الباب الأول
الأدلة من الإنجيل على أن عيسى رسول اللـه وليس هو اللـه أو ابن اللـه
1- عيسى يعلّم إبليس أنه لا سجود إلا
لله، وأن الله هو الرب وحده سبحانه وتعالى :
في إنجيل متى فقرة 4:
( ثم صعد الروح بيسوع إلى البرية، ليجرّب من قبل إبليس، وبعدما صام أربعين نهاراً، وأربعين ليلة، جاع أخيراً، فتقدم إليه المجرب وقال له: "إن كنت ابن الله، فقل لهذه الحجارة أن تتحول إلى خبز!" فأجابه قائلاً: "قد كتب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله!" ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة، وأوقفه على حافة سطح الهيكل، وقال له: "إن كنت ابن الله، فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنه قد كتب: يوصي ملائكته بك، فيحملونك على أيديهم لكي لا تصطدم قدمك بحجر!" فقال له يسوع: "وقد كتب أيضاً لا تجرب الرب إلهك!".
ثم أخذه إبليس أيضاً إلى قمة جبل عال جداً، وأراه جميع ممالك العالم وعظمتها، وقال له: "أعطيك هذه كلها إن جثوت وسجدت لي!" فقال له يسوع: "اذهب يا شيطان! فقد كتب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد!".
فتركه إبليس، وإذا بعض الملائكة جاءوا وأخذوا يخدمونه ).
وفي هذا النص من الأدلة على عبودية المسيح لله ما يلي :
1- أن روح القدس ( وهو ملاك الرب الذي ينزل بالوحي من الله للأنبياء ) أصعد عيسى إلى البرية ليمرنه ويجربه على عصيان إبليس والرد عليه، ويعرفه بأساليبه في الغواية ليحذرها، ويستحيل لو كان عيسى هو الله أو أنه الله كما تدعي النصارى أن يأخذه الملاك ليعلمه !! كيف يتقي شر الشيطان، فهل يحتاج خالق للسماوات والأرض إلى تعليم؟!
2- صام عيسى أربعين يوماً وليلة وجاع.. فهل الرب يصوم ويجوع !! أم أن الرب الإله لا بد وأن يكون غنياً عن كل ما سواه.. قال تعالى في القرآن في بيان بطلان كون عيسى وأمه إلهين: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون } فمن يحتاج إلى الطعام لا يكون إلهاً ورباً وخالقاً، لأن الإله الرب لا بد وأن يكون غنياً عن كل ما سواه، ولا شك أن من يأكل من البشر ويشرب ويبول ويتغوط.. فهل يوصف الإله بذلك؟ أليس لمن يقول بألوهية المسيح وربوبيته من عقل يميزون بين الرب الإله الخالق المنزه عن كل نقص وبين الإنسان المحتاج الفقير العاجز؟؟
3- تقدم الشيطان إليه ليجربه بقوله له: إن كنت ابن الله حقاً اقلب هذه الأحجار إلى خبز.. أي لتأكل منها بعدما جعت، ورد عيسى عليه بأنه ( ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله ).
ومعنى أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان أي أن الحياة الحقيقية ليست بما يحيي الجسد فقط، وإنما الحياة الحقيقية بما يحيي الروح فمن آمن بالله وعمل بكلماته فهو الحي حقيقة، وأما الكافر الذي يعيش لبطنه فقط فهو ميت في ظاهر حي كما قال تعالى في القرآن: { أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } أي لا يستوي هذا وهذا.. فمن كان ميتاً أي بالكفر فأحيينا أي بالإيمان وجعلنا له نوراً أي هداية وشريعة يعرف بها الحلال من الحرام والحق من الباطل، والهدى من الضلال، والشرك من التوحيد، والصلاح من الفساد، ليس يستوي هذا ومن هو ضال لا يهتدي يعيش للدنيا فقط ولا يميز بين شرك وتوحيد، وهدي وضلال، وخير وشر.
معنى ابن الله كما ورد في النص :
4- ألفاظ ابن الله التي جاءت في الأناجيل والكتب المقدسة عند النصارى من المتشابه الذي يجب رده إلى المحكم فإن هذه اللفظة (ابن الله) استخدمت في عيسى، وفي أتباعه، وفي كل مؤمن بالله غير كافر به.. وقد ادعاها كل من اليهود والنصارى جميعاً كما قال تعالى في القرآن: { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه }.
وهذه الكلمة تحتمل معنيين: بنوة الهداية، والإيمان، والتشريف، وهو ما يسمونه بالبنوة الروحية، ويقال في مقابلها: أبناء الشيطان، وأبناء الأفاعي كما جاء في الإنجيل في وصف اليهود: ( يا أبناء الأفاعي )، والكل يعلم أنهم ليسوا أبناء الأفاعي من النسب، ولا الشيطان من الصلب، وإنما نسبوا إلى الأفاعي لمكرهم وخطرهم، وسمومهم، وإلى الشيطان لتلبيسهم، وكذبهم.
والنسبة إلى الله بالأبناء للهداية، والتوفيق، والعمل بشريعة الله، والسير على هداه، والإستضاءة بنوره المنزل على عباده المرسلين.
والمعنى الثاني نبوة النسب، والإبن الذي هو قطعة من أبيه، وبضعة منه.
ولا شك عند كل ذي لب، وإيمان، وبصيرة، وتمييز بين الخالق، والمخلوق أن المعنى الثاني منتف عن الله سبحانه وتعالى، فليس بين الله وأحد من خلقه بنوة نسب قط، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وإذا كانت هذه اللفظة: (ابن الله) دائرة في المعنى بين بنوة الشريف، والإيمان، والتقديس، والمحبة.. وبين بنوة النسب، والولادة، والجزئية، فتكون هذه اللفظة هنا من المتشابه الذي يجب أن يحمل على المحكم الذي لا يتغير معناه، واللفظ المحكم هو ما لا يكون معناه إلا واحداً، ولا يختلف أهل اللسان فيه، ولا أهل العقل حول حقيقة معناه.
