها رسله المختارين من البشر، لتكون رابطة بين السماء والأرض، وتحمل إلى سكانها أخبار السماء، أحكاماً ربانية وتعليمات وتوجيهات إلهية.
    وقد كانت تلك الرسالات متحدة في أصول الدين والإلهيان، إذ كانت كلها تنادي أول ما تنادي: {اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ} .
    إذ كانت كلها تخرج من مشكاة واحد أي (من عند الله)، ولو كانت من مصادر متعددة لاختلفت وتضاربت، ولكنها كانت متنوعة ومختلفة في الشريعة والمناهج. حيث جعل الله لكل نبي ورسول شرعةً ومنهاجاً، يناسب أحوال وظروف أمته رحمة منه سبحانه ولطفاً، إنه لطيف بعباده.
    ولقد كان كل نبي يبعث إلى قومه وبلسان قومه في ضوء منهج معين، وتشريع محدود ومؤقت. {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} واستمرت هذه السنة هكذا مدة من الزمن طويلة لحكمة يعلمها العليم الحكيم {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} .
    ولما حان الوقت الذي أراد الله أن يختم فيه رسالاته إلى أهل الأرض اختار من بين عباده نبيه المصطفى محمداً من أمة أمية (العرب)، وقد كانت على فطرتها السليمة دون أن تتأثر بأي حضارة من الحضارات القائمة في ذلك الوقت، الحضارة الفارسية، والرومانية، والهندية، وغيرها، اختاره ليرسله إلى الناس كافة، وليختم به الرسالات، وبعد تمهيدات وإرهاصات مرّت عليه في صباه بعثه إلى الناس كافة، وأنزل عليه كتابه الأخير الذي ختم به الكتب السماوية (القرآن الكريم).
    وقد وصفه بأنه كتاب مبارك ، وأنه {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} . يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، ولقد تكفل الله حفظ هذا الكتاب، إذ يقول عز من قائل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، ووكل تبيانه إلى رسوله، وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، إذ يقول جل وعلا: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، وشهد له سبحانه أنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى في بيانه هذا وأداء أمانة الرسالة: {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} ، ولما كانت هذه مكانته وهذا شأنه أوجب الله طاعته، وحرم معصيته، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، إذ يقول عز من قائل: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ، ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} ، فأمر الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
    يقول بعض أهل العلم عند تفسير هذه الآية: "أعاد الفعل مع طاعة الرسول إعلاناً بأن طاعته عليه الصلاة والسلام تجب استقلالاً، من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقاً سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه صلى الله عليه وسلم أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالاً، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى أن قال: ثم أمر الله تعالى برد ما تنازع فيه المؤمنون إلى الله ورسوله، إن كانوا مؤمنين، وأخبرهم أن ذلك الرد خير لهم في العاجل وأحسن تأويلاً في العاقبة".
    و(شيء) في قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ}، نكرة في سياق الشرط، تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دُقِّه وجُلِّه، ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله حكم ما تنازعوا فيه، ولم يكن كافياً لم يأمر بالرد إليه، فإنه من الممنوع أن يأمر تعالى بالرد عند النـزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النـزاع، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، وهو إجماع بين أهل العلم، وهذا يدل على أن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام ولا يخرجون بذلك عن الإيمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيماناً، ولكنهم بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة اهـ.
    هذا.. ولا يشك مسلم مهما انحطت منـزلته العلمية، وضعفت ثقافته، وضحلت معرفته أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ ما أنزل الله عليه من القرآن، ذلك لأن الإيمان بأن الله أنزل القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه بلغه كما نزل، وأنه بيّن للناس، وأوضح ما يحتاج إلى البيان والإيضاح، وأنه دعا الناس إلى معرفة الله بصفات الكمال، ولم يفتر عن الدعوة إلى الله وإلى تعريف العباد بربهم حتى التحق بالرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم.
    إن هذا المقدار من الإيمان من أصول هذا الدين وأساسه الذي ينبني عليه ما بعده من واجبات الدين وفروضه، إذا كنا نؤمن هذا الإيمان - ويجب أن نؤمن- فأين نجد بيانه عليه الصلاة والسلام، الذي به يتحقق امتثاله لتلك الأوامر؟
    {بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} ، {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ} .
    الجواب: نجد ذلك في سنته المطهرة التي هي خير تفسير للقرآن بعد القرآن، والتي قيض الله لها من شاء من عباده فصانوها، وحفظوها من كل قول مختلق، وكل معنى مزيف، ودونوها منقحة مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} كما تقدم.
    والذكر المنـزل المحفوظ هو القرآن الكريم في الدرجة الأولى، والسنة تدخل في عموم الذكر عند التحقيق، وإنعام النظر وبيان ذلك:
    إذا كان القرآن الكريم محفوظاً بنص الآية السابقة، فإن السنة المطهرة محفوظة أيضاً بدلالتها نفسها، وتوضيحه كالآتي:
    1- إنها داخلة في عموم الذكر، لأنها تذكّر، كما أن القرآن يُذَكّر.
    2- حفظ الله للقرآن الكريم يتضمن حفظ السنة لأنها بيان وتفسير له فحفظها من حفظه، وعلى كل حال فإن السنة المطهرة محفوظة ولا شك، وهو أمر يكاد أن يكون ملموساً لمس اليد، إذ قيض الله لها رجالاً أمناء ونقاداً أذكياء يدركون من العلل الخفية ما يعجز عن إدراكها غيرهم، منهم من قاموا بدراستها وحفظها سنداً ومتناً، وجمعها، ومنهم من عمدوا إلى غربلتها وتصفيتها حتى يتبين المقبول من المردود. ومنهم من دققوا في أحوال الرواة حتى إنهم يدرسون أحوالهم راوياً راوياً، بل حتى إنهم ليعرفون آباءهم وأجدادهم ومشايخهم، وتلامذتهم الذين حدثوا عنهم إلى آخر تلك الخدمة الفريدة التي قدمت ولا تزال تُقدم للسنة المطهرة، ولله الحمد والمنة.