ونحن نورد هنا عشرات من الأدلة من الإنجيل نفسه أن لفظ (ابن الله) الوارد في الأناجيل، وفي كتب رسل المسيح -عليه السلام- ما أريد بها إلا بنوة التشريف، والتقديس، والرفعة، والمحبة، وأنها لا تنتمي إلى بنوة النسب، والولادة بأي حال تعالى الله عما يقول الجاهلون الكافرون الضالون علواً كبيراً.
فقول إبليس المتكرر.. (إن كنت ابن الله) هو من هذا الباب. ومن ذلك قول عيسى لتلاميذه:- ( وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم، ويضطهدونكم لتكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات) ( متى 6/45).
وقوله عليه السلام: ( فعندما تصلي فادخل غرفتك، وأغلق عليك بابك، وصل إلى أبيك الذي في الخفاء، وأبوك الذي يرى في الخفاء هو يكافئك ) ( متى 6/7).
ومثل هذا كثير جداً من الكلام المنسوب إلى المسيح عليه السلام، وكله شاهد أنه كان يستعمل اسم (الأب) في التعبير عن الله بمعنى المربي، والذي يكلأ عباده المؤمنين وليس بمعنى أبوة النسب، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
5- قول إبليس لعيسى: " إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل لأنه قد كتب: يوصي ملائكته بك فيحملونك على أيديهم لكي لا تصطدم قدمك بحجر"!! فقال عيسى: ( وقد كتب أيضاً: لا تجرب الرب إلهك )!! .
في هذا النص إقرار عيسى لإبليس على النص السابق من كلام الله، وأنه هو المقصود به، وإذا كان هو المقصود بذلك، فكيف يكون هو ابن الله أو الله كما يدعون ويزعمون أن صفاته وأعماله هي صفات الرب وأعماله ثم يقال عنه: ( يوصي ملائكته بك )!!
فهل يحتاج الإله الرب أن يُوَصَّى عليه، وأن يكون الملائكة حفظٌ له، وحماية له ألا يصطدم قدمه بحجر!!، وهل يكون من يحتاج أن تحميه الملائكة من السقوط إلا عبداً محتاجاً ذليلاً فقيراً؟!!
6- قول عيسى –عليه السلام- رداً على إبليس وقد كتب أيضاً: " لا تجرب الرب إلهك "!!
فهذا من أعظم الأدلة على أن عيسى يعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو ربه، وهو إلهه وأنه لا يحسن به أن يجربه بمعنى أن يطلب منه شيئاً لينظر أيقدر عليه أم لا؟ فإذا كان عيسى –عليه السلام- هو الله كما يزعمون فمن يجرب؟! هل يجرب أباه؟! فينظر أيحميه من الحجارة أم لا؟ أم يجرب نفسه فينظر هل يستطيع إذا قفز من فوق الهيكل أن يحمي نفسه من السقوط أم لا؟ تباً لعقول تقرأ ولا تفقه!!.
هل هناك أصرح من هذا الدليل في أن عيسى -عليه السلام- يتبرأ من الحول، والقوة، ويجعل الله وحده هو صاحب الحول، والقوة، وأنه هو وحده ربه وإلهه.
7- دعوة إبليس للمسيح -عليه السلام- أن يسجد له!! وقوله له بعد أن أراه من فوق جبل عال جداً جميع ممالك العالم، وعظمتها: "أعطيك هذه كلها إذا جثوت، وسجدت لي"! وقول عيسى عليه السلام رداً عليه: ( اذهب يا شيطان، وقد كتب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد ) فيه من الأدلة على فساد معتقد النصارى في ألوهية المسيح وربوبيته الشيء الكثير فمن ذلك:-
أ- عرض إبليس عليه ممالك الدنيا، وإيراءه إياها، واطلاعه عليها، ولو كان عيسى هو الله، أو ابن الله لقال له: أنا مالكها، وخالقها، وهي لي، وتحت تصرفي؟ بل ما كان لإبليس أن يتجرأ أصلاً ليقول للإله، أعطيك هذه إن سجدت لي !!..
ب- عجباً أن يأمر إبليس خالق السماوات والأرض أن يسجد له!! ألا يستحي النصارى وهم يقرأون هذا الكلام!! ألا يستحون أن من يعتقدون فيه الألوهية، والربوبية أن يصحبه إبليس، ويعرض عليه السجود له مقابل أن يملكه الدنيا.
ج- لو كان عيسى هو الله أو ابن الله لما كان رده على عرض إبليس هذا أن يقول: لا قد نزل في كتب الأنبياء السابقين: " للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد ".
هل هناك أصرح من هذا في أن عيسى دعا إلى عبادة لله خالق السماوات، والأرض، وأن عيسى لا يعبد إلا الله، ولا يسجد إلا له سبحانه وتعالى.
يكفي هذا الدليل لكل من يريد بصيرة في الدين أن عيسى عليه السلام جاء ليقول كما قال الله عنه: { وقال المسيح يا بني إسرائيل: اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}.
د- يأس الشيطان من عيسى، وذهابه عنه، وعدم قدرته عليه حق لعصمة الله له تحقيقاً لقول امرأة عمران أم مريم عندما وضعت مريم: { رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم.. وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم }، وليس من ذرية مريم إلا عيسى عبدالله ورسوله، وقد أعاذه الله الشيطان الرجيم صغيراً وكبيراً.
8- وقول الإنجيل: " فتركه إبليس، وإذا بعض الملائكة جاءوا إليه وأخذوا يخدمونه" دليل جديد على عبودية المسيح، فالذي يحتاج إلى الخدمة هو العبد الفقير المحتاج، وهم جاءوه، ولم يستدعهم، وهذا مما يدل على أن الله أرسلهم إليه، وهم كانوا يخدمونه، ولم يأتوا ليعبدوه، والرب سبحانه وتعالى تعبده الملائكة، ولا تخدمه، لأنه الحي القيوم القائم بنفسه المقيم لغيره، فالملائكة تحتاجه، وهي فقيرة إليه، وأما هو فغني عن الجميع سبحانه وتعالى.
2- عيسى عليه السلام يبشر في بلدته الناصرة التي تطرده وترفضه:
ذكر إنجيل لوقا أن عيسى عليه الصلاة والسلام بدأ (معموديته) على يد يوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا عليهما السلام)، وأنه بينما كان يصلي (هكذا) انفتحت السماء، وهبط عليه روح القدس متخذاً هيئة جسمية مثل حمامة، وانطلق صوت من السماء يقول: " أنت ابني الحبيب بك سررت كل سرور" (لوقا 3/21).