    يتبع.........

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المشاركات
    98
    آخر نشاط
    07-01-2011
    على الساعة
    10:26 PM

    افتراضي

    ومن خدمتهم للسنة أنهم قسموا الأحاديث إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
    القسم الأول: الحديث الصحيح، وهو الحديث المسند القوي الذي يتصل بإسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط، من أول السند إلى منتهاه، وقد سَلِمَ من العلل والشذوذ، ومتى قالوا: هذا حديث صحيح، فمعناه: أنه اتصل سنده مع توافر سائر الأوصاف فيه، وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في توافر هذه الصفات فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف.
    ثم إن الحديث الصحيح نفسه ينقسم إلى متفق عليه، ومختلف فيه، كما يتنوع إلى مشهور وغريب.
    ويتفاوت الصحيح من حيث القوة أيضاً، فأقواه ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري وحده ثم ما انفرد به مسلم، وهكذا.
    وقد يحكم بعضهم على سند بعينه أنه أصح الأسانيد على الإطلاق، فيرى الإمام إسحاق بن راهويه أن أصح الأسانيد كلها ما رواه الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر، ويوافقه على ذلك الإمام أحمد بن حنبل.
    ويرى أبو بكر بن أبي شيبة أن أصح الأسانيد كلها: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي.
    بينما يرى الإمام البخاري صاحب الصحيح - وهو أول من صنف في الصحيح - أن أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر، وبنى على ذلك الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي أن أجل الأسانيد: الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، واحتج بإجماع أصحاب الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الإمام الشافعي رحمهم الله ورضي عنهم .
    هذا نوع من تلك الأنواع الكثيرة من خدمة السنة النبوية والاهتمام بها.
    القسم الثاني: الحديث الحسن وقد عرفه بعضهم بأنه الذي عرف مخرجه واشتهر رجاله، بينما عرفه البعض الآخر بأنه الذي اشتهر رواته بالصدق والأمانة غير أنهم لم يبلغوا درجة رجال الصحيح، أي قد نقصت درجاتهم في الحفظ والإتقان عن درجات رجال الصحيح .
    فهذان النوعان يحتج بهما عند جمهور أهل العلم، لأن المدار عندهم على صحة الإسناد، وقد تحقق ذلك في النوعين مع التفاوت المشار إليه، ولا فرق عند الاحتجاج بين الصحيح والحسن لما ذكرنا من أن المدار على الصحة.
    أما القسم الثالث: فهو الحديث الضعيف بأقسامه الكثيرة، وهو الحديث الذي لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن المذكورات . وقد بلغت أقسامه عند بعضهم إلى خمسين قسماً.
    وهذا القسم مستبعد عن الاحتجاج به لا في الأصول ولا في الفروع اللهم إلا إذا كان الضعف يسيراً وتعددت طرقه فيرتفع عندئذ إلى درجة الحسن، فيقال له الحسن لغيره للتفريق بينه وبين الحسن لذاته .
    وهذه العناية بالشطر الأول من الحديث (وهو الإسناد) إذا أضيفت إلى الاهتمام بالشطر الآخر وهو (المتن) تدلنا دلالة واضحة على أن الله قد حفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما حفظ كتابه لأنها شارحة لكتابه، وتفسير له، كما تقدم بيان ذلك، وتعتبر المحافظة على الإسناد، وضبط الأحاديث باباً مهماً من الدين، حيث لا تجوز الرواية إلا عن الثقات وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز، بل قد يكون واجباً فضلاً من أن يعد من الغيبة المحرمة ، لأن هذا الجرح نوع من النصح والذب عن الشريعة المطهرة، فيقول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: "الدين النصيحة"، وقد روى عبدان بن عثمان عن ابن المبارك أنه كان يقول: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، ويقول العباس بن أبي رزمة : سمعت عبد الله بن المبارك "يقول: بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد".
    فشبه الحديث بالحيوان ذي القوائم، فكما أن الحيوان لا يقوم بغير قوائم، فكذلك الحديث لا يقوم بغير الإسناد، فتحت هذه العناية البالغة بالإسناد والمتن معاً وصلت إلينا السنة المطهرة، ثم إن هذا الإسناد الذي ينقل إلينا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصورة الدقيقة لا تتمتع به أية ملة أخرى، لا اليهودية ولا النصرانية، بل الإسناد من خصوصيات هذه الأمة المحمدية.
    يقول صاحب كتاب (الوضع في الحديث): "والإسناد بنقل الثقة عن مثله إلى النبي صلى الله عليه وسلم خصوصية لهذه الأمة المحمدية، امتازت به عن سائر الأمم، فإن اليهود ليس لهم إلى نبيهم إلا الإسناد المعضل، ولا يقربون إلى نبيهم موسى عليه السلام قربنا لنبينا عليه الصلاة والسلام، بل الانقطاع بينهم وبينه بأكثر من ثلاثين نفساً، فغاية أسانيدهم تبلغ إلى شمعون ونحوه. وأما النصارى فلا يعرفون الإسناد إلا ما قيل في تحريم الطلاق" .
    قال محمد بن حاتم بن المظفر: "إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم قديمها وحديثها إسناد موصول" .
    فإذا كان كتاب الله محفوظاً -كما علم- وإذا كانت سنة نبيه محفوظة أيضاً -كما شرحنا، ثم عرفنا موقف خير هذه الأمة- وهم الصحابة والتابعون من نصوص الكتاب والسنة، حيث لا يعمدون إلى غيرها للاستدلال، ولا يلتمسون الهدى فيما سواها. ونحن على يقين أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأولها إنما صلح بالتمسك الصادق لهدي الكتاب والسنة عقيدة وشريعة كما نحن على يقين ثابت أنه لا يصبح اليوم ديناً ما لم يكن ديناً أمس، فإذا كان ذلك كذلك فقد وجبت حجية كتاب الله، وحجية سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بما لا يترك مجالاً للشك والتردد وأن تلك الحجية ثابتة في الأحكام والعقيدة على حد سواء إذ لا يوجد مبرر أو مصور للتفريق بين الأحكام والعقيدة حتى تصبح للعقيدة فئات خاصة من الأدلة غير الفئات التي يستدل بها في إثبات الأحكام، وتتخصص العقيدة في الأدلة العقلية ولا حظ لها في الأدلة النقلية إلا ما كان من باب الاتفاق أو الاستئناس لها.
    وفي اعتقادي الجازم أن هذا التصرف من مبتدعات العصر العباسي وما بعده، وهو من منتجات مدرسة (علم الكلام) الذي لا يتجاوز تاريخ ميلاده العهد العباسي، ويذكرني هذا التصرف ما كان يقوله عبد الله بن مسعود لتلامذته: "عليكم بالأمر العتيق" ، ويقول أيضاً: "اتبعوا ولا تبتدعوا، وقد كفيتم" ، والذي نعتقده وندين الله به - وهو المعقول أيضاً- أن كل ما صح الاستدلال به على الأحكام من النصوص الصريحة، والأحاديث الصحيحة، يصح الاستدلال بمثله في العقيدة في إثبات صفات الله تعالى وأسمائه وأفعاله، وما يتعلق بأفعال العباد، بل على كل ما يجب الإيمان به في الدين، ومن يفرق بين هذه الأبواب في أدلتها فيطالب بالدليل ولا دليل، فإذاً يصح الاستدلال بكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقيدة كما صح في الأحكام، وهذا هو المطلوب.