وبالرغم من أن هذا كله حكاية، وليس كلاماً منزلاً من الله سبحانه وتعالى كما نرى، ولا هو مروي، أو منقول من قول عيسى -عليه السلام-، ومعلوم أن لوقا كاتب هذا الإنجيل لم يكن أيضاً تلميذاً للمسيح عليه السلام..، بالرغم من كل هذا فإن هذا النص يدل دلالة قطعية على أن عيسى لم يكن إلا رسولاً نزل عليه الوحي، وليس هو ابن الله نسباً، أو ذاتاً، أو أقنوماً كما ادعت النصارى بعد ذلك، وهذه هي الأدلة:-
1- ذكره أن عيسى تعمد.. والرب لا يَتَعَمَّدُ (أي يؤهل ليدخل في خدمة الله وعبادته) فكيف يتعمد الرب؟.. ألعبادة نفسه؟!! أم لعبادة أبيه؟! أم لعبادة ذاته؟!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً..
2- قوله: ( بينما كان يصلي )، والرب لا يصلي لأحد، لأنه هو المعبود سبحانه وتعالى.
3- قوله: ( هبط عليه روح القدس مثل حمامة ) يدل على أن روح القدس هذا هو الملاك الذي ينزل على الأنبياء، وليس أقنوماً، ولا جزءاً من الله كما ادعت النصارى، وهذا إبطال لقولهم إن الله ثالث ثلاثة لأنه لو كان روح القدس الذي كان مثل حمامة جزءاً من الله -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-، وكان المسيح جزءاً آخر، وكان الله في السماوات جزءاً ثالثاً، كما تدعي النصارى لكان هذا من أبطل الباطل، لأنه ليس إلا رب واحد، تعالى أن يكون له جزء، كما قال تعالى في القرآن الكريم: { وجعلوا له من عباده جزءاً إن الإنسان لكفور مبين }.
فكيف يدعي النصارى -وهذه مقالتهم في الشرك، والتثليث- أنهم يؤمنون بوحدانية الله سبحانه وتعالى؟!!
4- لو فرضنا أن من روى هذا الإنجيل سمع النداء الذي انطلق من السماء يقول: ( أنت ابني الحبيب بك سررت كل سرور ).
فإن هذا لا يعني بحال أن عيسى بن مريم –عليه السلام- جزء منه، تعالى الله سبحانه وتعالى عما يقولون المبطلون علواً كبيراً وإنما كما يطلقون على الله بأنه الأب فيقولون ( أبانا الذي في السماوات )، وكما يذكرون أن عيسى قال لهم مراراً: ( أبي، وأبيكم ) فلماذا لا يكون معنى البنوة هنا بنوة الرحمة والتعليم والإرسال؟
وبعد هذا النص السابق ساق الإنجيل هذا النص تحت عنوان:
الناصرة ترفض يسوع:
( وعاد يسوع إلى منطقة الجليل بقدرة الروح، وذاع صيته في القرى المجاورة كلها، وكان يعلم في مجامع اليهود، والجميع يمجدونه، وجاء إلى الناصرة حيث كان قد نشأ، ودخل المجمع كعادته يوم السبت، ووقف ليقرأ، فقدم إليه كتاب النبي أشعياء، فلما فتحه وجد المكان الذي كتب فيه: "روح الرب علي، لأنه مسحني لأبشر الفقراء؛ أرسلني لأنادي للمأسورين بالإطلاق، وللعميان بالبصر، لأطلق المسحوقين أحراراً، وأبشر بسنة القبول عند الرب". ثم طوى الكتاب وسلمه إلى الخادم، وجلس، وكانت جميع عيون الحاضرين في المجمع شاخصة إليه، فأخذ يخاطبهم قائلاً: "اليوم تم ما سمعتم من آيات..". وشهد له جميع الحاضرين، متعجبين من كلام النعمة الخارج من فمه، وتساءلوا: "أليس هذا ابن يوسف؟"، فقال لهم: "لا شك أنكم تقولون لي هذا المثل: أيها الطبيب اشف نفسك! فاصنع هنا في بلدتك ما سمعنا أنه جرى في كفر ناحوم.." ثم أضاف: "الحق أقول لكم: كان في إسرائيل أرامل كثيرات في زمان إيليا، حين أغلقت السماء ثلاث سنين وستة أشهر حتى حدثت مجاعة عظيمة في الأرض كلها؛ ولكن إيليا لم يرسل إلى أية واحدة منهن بل إلى امرأة أرملة في صرفة صيدا، وكان في إسرائيل، في زمان النبي أليشع، كثيرون مصابون بالبرص; ولكن لم يطهر أي واحد منهم، بل نعمان السوري!" فامتلأ جميع من في المجمع غضباً لما سمعوا هذه الأمور، وقاموا يدفعونه إلى خارج المدينة، وساقوه إلى حافة الجبل الذي بنيت عليه مدينتهم ليطرحوه إلى الأسفل، إلا أنه اجتاز من وسطهم، وانصرف) ( لوقا 4/14-30).
وفي هذا النص من الأدلة على عبودية المسيح ما يأتي:
1- قوله: ( وعاد يسوع إلى منطقة الجليل بقدرة الروح ) فيه دليل أنه ليس الله أو ابن الله كما يدعون، وأن له قدرة إلهية من ذات، وهنا يقول بأنه عاد إلى الجليل بقدرة الروح أي أن الملك أعانه ليذهب إلى الجليل، ومن في حاجة إلى الملك لا يكون رباً ولا إلهاً، ولا خالقاً، ولا قادراً بنفسه.
2- قول عيسى -عليه السلام- لمن كان يعلمهم ويعظهم في مجمع الناصرة: ( اليوم تم ما قد سمعتم من آيات )، أي أنه تحقق وعد الله الذي جاء على لسان النبي أشعياء، والنص هو: ( روح الرب عليّ، لأنه مسحني لأبشر الفقراء، وأرسلني لأنادي للمأسورين بالإطلاق، وللعميان بالبصر، لأطلق المسجونين أحراراً، وأبشر بسنة القبول للرب )..