    وأما دعوى المعارض (علماء الكلام) أنها أدلة لفظية عرضة للنسخ والتخصيص والتقييد، فلا يتم الاستدلال بها في هذا الباب، فهي ثرثرة نحفظها لعلماء الكلام الذين شغلهم الكلام عن العلم، فلا ينبغي أن يلقى لها بال، لأن جانب العقيدة لا يمكن أن يقع فيه نسخ وتغيير، وهذا التصرف لا يعرف قبل العصر العباسي، ولا يكاد يدور في رأس أحد من المسلمين قبل ذلك، إذ ليس من الدين ولا من مقتضى العقل الصريح، والفطرة السليمة ألاّ يستدل في المطالب الإلهية بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ليستدل عليها بقول العلاّف، والنظاّم، وابن أبي دُؤاد وأمثالهم، وما ذلك إلا لتزهيد الناس في نصوص الكتاب والسنة، بينما الواجب الذي يقتضيه الإيمان دعوة الناس إلى الاعتصام بهما فقط دون التفات إلى غيرهما، ولا سيما في باب العقيدة وهو باب يجب ألا يتجاوز فيه الكتاب والسنة، كما قال الإمام أحمد رحمه الله في أثناء المناقشة أيام المحنة.
    وما أحسن ما حكاه الحسن بن صالح العباداني عن أحد العباد (سهل بن عبد الله التستري) قال: دخلت على سهل بن عبد الله التستري فقلت له: أوصني أيها الشيخ يرحمك الله فإني أريد الحج، فقال لي: أوصيك، وواعظك معك؟ فقلت: ومن واعظي يرحمك الله؟ قال: الكتاب المنـزل، فقلت له: الكتاب كبير وفيه مواعظ وتخويف، فعظني يرحمك الله قال: بسم الله الرحمن الرحيم {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} ، قال: ثم قال: استمسك بما سمعت ترشد، قال: فوالله لقد دلتني هذه الآية على كل خير ا.هـ
    يستفاد من هذه القصة ما يأتي:
    1- إصرار ذلك العابد الكبير على أن كتاب الله خير واعظ ولا ينبغي العدول عنه إلى غيره وأن كل من طلب علماً ينتفع به في دينه، يجب أن يرشد ويشجع على التمسك بكتاب الله، ولا ينبغي للوعاظ والعلماء والمشايخ تزهيد الناس في كتاب الله بترغيبهم في التماس الحق والهدى والعقيدة السليمة في غيره، بل الواجب ترغيب الناس في التمسك بكتاب الله المنـزل مشروحاً بالسنة المطهرة التي لا يستغني عنها كل مفسر لكتاب الله لأنها صنو القرآن، ووحي مثله في باب التشريع ووجوب الاتباع.
    2- حسن اختيار سهل بن عبد الله التستري، حيث اختار للسائل (آية المعية) ليشعر السائل عند تلاوتها أن الله معه بعلمه، والاطلاع عليه، ومحيط به، ولا يخفى عليه من أمره وتصرفاته شيء حيثما كان في سفره وحضره، وهي معية عامة، وسيأتي الكلام مفصلاً عن صفة المعية إن شاء الله.
    هكذا يجب أن يكون الوعاظ والعلماء والدعاة، لئلا ينصرف الناس عن كتاب الله وسنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى السفسطة والجدل الكلامي الذي أصبح حجاباً منيعاً بين كثير من المتأخرين وبين كتاب ربهم وسنة نبيهم.
    وما أروع قول الإمام مالك إمام دار الهجرة وأحد أئمة الدنيا الأربعة في عصر تابع التابعين، إذ يقول رحمه الله: "أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء" ، وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى إن شاء الله.
    ومن كل ما تقدم يتضح أن علماء المسلمين في هذا الشأن -سلفاً وخلفاً- ينظرون إلى السنة نظرهم إلى الكتاب من حيث الاستدلال بها، فيستدلون بالسنة حيث يستدلون بالقرآن دون أن يفرقوا بين الآحاد والمتواتر، وسوف نتحدث في المبحث التالي في هذه النقطة مستعينين بالله.


    يتبع..........

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المشاركات
    98
    آخر نشاط
    07-01-2011
    على الساعة
    10:26 PM

    افتراضي

    مدى حجية أخبار الآحاد في إثبات الصفات
    الأخبار المقبولة التي تثبت بها الأحكام والأمور الخبرية العلمية تنقسم إلى أربعة أقسام:
    أحدها: أخبار متواترة لفظاً ومعنى.
    وهي الأخبار التي يرويها عدد كبير غير محصور في عدد معين، ولكنه يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، وهم معروفون بالضبط والعدالة والثقة وغيرها من الصفات المعتبرة عند علماء هذا العلم الشريف.
    والحديث الذي يرويه هذا العدد بهذه الصورة يسمى متواتراً لفظاً ومعنى، وله أمثلة كثيرة معروفة في موضعها ومن أبرزها حديث الرؤية، وقد رواه ثلاثون صحابياً كما ذكر الحافظ ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح)، وساق كل حديث بعد أن أفرد له فصلاً مستقلاً في الكتاب المذكور.
    وثانيها: أخبار متواترة معنى، وإن لم تتواتر بلفظ واحد، وله أمثلة كثيرة مثل أحاديث العلو والاستواء، وأحاديث إثبات العرش نفسه حيث نقلت هذه الأخبار بعبارات مختلفة من طرق كثيرة، يمتنع معها التواطؤ على الكذب عقلاً وعادة، وأمثلتها كثيرة، وقد تناقلها خيار من خيار من سلف هذه الأمة واستمر الأمر إلى يوم الناس هذا.
    وثالثها: أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة، وهي من قبيل الآحاد عند علماء هذا الشأن.
    رابعاً: أخبار الآحاد مروية بنقل رواة عدول ضابطين من أول السند إلى آخره.
    أما القسم الأول والثاني، فحجيتهما محل إجماع عند أهل العلم، من سلف هذه الأمة إلا ما كان من العقليين الذين لا يقيمون وزناً للأدلة النقلية مهما تواترت، قال في شرح الطحاوية: قسمت المعتزلة والجهمية والروافض والخوارج الأخبار إلى قسمين:
    1- المتواتر
    2- الآحاد.
    فالمتواتر وإن كان قطعي السند لكنه غير قطعي الدلالة، لأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، ولهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات.
    وأما الآحاد قلا تفيد العلم، ولا يحتج بها من جهة طرقها، ولا من جهة متنها، "ثم قال الشارح رحمه الله: فسدوا على القلوب معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية، وبراهين يقينية، وهي في الحقيقة كسراب بقيعة بحسبه الظمآن ماء"إلى آخر كلامه .
    هذا موقف كبرى الطوائف الإسلامية -كما يقولون- هنا يحق لي أن أتساءل: ما الفرق بين قول الذين يقولون: إن شريعة القرآن غير صالحة اليوم لتطبيقها. إذ هناك قوانين وضعها الخبراء المختصون، وهي من أصلح ما يوجد لهذا الوقت، إذ هي تساير الحياة المتطورة التي نعيشها، وإن كنا نؤمن بأن القرآن من عند الله، وأن السنة النبوية المطهرة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، ولكننا لا نرى تطبيق شريعتهما للظروف التي ذكرناها أو ذكرنا بعضها.
    ما الفرق بين هذا الموقف وبين موقف الذين يقولون: إن الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة لا نشك أنها قطعية الثبوت عن الله تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسبة للأحاديث، ولكننا نعتقد أن هذه الأدلة اللفظية ظنية لا تفيد اليقين فلا نرى الاستدلال بها -على سبيل الاستقلال- في باب العقائد بل نرى وجوب الاستدلال بالأدلة القطعية، وهي الأدلة العقلية.
    هل هناك فرق بين الموقفين؟! لا يمكن أن يجاب إلا بـ (لا).
    إذاً فما معنى الإيمان بالقرآن وبمن أنزل عليه القرآن؟! إن لم يكن معناه التصديق بأن القرآن كلام الله، وأن السنة وحي من الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وأن الغرض من إنزالهما هو العمل بهما عقيدة وأحكاماً وأخلاقاً وسلوكاً ثم تطبيق ذلك عملياً، هذا هو المعنى الصحيح للإيمان بالكتاب والسنة.
    ولهذا نرى أن عبارة القوم ينقض آخرُها أولَها، إذ لا معنى لكونها قطعية الثبوت ظنية الدلالة إلا رفض النصوص بهذا الأسلوب المخدّر، هذا ما نفهمه من تلك العبارة التقليدية التي يرددها بعض علماء الكلام، وبعض الأصوليين الذين تأثروا بعلم الكلام، وهي قولهم:
    (إن الأدلة اللفظية قطعية الثبوت ظنية الدلالة) فخلافهم لا تأثير له في الإجماع لأنهم قد اتبعوا غير سبيل جمهور أهل العلم الذين يرون أن الأدلة النقلية هي العمدة في جميع المسائل الدينية، وتعتبر الأساس في هذا الباب وغيره، والأدلة العقلية تابعة لها، وسوف لا تخالفها عند حسن التصرف فيهما.
    وأما القسمان الثالث والرابع فالذي عليه عمل المسلمين في الصدر الأول وما يليه من عصور التابعين الاحتجاج بهما إذا صحت، وتلقتها الأمة بالقبول مستدلين بها في كل باب في الأمور الخبرية وغيرها، وقد كان مدار الاحتجاج بالأخبار عندهم الصحة فقط، ولا شيء غير الصحة.