هل هناك ما هو أصرح من هذا النص في أن عيسى هو رسول الله الذي بشرت به الأنبياء فالنص يقول: ( روح الرب عليّ ): أي وحي الله إلى طريق الله روح القدس وانظر فلم يقل روح الرب هي ذاتي، أو أقنومي، أو جزئي، أو نفسي، ومعنى ( مسحني لأبشر الفقراء ): أي جعلني مسيحياً، والمسيح سواء أريد به من يمسح بالزيت على عادة بني إسرائيل عندما يتنبأ منهم نبي، أو المسيح من المسح وهو المحو للشرك، والكفر، أو غير ذلك فالمعنى على كل حال بمعنى النبوة والرسالة وليس بمعنى الألوهية والربوبية.
ثم قوله: ( أرسلني لأنادي للمأسورين بالإطلاق.. الخ ) دليل على أنه نبي مرسل، وليس هو الرب، أو ابنه النازل إلى البشر، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
3- لقد كان رد أبناء بلده (الناصرة) على عيسى -عليه السلام- رداً في منتهى السوء، والقباحة، والإفك، فبدلاً من الاعتراف برسالته، ونبوته إذا بهم يسبونه في عرضه، ويتهمونه أنه (ابن زنا)!!!
حاشاه -عليه الصلاة والسلام- فيقول له هؤلاء المجرمون: (أليس هذا ابن يوسف؟) يوسف النجار الذي كما ذكر خطيباً لمريم –عليها السلام- قبل أن ينزل عليها ملاك الرب، ويبشرها بعيسى عليه السلام كما جاء في القرآن الكريم: { فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً، قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً، قال إنما رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً }..
وهؤلاء المجرمون من اليهود أبناء بلدته الذين جاءوا ليستمعوا إلى مواعظه في الهيكل ردوا عليه هذا الرد عندما قال لهم: ( إنه مسيح الرب الذي جاء ليفتح الله به آذاناً صماً، وقلوباً عمياً، ويفك أسر المأسورين من معاصيهم، والذين قيدهم الشيطان بخطاياهم، ويبشرهم بمغفرة الذنوب ) لقد كان ردهم على هذه الدعوة الكريمة أن قالوا: ( أليس هذا ابن يوسف؟ ) متهمين إياه.. ولما قالوا له هذا القول الفاجر الآثم، وأنكروا عصمته، وعصمة أمه، وأنكروا نبوته بعد أن شاعت في كل بلدان اليهودية، عند ذلك ردّ عليهم قائلاً: ( لا كرامة لنبي في بلده )!!، ( وما من نبي يقبل في بلده )!! ( لا يكون النبي بلا كرامة إلا في بلدته وبيته ) (إنجيل متى 13/58) .
ثم بين لهم أن أهله، وأولى الناس به من يقبلونه، ويؤمنون برسالته، وأخبرهم أن نبي الله إيليا لم يشفع وقت المجاعة إلا إلى أرملة غير إسرائيلية، وأن أليشع لم يشفع في شفاء مريض إلا مريضاً سورياً غير إسرائيلي..: (نعمان السوري)، وأخبرهم أن رحمة الله برسالة عيسى قد لا تصيب إلا من هم خارج بني إسرائيل، وأن ما يمكن أن يجريه الله على يديه من خير قد يحوزه غير أبناء بلده (الناصرة) التي كفرت به!! ولما سمع أبناء بلده هذا الكلام كان من شأنهم أن أخرجوه منها، (وساقوه إلى حافة الجبل الذي بنيت عليه مدينتهم ليطرحوه إلى أسفل).
وكل هذا النص شواهد أنه لم يقل إني إله، وإنما قال لهم فقط: إنني نبي، ولا كرامة لنبي في بلده، فلماذا لم يقل لهم: (أنا ربكم وخالقكم)..؟
وهل كان يليق بالرب أن يقول له أهل بلدته (هكذا)؟! أنت ابن زنا.. وهل ينزل الرب سبحانه وتعالى من السماء ليقول له البشر الذي خلقهم ورزقهم: (ألست ابن يوسف النجار؟).. سبحانك ربنا لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك، وأعتذر لك حتى ترضى من ذكر هذا الكفر، وسبحانك لا أحد أصبر على أذى منك وحدك!!. يدّعون لك الولد، وأنت ترزقهم، وتعافيهم، لا إله إلا أنت، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك!! وتعاليت عما يقول المجرمون الظالمون علواً كبيراً.
4- وهل ينزل الرب من عليائه سبحانه وتعالى ليقبض عليه أهل بلدته (هكذا)، ثم (يدفعونه إلى خارج المدينة، ويسوقونه إلى حافة الجبل ليطرحوه).. هل من يفعل به هكذا يكون رباً إلهاً خالقاً للسماوات والأرض؟! وهل يليق بالرب ذلك؟!
3- معجزات عيسى عليه السلام لا تدل إلا على أنه نبي مرسل مؤيد بالمعجزات:
لا يوجد في الأناجيل كلها رغم ما نالها من التحريف، والخطأ نص واحد يقول فيه عيسى عليه السلام أنه الله، أو أنه ابن الله بنوة نسب، وولادة، وجزء (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً).
أو أن ذاته ذات الله، وفعله فعله، أو أن مشيئته مساوية لمشيئة الرب، أو أنه خالق، أو رازق أو مصور، بل الموجود على العكس من ذلك تماماً، ولو كان عيسى إلهاً، ورباً، وخالقاً، ورازقاً كما يدعي الضالون لأظهر ذلك، وقاله إذ أن مثل ذلك هو الاعتقاد.. ألا نرى إلى قول الله سبحانه وتعالى في القرآن وهو يذكر عن نفسه جل وعلا أنه هو الخالق، والرازق، والبارئ، والمصور، والذي بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، وأن له كان صفات المجد، والألوهية، والربوبية لا ينازعه أحد، ولا يشاركه مشارك، وليس لأحد معه من الأمر شيء، بل لا يملك أحد من كل خلقه ملائكة، وإنساً، وجناً، لنفسه من أمره خيراً، ولا شراً إلا بمشيئة الرب الواحد سبحانه وتعالى.