    يتبع........

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المشاركات
    98
    آخر نشاط
    07-01-2011
    على الساعة
    10:26 PM

    افتراضي

    ولو رجعنا إلى الماضي إلى ما كان عليه العمل في عصر النبوة، والعصور التي تلت ذلك العصر لرأينا الشيء الكثير مما يشهد لما ذكرنا، وإليك بعض تلك الشواهد والأمثلة:
    1- حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم".
    قال الإمام الشافعي معلقاً على هذا الحديث: "فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته، وحفظها وأدائها (امرأ) يؤديها و (الامرأ) واحد : دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلال وحرام يجتنب، وحد يقام ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا".
    واستدلال الإمام الشافعي بهذا الحديث على قبول أخبار الآحاد في غاية الوضوح حيث لم يشترط الرسول صلى الله عليه وسلم لسماع حديثه عدداً قليلاً أو كثيراً، بل ندب شخصاً واحداً ليسمع حديثه ويؤدي ما سمع، ويشمل ذلك الأحكام والعقائد بما في ذلك إثبات صفات الله تعالى .
    ب- حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في قصة تحويل القبلة قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ أتاهم آت فقال: إن رسول الله قد أنزل عليه قرآن، وقد أُمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة" .
    والمصلون في مسجد قباء جماعة من الصحابة وهم أهل سابقة في الإسلام، وأصحاب فقه في الدين، وقد كانوا متجهين إلى قبلة يؤدون فريضة الصلاة، والاستقبال فيها شرط لصحتها، وقد استقبلوا قبلتهم تلك بفرض من الله، ولو كانوا يعتقدون أن خبر الواحد لا يفيد العلم، لما تركوا قبلتهم القديمة إلى قبلة جديدة لم يعلموها إلا بخبر شخص واحد، وهم لم يلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدُ، ولم يسمعوا الآية التي نزلت لتحويل القبلة.
    وهذا التصرف من أولئك السادة يدل دلالة واضحة -وهم يعيشون في عصر نزول الوحي- أن خبر الواحد الثقة تقوم به الحجة، وهو مفيد للعلم قطعاً، والله أعلم.
    والمفرق بين الأحكام والعقيدة من حيث الاستدلال يطالب بنص صحيح وصريح وأنى له ذلك؟!!
    جـ- حديث أنس بن مالك في تحريم الخمر قال: "كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب شراباً من بطيخ وتمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت" .
    فهؤلاء نخبة من أصحاب رسول الله كانوا على شراب كان حلالاً لهم أن يشربوه، فجاءهم آت يخبرهم بتحريمه، فبادر صاحب الجرار أبو طلحة بتكسيرها دون توقف، وقبل أن يقول هؤلاء، أو أحد من الحاضرين لمن أخبرهم بتحريم الخمر أنهم على حلها حتى يلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتبينوا الأمر، لأن المخبر واحد، وخبر الواحد لا يفيد العلم.
    كل ذلك لم يقع، ولكن الذي وقع أن القوم علموا بأن الحجة قائمة عليهم بحرمة الخمر، وأنه لا يجوز لهم أن يشربوا منها بعد هذا الخبر، فأقلعوا عن شرب الخمر بل كسروا جرارها وأراقوها امتثالاً للتحريم الذي علموه بخبر الواحد.
    د- حديث بعث معاذ بن جبل إلى اليمن داعية ومفتياً وحاكماً، وفي مقدمة ما يدعو الناس إليه توحيد الله بالعبادة، وهو أصل الأصول وأساس الدين، وهو فرد واحد في منطقته التي يقوم فيها بالدعوة، وتعليم الناس ما فرض الله عليهم ويأخذ منهم ما وجب عليهم من الزكاة، بينما يعمل علي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري في مناطق أخرى في اليمن، كل على حدة، وكل واحد تقوم به الحجة في جهته .
    وهناك عدد كبير من رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثهم في الآفاق دعاةً وولاةً ومفتين، ومبلغين عن رسول الله ما بعث به، ومن هذا القبيل أمراء السرايا وحملة كتبه، ورسائله عليه الصلاة والسلام إلى الملوك والأمراء في الأقطار والأمصار، وهم عدد كبير جداً.
    يقول الإمام الشافعي في رسالته: "بعث في دهر واحد اثني عشر رسولاً إلى اثني عشر ملكاً يدعوهم إلى الإسلام".
    ومن راجع السنة وكتب السير يجد أمثلة كثيرة لهذا النوع من الأخبار التي يحملها شخص واحد أو أشخاص معدودون بعثوا إلى المسلمين في عهد النبوة وبعده، ولم يقل أحد من المبعوث إليهم للمبعوثين، والرسل والأمراء: "نحن لا نقبل أخبار الآحاد، أو لا تقوم علينا الحجة بأخباركم هذه لأنها دون التواتر"، كل ذلك لم يقع ولا بعضه.
    وهؤلاء الدعاة المبعوثون مثل معاذ وزملائه كعلي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري إلى مناطق مختلفة في اليمن، وأولئك الأمراء والرسل إنما يبلغون عن رسول الله جميع ما بعث به من الدين، فروعاً وأصولاً في الأمصار.
    وسبق أن قلت في بعض النقاط السابقة: أن من يدعى أو يزعم أن للعقيدة من إثبات الصفات وغيرها أدلة معينة غير الأدلة التي يستدل بها على الأحكام، فعليه دليل فيما يدعيه، وليس هناك دليل ولا بينة، وكل دعوة ليست عليها بينة فهي غير مقبولة قطعاً، والله الموفق.
    ذكر نصوص بعض الأئمة في إفادة خبر الواحد العلم:
    وقد ذكر عدد غير قليل من أهل هذا الشأن أن أخبار الآحاد تفيد العلم نذكر منهم الأئمة التالية أسماؤهم:
    1- الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المتوفى سنة 179هـ.
    2- الإمام الشافعي، المتوفى سنة 204هـ.
    3- أصحاب الإمام أبي حنفية مثل أبي يوسف ومحمد بن الحسن.
    4- داود بن علي الظاهري وأصحابه كأبي محمد بن حزم.
    5- أحمد بن حنبل في رواية عنه، المتوفى سنة 241هـ.
    يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله وهو يتحدث عن مكانة علم الحديث عند السلف وأهل الحديث: "فإذا اجتمع في قلب المستمع لهذه الأخبار العلم بطريقتها، ومعرفة حال رواتها، وفهم معناه، حصل له (العلم الضروري) الذي لا يمكنه دفعه، ولهذا كان أئمة الحديث الذين لهم لسان صدق في الأمة قاطعين بمضمون هذه الأحاديث شاهدين بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم جازمين بأن من كذّب بها، أو أنكر مضمونها فهو كافر مع علم من له اطلاع على سيرتهم وأحوالهم بأنهم من أعظم الناس صدقاً وأمانة وديانة، وأوفرهم عقولاً وأرشدهم تحفظاً وتحرياً للصدق، ومجانبة للكذب، وأن أحداً منهم لا يحابي في ذلك أباه ولا ابنه، ولا شيخه ولا صديقه، وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريراً لم يبلغه أحد سواهم، لا من الناقلين عن الأنبياء، ولا من غير الأنبياء، وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم، وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء، وأخبر برضاه عنهم، واختياره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة... إلى أن قال رحمه الله: وقول هؤلاء الكادحين في أخباره وسنته يجوز أن يكون رواة هذه الأخبار كاذبين أو غالطين، بمنـزلة قول أعدائه يجوز أن يكون الذي جاءه به شيطان كاذب، وكل أحد يعلم أن أهل الحديث أصدق الطوائف كما قال عبد الله بن المبارك: (وجدت الدين لأهل الحديث)، والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة، والحيل لأهل الرأي، وسوء الرأي والتبديد لآل بني فلان".
    وإذا كان أهل الحديث عالمين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذه الأخبار وحدّث بها في الأماكن والأوقات المتعددة، وعلمهم بذلك ضروري، لم يكن قول من لا عناية له بالسنة والحديث: وأن هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم مقبولاً عليهم، فإنهم يدعون العلم الضروري وخصومهم إما أن ينكروا حصوله لأنفسهم أو لأهل الحديث، فإن أنكروا حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم، وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث كانوا مكابرين لهم على ما يعلمونه من أنفسهم بمنـزلة من يكابر غيره على ما يجده في نفسه من فرحه وألمه، وخوفه وحبه .
    ومن كل ما ذكرنا يتضح دون شك أن أخبار الآحاد تقوم بها الحجة في إثبات الصفات، وهو ما عليه المحققون من الأئمة الأربعة، وغيرهم كثير كما تقدم، ولا عبرة لفلسفة المتفلسفين وثرثرة أتباعهم من المعتزلة الذين شغلهم الكلام عن النظر في نصوص الكتاب والسنة والاهتداء بهما، بل أخذوا يلتمسون الهدى في غيرهما حتى استولت عليهم الحيرة، وانتهت حياة كبارهم إلى الحسرة والندم، وتحذير الناس عن الخوض في علم الكلام، والتوصية بالرجوع إلى الفطرة، حتى قال قائلهم: (من جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي) ، وسيأتي مزيد بحث لهذه النقطة إن شاء الله.
    هكذا نثبت بتوفيق الله حجية القرآن والسنة في باب الأحكام الفقهية والعقيدة على حد سواء، وأنه لا يفرق بين الكتاب والسنة من حيث الاستدلال بهما، كما أثبتنا أنه لا فرق في كل ما ذكرنا بين المتواتر وبين الآحاد.



    الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية
    في ضوء الإثبات والتنـزيه

    للشيخ العلامة محمد أمان بن علي الجامي

  5. #5
    الصورة الرمزية السيف البتار
    السيف البتار غير متواجد حالياً مدير المنتدى
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المشاركات
    14,100
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    25-11-2016
    على الساعة
    11:18 PM

    افتراضي

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

    شكراً لك اخي الكريم على هذا المقال

  6. #6
    الصورة الرمزية نسيبة بنت كعب
    نسيبة بنت كعب غير متواجد حالياً عضو شرفي
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المشاركات
    3,277
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    04-12-2012
    على الساعة
    11:58 PM

  7. #7
    الصورة الرمزية نورة
    نورة غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المشاركات
    486
    آخر نشاط
    22-08-2009
    على الساعة
    04:16 PM

    افتراضي

    جزاك الله خير أخوي الفلاسي على المقال
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  8. #8
    الصورة الرمزية bahaa
    bahaa غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    Apr 2005
    المشاركات
    997
    آخر نشاط
    29-04-2011
    على الساعة
    08:04 PM

    افتراضي

    أخى الفلاسى من ساعة مادخلت المنتدى وانا اغير من المجهود الذى تبذله . وأتمنى ان أكون على نصف طاقاتك .
    الحقيقة المقال طويل , وسأقراه لاحقا ...لأنى ضعيف فى العقيدة

    وفقك الله لما يحب ويرضى

حجية القرآن والسنة في باب العقيدة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. ما يحبه الله وما لايحبه في القرآن والسنة
    بواسطة عبد العزيز عيد في المنتدى العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 19-11-2009, 02:19 AM
  2. الرجولة في القرآن والسنة
    بواسطة حاشجيات في المنتدى فى ظل أية وحديث
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 14-08-2008, 04:49 AM
  3. دعوة للحوار في القرآن والسنة , فهل أنتم على استعداد ؟
    بواسطة قاصد الحق في المنتدى فى ظل أية وحديث
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 13-03-2008, 05:47 PM
  4. علـم الأجنـــة فــي ضوء القرآن والسنة
    بواسطة kholio5 في المنتدى الرد على الأباطيل
    مشاركات: 30
    آخر مشاركة: 01-06-2007, 09:26 PM
  5. تأملات من القرآن والسنة (الإعجاز العلمي فى القرآن)
    بواسطة احمد العربى في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 30-11-2005, 06:37 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

حجية القرآن والسنة في باب العقيدة

حجية القرآن والسنة في باب العقيدة