وعيسى -عليه السلام- لم يدّع شيئاً من ذلك قط، ولا خلع على نفسه قط صفة من صفات الألوهية، والربوبية، بل تكلم بضد ذلك تماماً ذكر أنه عبد يصلي، ولا مشيئة له مع مشيئة من أرسله، وأظهر دائماً من الضعف، والعجز، والخوف، والتبرء من الحول، والطول ما يظهر لكل ذي عينين أنه عبدالله ورسوله، وليس ابن الله، أو الله، أو أن له شركة مع الله في شيء من صفاته قط، وعامة ما روته الأناجيل، وتمسك به الضالون في إدعاء ربوبية المسيح -عليه السلام- بعض المعجزات والبركات، والكرامات التي أظهرها الله على يديه كإحياء بعض الموتى، وشفاء من لهم آفات وعاهات دائمة يعجز الطب عنها، وإخراج بعض الأرواح الشريرة، والشياطين التي تتلبس بعض الناس، وقد أفاضت الأناجيل بخاصة في قضية تخليص بعض الناس التي تلبست بهم الشياطين، علماً بأن هذا الأمر يجري على يد أناس بسطاء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بل ذكر عن بعض سادة هذه الأمة الإسلامية كالإمام أحمد بن حنبل أن الشياطين كانت تخرج ممن تلبست به بمن يأمرها بإسمه دون أن يتكلف عناء الذهاب إلى المريض بنفسه، أو حتى نقله إليه، وهناك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من أخرج آلافاً من هذه الشياطين من جسوم المرضى، والذين يؤذنهم، ويصرعونهم.. وأما إحياء الموتى فقد كان على يد كثير من الأنبياء قبل عيسى -عليه السلام- كما جاء في قتيل بني إسرائيل على عهد موسى، وطيور إبراهيم، وأما شفاء الأمراض المستعصية فهي معجزة لهذا النبي الكريم، وقد جاء وصفه في القرآن: {وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً}، فعيسى رسول مبارك، ومن بركته ما أجرى الله على يديه من الخير والبركة للناس في الدنيا كشفاء من شفي من المرض، والخير والبركة في الآخرة كالدعوة إلى الإيمان، والتوحيد، وابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى.. وكل هذه المعجزات، والكرامات قد جرى أمثالها على يد كثير الأنبياء، والمرسلين، وخيار الصالحين، ولا يعني مطلقاً أن فاعلها هو الرب الإله خالق السماوات والأرض.
وهذه نماذج مما جاء في الإنجيل عن معجزاته -عليه السلام- والبركات التي أجراها الله على يديه:
أ- يسوع يطرد روحاً نجساً:
(ونزل إلى كفر ناحوم، وهي مدينة بمنطقة الجليل، وأخذ يعلم الشعب أيام السبت، فذهلوا من تعليمه، لأن كلمته كانت ذات سلطة، وكان في المجمع رجل يسكنه روح شيطان نجس، فصرخ بصوت عال: "آه! ما شأنك بنا يا يسوع الناصري؟ أجئت لتهلكنا؟ أنا أعرف من أنت: أنت قدوس الله". فزجره يسوع قائلاً: "إخرس، واخرج منه". وإذ طرحه الشيطان في الوسط، خرج منه، ولم يصبه بأذى، فاستولت الدهشة على الجميع، وأخذوا يتساءلون فيما بينهم: "أي كلمة هي هذه؟ فإنه بسلطة وبقدرة يأمر الأرواح النجسة فتخرج!" وذاع صيته في كل مكان من المنطقة المجاورة) (ومثل هذا العمل يقوم به اليوم وأمس ألوف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يدعي لهم أحد نبوة، ولا ألوهية أو ربوبية).
ب- يسوع يشفي الله على يديه كثيرين:
(ثم غادر المجمع، ودخل بيت سمعان، وكانت حماة سمعان تعاني حمى شديدة، فطلبوا إليه إعانتها، فوقف بجانب فراشها، وزجر الحمى، فذهبت عنها، فوقفت في الحال، وأخذت تخدمهم، ولما غربت الشمس، أخذ جميع الذين كان عندهم مرضى مصابون بعلل مختلفة يحضرونهم إليه، فوضع يديه على كل واحد منهم، وشفاهم، وخرجت أيضاً شياطين من كثيرين، وهي تصرخ قائلة: "أنت ابن الله"، فكان يزجرهم، ولا يدعهم يتكلمون، إذ عرفوا أنه المسيح.
ولما طلع النهار خرج، وذهب إلى مكان مقفر، فبحثت الجموع عنه حتى وجدوه، وتمسكوا به لئلا يرحل عنهم، ولكنه قال لهم: "لا بد لي من أن أبشر المدن الأخرى أيضاً بملكوت الله، لأني لهذا قد أرسلت". ومضى يبشر في مجامع اليهودية) (لوقا 4/31-44).
ومن الأدلة في هذا النص على عبودية المسيح لله، وأنه رسول الله ما يأتي:
1- قول الشيطان لعيسى عليه السلام: ( ما شأنك بنا يا يسوع الناصري ).. فقد نسبه إلى بلدته، وأقره عيسى على ذلك، ومثل هذا المنسوب إلى بلدة لا يكون إلهاً، ورباً، وخالقاً..
2- قول الشيطان له: ( أنت قدوس الله )، وإقرار عيسى لذلك، والمعنى أنت مقدس من قبل الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن عيسى مقدس لأن الله سبحانه وتعالى قدّسه، وطهّره، وزكّاه، والذي يقدسه الله لا يكون هو الله.
3- قول الشياطين له ( أنت ابن الله ) لا تعني أنه جزء منه، وأنه ولده نسباً وصهراً كما ذكرنا ذلك مراراً، وإنما هذا جار على عادتهم في استعمال هذا اللفظ.
4- قال عيسى في النهاية: ( لا بد لي أن أبشر المدن الأخرى بملكوت الله لأني لهذا أُرسِلْتُ ) نص واضح جلي على أنه رسول مرسل من الله سبحانه وتعالى، وأنه لم يأت بنفسه.
5- قول راوي الإنجيل ( ومضى يبشر في مجمع اليهودية ) أي أنه رسول إلى بني إسرائيل كما قال تعالى في القرآن عنه: { ورسولاً إلى بني إسرائيل }.. الآية.
4- الجميع يشهدون بأن عيسى عليه السلام نبي الله بعد أن رأوا معجزاته:
وهذا نص آخر يبين أن الشعب اليهودي الذي أرسل إليهم عيسى -عليه السلام- شهد كثير منهم له بالنبوة بعد أن رأوا ما أجرى الله على يديه من المعجزات.
ج- يسوع يحيي ابن الأرملة:
"وفي اليوم التالي ذهب إلى مدينة اسمها نايين، يرافقه كثيرون من تلاميذه وجمع عظيم، ولما اقترب من باب المدينة، إذا ميت محمول، وهو ابن محمول، وهو ابن وحيد لأمه التي كانت أرملة، وكان معها جمع كبير من المدينة، فلما رآها الرب، تحنَّن عليها، وقال لها: "لا تبكي!" ثم تقدم، ولمس النعش، فتوقف حاملوه، وقال: "أيها الشاب لك أقول: قم!" فجلس الميت، وبدأ يتكلم، فسلَّمه إلى أمه، فاستولى الخوف على الجميع، ومجدوا الله قائلين: "قد قام فينا نبي عظيم وتفقد الله شعبه!" وذاع هذا الخبر عنه في منطقة اليهودية كلها، وفي جميع النواحي المجاورة" (إنجيل لوقا 7/11-17).
الأدلة من هذا النص على أن عيسى عليه السلام هو رسول الله، وليس هو الله:
والشاهد في هذا النص أن عيسى -عليه السلام- بعدما أحيا الله على يديه هذا الميت الذي يذكر إنجيل لوقا أنه ابن وحيد لامرأة أرملة أن جميع الناس الحاضرين مجدوا الله قائلين:
( قد قام فينا نبي عظيم، وتفقد الله شعبه) ولست أرى أصرح من هذا الدليل على بشرية عيسى، وأنه عبد رسول، فإنه بعد أن أحيا هذا الميت استطاع جميع الحاضرين أن يفرقوا بين الله، وبين عيسى فمجدوا الله سبحانه وتعالى خالق السماوات، والأرض وشهدوا لعيسى عليه السلام بالنبوة، وشكروا الله إذ أرسل في بني إسرائيل نبياً، ويسمون أنفسهم شعب الله إذ أن الله ( تفقده) أي اهتم به، ونظر إليه بعين رحمته، وأرسل فيهم نبياً جديداً، وانظر قول الإنجيل: (قد قام فينا نبي عظيم، وتفقد الله شعبه).
وانظر كيف أقرهم عيسى على هذا القول، وكيف ذاع خبر ذلك في كل مكان..، ولو كان عيسى هو الرب الإله الخالق المحيي المميت لقال للجمع: (انظروا هكذا أحيي الموتى، فإني أنا الرب الإله)، ولم يوافقه على قولهم: "قد قام نبي عظيم وتفقد الله شعبه".
5- الأناجيل تشهد جميعها أن عيسى عليه السلام كان رسولاً داعياً إلى الله:
من يقرأ الأناجيل المعتمدة من النصارى يجد أنها تشهد لعيسى أنه رسول الله الداعي إليه، ولو كان إلهاً، ورباً، وخالقاً للسماوات، والأرض كما يزعمون لما كان رسولاً داعياً إلى الله، بل كان داعياً لنفسه، أو قائلاً لهم: إنني أنا الله خالق السماوات والأرض أدعوكم أن تعبدوني، وتسجدوا لي، وتعظموني، وتسبحوا بحمدي، ولا يوجد قط في الأناجيل دعوة كهذه، بالنص، ولا بالمعنى، بل ليس فيها إلا أنه نبي رسول من الله، ومن ذلك:
1- ففي إنجيل متّى: الفصل الرابع:
أ- بدء خدمة يسوع:
ولما سمع يسوع أنه قد ألقي القبض على يوحنا، عاد إلى منطقة الجليل، وإذ ترك الناصرة، توجه إلى كفر ناحوم الواقعة على شاطئ البحيرة ضمن زبولون، ونفتاليم، وسكن فيها، ليتم ما قيل بلسان النبي إشعياء القائل: "أرض زبولون، وأرض نفتاليم على طريق البحيرة ما وراء نهر الأردن، بلاد الجليل التي يسكنها الأجانب - الشعب الجالس في الظلمة، أبصر نوراً عظيماً، والجالسون في أرض الموت، وظلاله، أشرق عليهم نور!".
من ذلك الحين بدأ يسوع يبشر قائلاً: "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات!" (إنجيل متّى: الفصل الرابع).
الأدلة من هذا النص:
وهذا النص واضح في أن عيسى بدأ الخدمة هكذا، أي بدأ في العمل للدعوة إلى ربه سبحانه وتعالى ومولاه بعد أن سمع بالقبض على يحيى -عليه السلام- ويحيى هو المسمى عند النصارى (بيوحنا المعمدان)، وقول عيسى للناس الذين يدعوهم إلى الله: "توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات"، أي ارجعوا أيها الناس إلى الله فقد اقترب وعد الله بتمكين أهل الإيمان في الأرض، وهو ما يعبر عنه بملكوت السماوات، أو مملكة الله، ولا شك أن ذلك قد تحقق بحمد الله على يد النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعث الله نبيه عيسى مبشراً به كما قال تعالى في القرآن: { وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين } (الصف:6)
ب- نماذج من كلمات عيسى عليه السلام في دعوته إلى الله:
وهذه نماذج من مواعظ عيسى عليه السلام، ودعوته كما جاء في إنجيل متّى: ( طوبى للمساكين بالروح، فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى للحزانى، فإنهم سيعزّون، طوبى للودعاء، فإنهم سيرثون الأرض، طوبى للجياع، والعطاش إلى البرّ، فإنهم سيشبعون، طوبى لأنقياء القلب، فإنهم سيرون الله، طوبى لصانعي السلام، فإنهم سيدعون أبناء الله، طوبى للمضطهدين من أجل البرّ، فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى لكم متى أهانكم الناس واضطهدوكم، وقالوا فيكم من أجلي كل سوء كاذبين، افرحوا وتهللوا، فإن مكافأتكم في السماوات عظيمة، فإنهم هكذا اضطهدوا الأنبياء من قبلكم! ).
ج- ملح الأرض ونور العالم:
"أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح، فماذا يعيد إليه ملوحته؟ إنه لا يعود يصلح لشيء إلا لأن يطرح خارجاً ليدوسه الناس !
أنتم نور العالم، لا يمكن أن تخفي مدينة مبنية على جبل؛ ولا يضيء الناس مصباحاً ثم يضعونه تحت مكيال، بل يضعونه في مكان مرتفع ليضيء لجميع من في البيت هكذا، فليضيء نوركم أمام الناس، ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات".
د- موقف المسيح من الشريعة:
ولا تظنوا أني جئت لألغي الشريعة، أو الأنبياء، ما جئت لألغي بل لأكمل، فالحق أقول لكم: "إلى أن تزول الأرض والسماء، لن يزول حرف واحد، أو نقطة واحدة من الشريعة، حتى يتم كل شيء يا من خالف واحدة من هذه الوصايا الصغرى، وعلم الناس أن يفعلوا فعله، يدعى الأصغر في ملكوت السماوات، وأما من عمل بها، وعلمها، فيدعى عظيماً في ملكوت السماوات"، فإني أقول لكم: "إن لم يزد برّكم على برّ الكتبة الفريسيين لن تدخلوا ملكوت السماوات أبداً" (إنجيل متّى الفصل الخامس).
وفي هذه النصوص دليل واضح على أن عيسى -عليه السلام- عندما كان يدعو تلاميذه، ويعلمهم لم يكن يدعوهم إلا على أنه رسول من الله -سبحانه وتعالى- يدعوهم إلى توحيد الله، وعبادته، انظر إلى قوله لهم: (هكذا فليضيء نوركم أمام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات).
فها أنت ترى هنا أنه يدعوهم إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة، والصفات الكريمة ليكونوا شامة في الناس، وعلامة مضيئة لهم، وأن الناس إذا رأوا أن من انتسب إلى الدين كان صالحاً باراً فإنهم بسبب هذا يتوجهون إلى الرب -سبحانه وتعالى- الذي في السماء، ولو كان عيسى -عليه السلام- إلهاً، ورباً، أو ابناً للإله، والرب لكان قال لهم: (إني آمركم بما آمركم به لأعبد، ولأمجد وأعظم)، وقد عبر عيسى -عليه السلام- هنا عن الرب سبحانه وتعالى بأنه (أبوهم) الذي في السماء وقد كان سائغاً في لغتهم تسمية الرب الإله الخالق بالأب على أنه هو المربي وهو الذي يرعى عباده الصالحين، وقد تكرر من عيسى عليه السلام القول أن الله سبحانه وتعالى هو أبوه، وأبوهم كما علم تلاميذه أن يقولوا في صلاتهم ...
"أبانا الذي في السماء، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك..".
وبالتالي فحمل ما جاء عن عيسى -عليه السلام- باسم الأب أنه يعني -كما يقول الظالمون- أبوة النسب، وأن عيسى -عليه السلام- إله من جوهر أبيه، وأن ذاته هي ذات الرب -حملهم خطأ كبير وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-.. وهذه النصوص من الإنجيل الذي يؤمنون به، ويعترفون به شاهدة عليهم أن عيسى -عليه السلام- لم يكن إلا عبداً مربوياً مخلوقاً فقيراً عاجزاً نبياً رسولاً يدعوا إلى تمجيد إلهه، ومولاه خالق السماوات، والأرض.
2- قول عيسى -عليه السلام- لتلاميذه إنهم إذا تخلقوا بالأخلاق الكريمة، وصبروا على الجوع، والعطش كانوا رحماء، كرماء، أنقياء القلب، صانعين للسلام، مضطهدين في الله ولله، قال عيسى عن هؤلاء: "طوبى لصانعي السلام، فإنهم سيدعون أبناء الله" ، "طوبى لأنقياء القلب، فإنهم سيرون الله"..
هذه نصوص صريحة واضحة أنه ما عنى بأبناء الله إلا بنوة التحنن، والتربية، والرحمة، والرعاية، وليست بنوة النسب، والجزء..
وقوله: ( طوبى لأنقياء القلب فإنهم سيرون الله ) تبشير بأن أهل الإيمان يرون ربهم يوم القيامة، وهو ما جاء به كذلك النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم..
ولو كان عيسى -عليه السلام- إلهاً كما يزعم الضالون لما كان لقوله إن أنقياء القلب سيرون الله!! كيف سيرونه وهو معهم يأكل، ويشرب، وينام!!، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وقول عيسى -عليه السلام- لهم كما جاء في الإنجيل: "افرحوا، وتهللوا فإن مكافأتكم في السماء عظيمة، فإنهم هكذا اضطهدوا الأنبياء قبلكم".. دليل على أن المكافئ، والمجازي هو الله، وأن الجزاء لا يكون إلا عنده يوم القيامة، ولو كان عيسى -عليه السلام- هو الله لقال لهم: "سأكافئكم وأجازيكم وأفعل بكم وأفعل".. ولكنه رد الأمر إلى خالق السماوات والأرض سبحانه وتعالى.
3- قول عيسى عليه السلام: (لا تظنوا أني جئت لألغي الشريعة، أو الأنبياء، ما جئت لألغي بل لأكمل).
هذا نص جلي واضح لكل ذي عينين أن عيسى -عليه السلام- رسول قد خلت من قبله الرسل، وأنه واحد من سِلكِهم، وليس رباً، أو إلهاً لهم، أرسلهم إلى الناس كما يزعمون، وأنه ما جاء عليه السلام إلا ليعمل بالشريعة التي سبقته وهي شريعة موسى -عليه السلام- ويكمل ما بناه الأنبياء قبله، وقد جاء تصديق ذلك في القرآن الكريم كما قال سبحانه وتعالى عن عيسى -عليه السلام- أنه قال لقومه: { ومصدقاً لما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون، إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم } (آل عمران:50،51).
فعيسى -عليه السلام- لم يكن إلا نبياً رسولاً جاء للعمل بشريعة موسى -عليه السلام- ولم يلغها، وإنما جاء ليكملها بتحليل بعض ما حرم الله على بني إسرائيل، وجاء ليدعو بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويجدد لهم ما اندرس من دينهم، ويبعث فيهم جذوة الإيمان التي انطفأت بظلمهم وعتوهم، وتحريفهم كلام الله سبحانه وتعالى..
ولو كان عيسى -عليه السلام- إلهاً ورباً كما يدعي الضالون ما كان ليصح بتاتاً أن يقول لهم: ( ما جئت لألغي بل لأكمل )!!، يكمل ماذا؟!
فلا شك أنه -عليه السلام- حلقة في سلسلة الأنبياء والمرسلين -عليهم السلام- وليس رباً إلهاً كما يدعي الظالمون المشركون الحائدون عن تعاليمه، ودينه عليه الصلاة والسلام.
6- عيسى عليه السلام يخبر أنه نبي رسول ويبين حقيقة يحيى عليه السلام (يوحنا المعمدان) وأنه هو (إيليا) المبشر به في التوراة:
جاء في الفصل الحادي عشر في إنجيل ( متّى ) النص الآتي:
يسوع ويوحنا المعمدان:
بعدما انتهى يسوع من توصية تلاميذه الإثني عشر، انتقل من هناك، وذهب يعلم ويبشر في مدنهم، ولما سمع يوحنا، وهو في السجن، بأعمال المسيح، أرسل إليه بعض تلاميذه، يسأله: "أأنت هو الآتي، أم ننتظر غيرك؟" فأجابهم يسوع قائلاً: "اذهبوا أخبروا يوحنا بما تسمعون وترون: العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقامون، والمساكين يبشرون، وطوبى لمن لا يشك في!".
وما أن انصرف تلاميذ يوحنا، حتى أخذ يسوع يتحدث إلى الجموع عن يوحنا: "ماذا خرجتم إلى البرية لتروا؟ أقصبة تهزها الرياح؟
بل ماذا خرجتم لتروا: أإنساناً يلبس ثياباً ناعمة؟ ها إن لابسي الثياب الناعمة في قصور الملوك! إذن، ماذا خرجتم لتروا؟ أنبياً؟ نعم، أقول لكم، وأعظم من نبي، فهذا هو الذي كتب عنه: ها إني مرسل قدامك رسولي الذي يمهد لك طريقك! الحق أقول لكم: إنه لم يظهر بين من ولدتهم النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه! فمنذ أن بدأ يوحنا المعمدان خدمته، وملكوت السماوات معرض للعنف؛ والعنفاء يختطفونه! فإن الشريعة والأنبياء تنبأوا جميعاً حتى ظهور يوحنا، وإن شئتم أن تصدقوا فإن يوحنا هذا، هو إيليا الذي كان رجوعه منتظراً، ومن له أذنان فليسمع!"
"ولكن بمن أشبه هذا الجيل؟ إنهم يشبهون أولاداً جالسين في الساحات العامة، ينادون أصحابهم قائلين: زمّرنا لكم، فلم ترقصوا! وندبنا لكم فلم تنتحبوا! فقد جاء يوحنا لا يأكل، ولا يشرب، فقالوا إن شيطاناً يسكنه! ثم جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فقالوا: هذا رجل شره، وسكير صديق لجباة الضرائب، والخاطئين، ولكن الحكمة قد بررها أبناؤها" (إنجيل متّى 11/1-20).
وفي هذا النص من الأدلة على بشرية عيسى -عليه السلام- وأنه عبد الله ورسوله، وأنه لم يكن رباً، وإلهاً وأن هذا يتناقض تماماً مع ما دعا إليه ما يأتي:
1- قول كاتب الإنجيل ( بعدما انتهى يسوع من توصية تلاميذه ) ولم يقل عبيده، بل هم تلاميذه، ومعنى ذلك أنه ليس إلا أستاذاً ومعلماً ورسولاً ونبياً، فالرب الخالق -سبحانه وتعالى- لا يقال لمن يعلمهم تلاميذه.
2- سؤال يحيى (يوحنا المعمدان) وإرساله، وهو في السجن من يسأل عيسى -عليه السلام- ( أأنت هو الآتي، أم ننتظر غيرك؟ ) يدل على أن عيسى –عليه السلام- نبي مرسل، وهو المسيح المبشر به في التوراة، ولا يوجد نص واحد في التوراة يقول إن الله سيأتي بنفسه إلى أهل الأرض، أو سيرسل ولده إليهم،.. ولو كان شيئاً من ذلك لأخبر الله عنه في الرسالات السابقة، وخاصة في بني إسرائيل الذي أرسل عيسى منهم، وإليهم كما قال تعالى في القرآن الكريم عنه: { ورسولاً إلى بني إسرائيل }.
فكيف لم يخبرهم الله -عز وجل- على لسان موسى والأنبياء -عليهم السلام- الكثيرين منهم قبله وبعده أنه سيرسل إليهم إبنه أو نفسه وأن هذا الإبن سيكون منسوباً إلى بني إسرائيل من نسل داود إنساناً، وإلى الله سبحانه وتعالى روحاً، ونفساً، وذاتاً كما يدّعون، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
3- إشادة عيسى بن مريم -عليه السلام- بيحيى -عليه السلام- وبيان أنه لا يختلف مع يحيى إلا في الأسلوب، فقد كان يحيى -عليه السلام- آخذاً بالحزم، والتقشف كما جاء في الإنجيل من أنه كان لا يلبس إلا ثوباً من وبر الجمال، ويشد وسطه بحزام من جلد، ولا يأكل إلا من البرية الجراد، والعسل البري (متّى 3/5) وأخذ نفسه بذلك.
وبالبعد عن مخالطة العصاة، وتشديد النكير عليهم، وأما عيسى -عليه السلام- فقد جاء باللين، والرحمة معهم، ومحاولة استمالتهم بالتي هي أحسن إخراجاً لهم من المعصية، ودعوة لهم بالخير، وكان يأكل مع العصاة